تحل اليوم الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، حذيفة الكحلوت أبو عبيدة، الذي شكّل حضوره الإعلامي خلال سنوات الحرب والمواجهة أحد أبرز ملامح الخطاب العسكري للمقاومة الفلسطينية.
وخلال سنوات ظهوره، لم تقتصر مهمته على نقل البيانات العسكرية، بل تحولت إطلالاته إلى مادة يتابعها الفلسطينيون والعرب، خصوصًا خلال محطات الحرب والمواجهات الميدانية. وبمرور الوقت، ارتبطت صورته المقنّعة وبزته العسكرية وكوفيته الحمراء بخطاب المقاومة في الوعي الشعبي.
ومع غيابه، لم تتوقف إعادة تداول خطاباته وعباراته، إذ بقيت مقاطع من كلماته حاضرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي المواد المصورة والجداريات والهتافات، لتشكل جزءًا من الذاكرة التي ارتبطت بسنوات الحرب.
من البيانات العسكرية إلى خطاب مؤثر
لم يكن أبو عبيدة يقدم بياناته بلغة عسكرية جافة، بل اعتمد في خطابه على لغة عربية فصيحة، وعبارات مكثفة، وإشارات متكررة إلى الصمود والمواجهة. كما اتسمت إطلالاته بالهدوء والثبات، وهو ما ساهم في تكوين شخصية إعلامية باتت مرتبطة لدى مؤيديه بصورة المتحدث باسم المقاومة.
وكان توقيت خطاباته، غالبًا، مرتبطًا بتطورات ميدانية وسياسية حساسة، الأمر الذي جعل ظهوره محط متابعة واسعة، خصوصًا في أوقات التصعيد والعمليات العسكرية.
ومع تكرار ظهوره، تحولت بعض عباراته إلى جمل متداولة على نطاق واسع، تجاوز استخدامها سياق البيانات العسكرية إلى مواقع التواصل الاجتماعي والفعاليات والكتابات الجدارية.
عبارات بقيت في الذاكرة
من أبرز العبارات التي ارتبطت بخطابه، خاتمته المتكررة: "إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد"، وهي عبارة تحولت إلى جزء من الصورة العامة التي التصقت بإطلالاته.
كما تداول مؤيدوه عبارات أخرى وردت في خطاباته، بينها "يا أهلنا ويا تيجان رؤوسنا"، التي خاطب بها الفلسطينيين في أكثر من مناسبة، في تأكيد على العلاقة بين المقاومة والحاضنة الشعبية.
أما العبارات ذات الطابع الساخر أو التحدي المباشر للاحتلال، فانتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأعيد استخدامها في المقاطع المصورة والتصاميم والجداريات، لتتحول بعض كلماته إلى عبارات رمزية مرتبطة بمرحلة الحرب.
حضوره في الفضاء الرقمي
لم ينتهِ حضور أبو عبيدة بانتهاء ظهوره المباشر، إذ استمرت حسابات ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي في إعادة نشر مقاطع من خطاباته السابقة، وربطها بالأحداث والتطورات الفلسطينية.
كما ظهرت تصاميم رقمية ولوحات فنية تستعيد ملامح صورته المعروفة، فيما استخدم فنانون وناشطون أدوات رقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج أعمال تستلهم صورته ولثامه وكوفيته.
وفي ظل سياسات الحذف والحظر التي طالت محتوى مرتبطًا بالحرب في غزة، لجأ مستخدمون إلى إعادة إنتاج المواد بصيغ مختلفة، ما ساهم في استمرار تداولها وانتشارها في الفضاء الرقمي.
صورة تركت أثرًا لدى جيل جديد
لم يقتصر حضور أبو عبيدة على الخطاب السياسي والعسكري، بل امتد إلى الثقافة الشعبية، خصوصًا بين الأطفال والشبان الذين ارتبطوا بصورته خلال سنوات الحرب.
وأصبحت الكوفية الحمراء واللثام عنصرين متكررين في الرسومات والملصقات والفعاليات الشعبية، فيما انتشرت مقاطع لأطفال يقلدون طريقة حديثه أو يرددون بعض عباراته.
ويعكس ذلك حجم التحول الذي أحدثته صورته في الذاكرة البصرية لجيل عاش الحرب وتابع تفاصيلها عبر الشاشات، وإن كان هذا الحضور يحمل في الوقت نفسه دلالات مختلفة لدى الفئات والأجيال المتعددة.
رمز يتجاوز الحدود
تجاوز تداول صورة أبو عبيدة الساحة الفلسطينية، إذ ظهرت صورته في بعض التظاهرات والفعاليات التضامنية مع فلسطين في دول مختلفة، إلى جانب الكوفية والرموز المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وبالنسبة إلى مؤيديه، لم تعد صورته مرتبطة فقط بشخص الناطق العسكري، بل أصبحت رمزًا لمرحلة كاملة من الحرب، ولخطاب ركز على الصمود والمواجهة في مواجهة الاحتلال.
الغياب الذي لم ينهِ الحضور
بعد عام على غيابه، بقيت خطابات أبو عبيدة حاضرة في الذاكرة الشعبية من خلال المقاطع المصورة والاقتباسات والرسومات والأعمال الفنية التي تستعيد صورته وكلماته.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة من شخصيته وخطابه، فإن حضوره الإعلامي ترك أثرًا واضحًا في المشهد الفلسطيني والعربي خلال سنوات الحرب، وحوّل الناطق العسكري إلى شخصية رمزية مرتبطة بمرحلة استثنائية من تاريخ الصراع.
غاب الصوت عن الشاشة، لكن تسجيلاته وخطاباته وصورته لا تزال تعاد قراءتها وتداولها، لتبقى جزءًا من الذاكرة البصرية والإعلامية لمرحلة الحرب على غزة.

