لو كان لثقافة الاشتباك جبهة ناظمة، لكان الكاتب الشاعر الفلسطيني محمد أسعد واحداً من أبرز ممثليها وأعمقهم فكراً، وأعلاهم إنتاجاً وتنوعاً وعطاءً. ولأن الأسعد لم يكن يسعى إلى شهرة أو مكاسب شخصية، فقد ظل إطار العارفين به وبدوره وإنتاجه ضيقاً، إلا بقدر ما تتيح له كتاباته من انتشار ومتابعة وتعقيب ومراجعات.
ولد محمد الأسعد في قرية أم الزينات، إحدى قرى حيفا، في عام 1944. وعاش سنواته اللاحقة لضياع فلسطين ما بين البصرة تلميذاً، وبغداد طالباً جامعياً دارساً للاقتصاد. ثم انتقل بعد ذلك إلى الكويت ليعمل مدير تحرير مجلة "الطليعة" الكويتية، الناطقة باسم الحركة القومية الكويتية والتقدميين للعرب، مستفيداً من فضاء الحرية النسبية التي كانت تتمتع بها دولة الكويت في تلك الحقبة. في ظروف كهذه، عمّق الأسعد ثقافته الوطنية والقومية والإنسانية، استناداً إلى فلسفة فكرية تقدمية عميقة، وإلى بوصلة قيمية عمادها الحرية والعدالة وحقوق الإنسان أينما كان، وبالحقوق الوطنية الكاملة لشعب فلسطين.
بدأ حياته صحفياً متابعاً ومسؤولاً، ثم كتب الشعر والرواية والدراسات الأدبية واللغوية والاستشراقية، وقضايا اللاجئين وحقوقهم السياسية والقانونية والإنسانية.
المبدع المتعدد والمثقف المشتبك
تمتع محمد الأسعد بقدرات ذهنية تحليلية وتركيبية وإبداعية عالية، تحيل في مقاربتها إلى غسان كنفاني وناجي العلي ومروان عبد العال وغيرهم، ممن عبروا عن فلسفتهم وأفكارهم ومواقفهم بالشعر والرواية والمقالة والدراسة واللوحة الفنية أو أية أشكال تعبيرية أخرى. في كل ما كتب أو رسم، كان مثقفاً مشتبكاً، لأنه آمن أن الحياة موقف، وفلسطين تختصر الحياة بكل أبعادها، فكراً وممارسة وسلوكاً وموقفاً من الحرية والتقدم ومحاربة التخلف والقمع ضد فئات المجتمع المختلفة.
تمادى محمد الأسعد مع صديقه ناجي العلي ورفيقه في فلسفة الحرية والنضال والتعبير الابتكاري، الذي يصل إلى قطاعات واسعة في المجتمع الفلسطيني والعربي في كل مكان.
وقد كان الأسعد جريئاً حيث أشار إلى القتلة بشكل واضح؛ فباغتياله تلتقي مصالح أطراف عديدة، تعمل كلها متضافرة على إسكات صوت الحق، وإخماد ضمائر الشعوب، وتغييب قوى التغيير الثوري. رأى الأسعد في ناجي العلي أنه فنان عظيم قال كلمته لعصره ولعصر قادم..لم يأخذ بالاعتبار حساب الربح والخسارة الشخصية.. كان ضد الخداع والدجل، وكان ناقداً أخلاقياً لكل من يدمر الأمل في وجدان اللاجئين ووعيهم، وما كان حنظلة إلا تجسيداً لزهرة الأمل.
حين انطلقت جنازة ناجي العلي، كان الأسعد واحداً من المشيّعين. وحين توفي الأسعد في الكويت، لم يشيّعه أكثر من ثلاثة أشخاص.
واشتبك الأسعد سياسياً مع من رضوا بفكرة تقطيع أوصال أرض فلسطين، وتقاسمها مع العدو المحتل، بحيث تصبح يافا وحيفا وعكا والناصرة والمئات من قراها جزءاً من جغرافيا صهيونية توراتية لا أساس لها ولا جذور. وقد جرّ عليه هذا الموقف مصاعب عدة، حتى ليقال إن ترحيل الأسعد من قبرص، بعد الكويت، إنما جاء نتيجة لوشاية رسمية وتنسيق أمني.
وحين كتب الأسعد دراسته/ روايته الوصفية بعنوان "نص اللاجئ: ذكريات القبيلة الضائعة"، كان يلقي الضوء على المعاناة القاسية التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في العراق، ما بين أواخر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، على كل المستويات ومن كل المستويات. ويدين الأسعد مندهشاً كيف أن الرواة والقصاصين لم يقتحموا الكتابة عن هذه التجربة، التي تعاملت مع اللاجئ الفلسطيني هناك بعيداً عن التعاطف الإنساني بأبسط صوره وأشكاله.
ومن اشتباكات محمد الأسعد المهمة، تلك التي انطلقت ضد لصوص السردية التاريخية والحقوق الأدبية للشعب الفلسطيني في الآثار الفلسطينية. إذ خصص جزءاً من وقته وجهوده لدور علماء الآثار المستشرقين في تزييف التاريخ وسرقة الأرض عبر حقل الاستشراق من خلال الآثار، ليكشف بعد الدراسة المعمقة الميدانية والنظرية أن هؤلاء المستشرقين عجزوا عن العثور على شواهد تدعم نظرياتهم ومسلّماتهم الضالة المضللة. ما يعني انهيار الصرح الزائف الذي بناه علم الآثار التوراتي، وما يترتب على ذلك الانهيار من دمار لإحدى مرتكزات الكيان الاستعماري في فلسطين في الذهنية الغربية. وما كان من أجهزة الاختبارات الصهيونية إلا أن شرعت في اغتيال علماء آثار موضوعيين، من بينهم اثنان كانا في جامعة بيرزيت، الدكتور ألبرت جلوك والدكتور لورنس جلوك، في مطالع التسعينيات من القرن الماضي.
وبلغت نزعة الاشتباك المعرفي والعلمي لدى الأسعد إلى حقول اللغة والحداثة وقضايا الشعر. فكان إذ يتحدث عن "حضارة الشعر"، إنما يقصد "حضارة الحرية". وكان يرى أن التجديد الشعري هو جوهر التحرر الشعري، وهذا التحرر مرتبط بسياقه الاجتماعي - التاريخي، وما يتضمنه هذا السياق من علاقات اجتماعية ومستوى معرفي وتطور علمي وحدس شعري، يعي هذه العلاقات ويعي العلاقة بالتراث؛
- فالشاعر المستغرق في التراث يعاني من استلاب تراثي
- والشاعر المستغرق في التجربة الغربية يعاني استلاباً غربياً.
- الشاعر المرتبط ببيئته وسياقها الاجتماعي، فيحمي نفسه من الاستلابين السابقين.
وعليه، فإن الشاعر، كما يرى الأسعد، صاحب مسؤولية شخصية من حيث المعرفة والخيال والإدراك. فالشعر الذي يعي حريته، يمضي في طريقه إلى الفعالية الشعرية، بما تعنيه من مجابهة للوعي المضاد الرامي إلى إفساد الفعالية الشعرية.
خلاصة
لم تطمح هذه المقالة إلى تناول جوانب الإبداع الفكري والثقافي والأدبي لقامة ذهنية وثقافية متقدمة، بل حسبنا أن تكون هذه المقالة مقدمة تعريفية، غايتها إلقاء الضوء على واحد من مبدعي المنافي من أبناء فلسطين، والذين - لأسباب مختلفة - لم يحظوا بالشهرة المستحقة رغم إنجازاتهم الإبداعية والفكرية والثقافية. كان الأسعد مثقفاً مشتبكاً، يواجه قوى الدجل والتضليل والمساومة غير المشروعة، همه في ذلك أن تكون الحياة لائقة بمواطن عربي وفلسطيني، بل بالإنسانية جمعاء.
غادرنا محمد الأسعد في 2021، لكنه ترك ابنته الباحثة النشطة أناهيد الحردان، تواصل مسيرته بإبداعها الخاص وبجهودها التي ترصد أهدافها بدقة.
مؤلفاته:
الأعمال الشعرية
· الغناء في أقبية عميقة (الطبعة الأولى)، سلسلة ديوان الشعر العربي الحديث، وزارة الإعلام العراقية، بغداد، 1974.
· حاولت رسمك في جسد البحر (الطبعة الأولى)، دار الطليعة، الكويت، 1976.
· لساحلك الآن تأتي الطيور (الطبعة الأولى)، دار بن رشد، بیروت، 1980.
· مملكة الأمثال (الطبعة الأولى)، دار العودة، بيروت، 1986.
· الأعمال الشعرية الجزء الأول (8) مجموعات، كتاب مرايا الشعري المحلة الكبرى، مصر، 2009.
الأعمال النقدية
· مقالة في اللغة الشعرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.
· الفن التشكيلي الفلسطيني، دار الحوار، دمشق، 1985.
· بحثا عن الحداثة، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986.
الأعمال الروائية
· أطفال الندى، دار رياض الريس، لندن، 1990.
· نص اللاجيء، مجلة العصور الجديدة، القاهرة، ديسمبر 1999.
· حدائق العاشق، دار العصور الجديدة، القاهرة، 2001.
· شجرة المسرات، سيرة بن فضلان السرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004.
· أصوات الصمت، مسعى والدار العربية للعلوم – الكويت وبيروت، 2009.
· الأعمال الروائية: أطفال الندى، نص اللاجيء، حدائق العاشق، شجرة المسرات، أصوات الصمت، أم الزينات، تحت أشجار الخروب – في ثلاثة مجلدات، جمعية البيت للثقافة والفنون، منشورات البيت، الجزائر، 2009.
· أطفال الندى (بالفرنسية)، دار البن ميشل، باريس، 2002.
· أطفال الندى (باليونانية)، دار الكساندرية، أثينا، 2003.
· أطفال الندى (بالبرتغالية)، كامبو داز ليتراس، لشبونة، 2005.
· أطفال الندى (بالعبرية)، دار بارديس، حيفا، 2005.
السيرة الذاتية
· أبعد من الجدران: محمد الأسعد ويوسف الغازي: لاجيء فلسطيني وإسرائيلي يعودان إلى زيارة تاريخهما (الفرنسية)، تحرير فرانسواز جيرمين، دار أكت سود & سندباد، باريس، 2005.
الأبحاث
· مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ، مسعى & الدار العربية للعلوم، الكويت & بيروت، 2010.
الترجمات
· بعد السقوط (مسرحية)، أرثر ميلر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المسرح العالمي، الكويت، فبراير 1998.
· واحدة بعد أخرى تتفتح أزهار البرقوق، دراسة في جماليات قصيدة الهايكو مع شواهد مختارة، كينيث ياسودا، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، إبداعات عالمية، الكويت، 1999.
· ست وصايا للألفية القادمة (محاضرات)، إيتالو كالفينو، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، إبداعات عالمية، الكويت، ديسمبر 1999.

