Menu

الأونروا في عين الاستهداف الإسرائيلي

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

أخيراً حدث ما كان متوقعاً، ونفذت قوات الاحتلال أبعد ما كان قد قرره الكنيست الإسرائيلي بإنهاء خدمات الأونروا في الأراضي الفلسطينية. فقد تم الاستيلاء على مجمع الأونروا في القدس في مخيم قلنديا وكفرعقب

دون إنذار مسبق، كما صرّح بذلك المتحدث باسم الأونروا نافذ أبو حسنة، ومن ثم هدمه بمحاولةٍ من حكومة الاحتلال هدم وإسقاط الشاهد الأممي الوحيد على نكبة فلسطين، وحرمان اللاجئين الفلسطينيين من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية التي تقدمها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والتي أُنشئت بقرار من الأمم المتحدة حمل رقم 302 عقب نكبة فلسطين في ٨/١٢/١٩٤٩.

إن هذا الاعتداء الصارخ على صرح أممي وإغاثي يعتبر خرقاً للقانون الدولي ، ومحاولة للتخلص من القيود الأممية التي تعيق سياسات الاحتلال أحياناً ، ويحمل أهدافاً خطيرة تتمثل في ضرب وإنهاء كل ما يرمز إلى قضية اللاجئين ومحورها حق العودة قانونياً وسياسياً ، ومحو الذاكرة الفلسطينية محلياً وعالمياً ؛ وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي الدولي بسرديةٍ كاذبة للاحتلال تقوم على التزييف التوراتي التلمودي، ووسم الأونروا وموظفيها بصفة "الإرهاب"، كما تهدف هذه الجريمة بحق الإنسانية إلى محو رمزية الخيمة والمخيم وطوابير اللاجئين، وصور معاناة الأطفال والنساء في مخيمات اللجوء في الشتات ، كأرشيفٍ شاهد على جريمة العصر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني ، ذلك عبر تهويد مدينة القدس لإفراغ أكنافها من اللاجئين ، وإزالة كل ما يرمز إلى وجودهم فيها تمهيدا للضم النهائي وإعلانها عاصمة الدولة اليهودية.

إنه السعي الإسرائيلي الدائم لإنهاء الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة، والتخلص من كل ما يمت له بصلة، وهذا ما يؤكده تصريح الحاخام الأكبر لدولة الكيان دافيد يوسف عندما قال: "الفلسطينيون ليسوا شعباً ، ولم يكونوا كذلك، غزة لنا ،ونابلس لنا، وجنين لنا". إن ما يُعبر عنه هذا الحاخام السفاردي ليس مجرد موقف ديني أو شخصي، بقدر ما يعكس رأي المجتمع الإسرائيلي بكافة أطيافه وقادته، وهذا ما دأب على قوله نتنياهو وبن غفير وسموترتش وأبواق اليمين الديني المتطرف الآخرين الذين يحرضون على الإبادة والتطهير العرقي لدفع أهلنا نحو التهجير.

إن هدم مقرات الأونروا وإنهاء خدماتها في القدس هو حلقة أخرى وسط ما يجري في هذه الآونة من اعتداءات ممنهجة عنصرية وتوسعية لقطعان المستوطنين تحت حراب وحماية وشراكة جيش الاحتلال بحق المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية ، التي شهدت مؤخرا قتل مواطنين ونسف وحرق المنازل على رؤوس أصحابها ، ومصادرة الأراضي واقتلاع الأشجار وسرقة قطعان الأغنام، وحملات الاعتقالات الجماعية العشوائية، وخطف الشبان لتصفيتهم ، وإقامة البؤر الاستيطانية ، والمصادقة على بناء وحدات سكنية جديدة للمستوطنين، وفرض أشكال متعددة من الحصار الاقتصادي ، وإقامة ما يسمى "بالخيط القرمزي" الذي سيعزل نحو ١٨٠ ألف دونم من أراضي الأغوار التي تشكل السلة الغذائية للأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى إقامة جدار عزل جديد بطولة 22 كـم ، ونشر مئات الحواجز ونقاط التفتيش العسكرية لتقطيع الأوصال بين المدن والبلدات الفلسطينية.

إن الهجمة على منظمة الأونروا ودورها ليس بجديد، فقد تعرضت إلى ضغوطٍ لتعديل المناهج الوطنية والتدخل بمفرداتها في خمسينيات القرن الماضي، وتجددت هذه المحاولات مع بداية القرن الحالي، بحجة أنها تخرق مبادئ "الحيادية والاستقلالية وعدم التحيز والإنسانية". وفيما بعد ترافقت مع وقف التمويل الدولي بعد اتهام الأونروا و موظفيها بعدم الحياد، بل بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر؛ الأمر الذي فنده تقرير لجنة التحقيق الأممية المستقلة، برئاسة وزيرة خارجية فرنسا السابقة، كاترين كولونا في أبريل 2024. ولا زالت الولايات المتحدة، التي تعد أكبر المموّلين الدوليين، (نحو 360 مليون دولار سنويا، أي ما يشكل ثلث الميزانية السنوية للأونروا) توقف تمويلها استجابة للأجندة الإسرائيلية بإنهاء عمل الأونروا. ولابد من التذكير هنا، أن إجراءات الحكومة الإسرائيلية شهدت سعياً دائماً للإحلال التدريجي للمنهاج الإسرائيلي، وخطة للإندثار التدريجي للمنهاج الفلسطيني ، ومنع توظيف كل شخص يحمل شهادة من مؤسسة فلسطينية ؛ بهدف دفع الطلاب الفلسطينيين الالتحاق بالمؤسسات التعليمية الإسرائيلية عبر قانون رقم 3490، وهذا ما يتعارض مع القانون الدولي القائل: "يجب أن يكون التعليم في السياق الثقافي والاجتماعي للمتعلم"، كما عمدت سلطات الاحتلال إلى تكثيف الرقابة على المعلم والكتاب والمدرسة، وتم سحب العديد من التراخيص للمدارس الفلسطينية، وتقويض عمل مدارس الأونروا، وإغلاق 6 مدارس شرق القدس، وإنهاء عمل الوكالة في مخيمات نور شمس وجنين وطولكرم بذريعة عدم الحياد، وعدم الالتزام بالقوانين الإسرائيلية. كل ذلك تم كخطوات تمهيدية توّجت بحملة هدم مقرات الأونروا، ومنها معهد قلنديا، بهدف ضرب منظومة التعليم الفلسطيني هناك، وحرمان نحو 750 طالب من كافة أنحاء الضفة الغربية يتلقون التعليم والتدريب المهني.

إن ما تقوم به حكومة الاحتلال ضد منظمة محصنة بالحماية بموجب القانون الدولي، تم دون رادعٍ دولي أو محاسبة تُذكر ؛ ما يشكل هذا تحدٍ خطيرٍ للمجموعة الدولية ، وتحذير مسبق لكافة المنظمات التي تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة في الأراضي المحتلة، وهو خطوة أولى في مخطط متكامل لإنهاء عمل الأونروا ، ليس في القدس فقط أو الضفة الغربية ، ولا في غزة التي دُمرت فيها 312 منشأة للوكالة وقتل فيها 393 موظفاً، بل سيطال كافة مناطق عمليات الوكالة الأخرى في سوريا ولبنان و الأردن ، في حربٍ مفتوحةٍ ضد اللاجئين وقضيتهم وحقهم بالعودة إلى ديارهم في فلسطين.