تُقدم الوثائق الاستخباراتية البريطانية التي رُفعت عنها السرية، إلى جانب الأرشيفات التاريخية الحديثة المكتشفة، إزاحةً جذرية في الإطار المفاهيمي والتاريخي الحاكم لفهم أحداث النكبة الفلسطينية عام 1948، إذ تتجاوز هذه الوثائق حدود التوصيف الوصفي للوقائع الميدانية لتغوص في تفكيك آليات الهندسة الاستعمارية المعقدة التي أعادت وضع الدور البريطاني في نصابه الحقيقي بعيداً عن السرديات السطحية التي اختزلته في خانة الفشل الإداري العفوي أو الانسحاب الفوضوي، لتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه كان تمكيناً استراتيجياً ممنهجاً للمشروع الصهيوني وفق هندسة دقيقة استهدفت إقامة كيان سياسي غريب على أنقاض شعب وحضارة متجذرة في التاريخ والجغرافيا، الأمر الذي يفكك السرديات التقليدية ويثبت أن ما جرى لم يكن مجرد مخاض حرب عابرة، بل عملية تطهير عرقي هندس لها عبر شبكة من التواطؤات الدولية والإقليمية والمؤسسية العميقة.
أثبت الفحص التحليلي للوثائق أن العمليات القتالية التي خاضها الفلسطينيون دفاعاً عن أرضهم، على الرغم من قلة ذات اليد وشح الإمكانيات العسكرية، قد سجلت تفوقاً ومبادرات ميدانية عديدة كادت أن ترجح كفتهم، غير أن هذه الإنجازات لم تكن قابلة للاستدامة في ظل عوامل حاسمة تمثلت في النزيف المستمر للذخيرة ونفاذها من أيدي المقاتلين، فضلاً عن التدخل العسكري المباشر وغير المباشر من قبل القوات البريطانية التي كانت ترتدي زي "قوات الانتداب" بينما كانت تسخّر قدراتها لإنقاذ المستوطنين المحاصرين، وهو ما قلب موازين القوى الميدانية لصالح العصابات الصهيونية، حيث وثقت تقارير دائرة التحقيقات الجنائية البريطانية حالات متكررة لتدخلات عسكرية سافرة لم تقتصر على فك الحصار عن المستوطنات، بل تعدتها إلى التجريد المنهجي للفلسطينيين من أسلحتهم الفردية والدفاعية، مما خلق اختلالاً بنيوياً تمثل في إيجاد فراغ قوة تام لدى الجانب الفلسطيني في مقابل تخمة قوة وبنية تسليح فائقة لدى الجانب الصهيوني عشية الانسحاب الرسمي، لتتضح المعالم الكبرى للدور البريطاني بوصفه المهندس الخفي الذي صمم ميزان القوى العسكري وحسم المعركة جوهرياً قبل إطلاق رصاصة النهاية.
وفي السياق الميداني ذاته، فإن الأماكن والمواقع التي تمكن المقاتلون الفلسطينيون من السيطرة عليها، والعتاد والأسلحة التي غنموها من مخلفات المعسكرات البريطانية المنسحبة، لم تحظَ بفرصة توظيفها استراتيجياً لأمد طويل، إذ كانت تتعرض للمصادرة القسرية من قبل قيادة جيش الإنقاذ العربي الذي كان يرتجل انسحابات مريبة لاحقاً تاركاً تلك المواقع والحصون عرضة للسقوط السريع والسهل في قبضة القوات الصهيونية، مما أفرغ المقاومة الفلسطينية من مقومات صمودها وحرمها من الموارد اللوجستية الضرورية لاستمرار المعركة، وكشف عورات التنسيق الفاقد للاستراتيجية الموحدة بين الأطراف العربية المشاركة، وهو ما ينسجم تماماً مع طبيعة التخطيط الاستراتيجي البريطاني الرامي إلى ضمان التفوق الكاسح للكيان الصهيوني حتى بعد إعلان الانسحاب الظاهري الذي لم يكن اعتباطياً بل اتخذ طابعاً تكتيكياً مدروساً تم من خلاله تسليم المفاصل الاستراتيجية الحساسة، كالمطارات والموانئ والعقد المرورية، للمنظمات الصهيونية أو تركها في حالة جهوزية تتيح السيطرة عليها فوراً.
ولا تقتصر الأبعاد الزمنية للنكبة على اليوم المشؤوم في الخامس عشر من مايو عام 1948، بل تمتد جذورها وتتفاعل مساراتها كعملية تدريجية متصاعدة انطلقت فعلياً منذ منتصف عام 1947 واستمرت بلا هوادة حتى توقيع اتفاقيات رودس عام 1949، وهو أفق زمني مديد يؤكد قطعية الطابع المنهجي لعمليات الطرد والتطهير والسيطرة كجزء من استراتيجية طويلة الأمد حظيت بدعم استخباراتي دقيق وتواطؤ إقليمي ودولي، مما يسقط الادعاءات التقليدية التي تحصر النكبة في محطة تاريخية محددة، ليتبين أن النكبة كانت تتويجاً هيكلياً لمسار استعماري متكامل.
تكشف الأرشيفات أن المشروع الصهيوني بدأ مبكراً في بناء منظومته الاستخباراتية لجمع البيانات الشاملة حول جغرافية فلسطين وسكانها منذ أواسط العشرينيات من القرن الماضي، لدرجة أنه بحلول نهاية عام 1933 باتت لدى الدوائر الصهيونية سجلات دقيقة ومجهرية تحصي كل فرد وكل شجرة وكل حانوت وكل آلية وقطعة سلاح وحتى الدواب والممتلكات الخاصة بالفلسطينيين، في مستوى غير مسبوق من التحضير الميداني والمسح الاستخباراتي الممنهج الذي عُرف لاحقاً بـ "ملفات القرى"، والتي غطت تفاصيل التضاريس وشبكات المياه والولاءات السياسية ومقاطعات الضعف والثغرات الأمنية في كل تجمع سكاني فلسطيني، وهي ملفات شرعت الهاغاناه في تجميعها منذ أواخر العقد الأول من القرن العشرين وتكثفت بوتيرة متسارعة خلال الثلاثينيات والأربعينيات بغطاء استخباري بريطاني وتغاضٍ كامل أتاح ترسيخ بنية تحتية سيادية للمستوطنين بالتوازي مع التدمير المنهجي للبنية السياسية والمؤسسية الفلسطينية.
ومن الشواهد العميقة على شمولية الهندسة الاستعمارية وطبيعتها التي تسعى لطمس الهوية الفلسطينية، أن أول خطوة عملية نفذها الكيان الاستيطاني الجديد فور بسط سيطرته عام 1948 لم تكن عسكرية صرفة، بل ركزت على البعد الثقافي والمعرفي عبر مصادرة المكتبات الشخصية والعامة الكبرى التي حوتها البيوت الفلسطينية المهجورة في ما بات يُعرف بـ "سرقة الكتب الكبرى"، وهي عملية منظمة شاركت فيها المؤسسات الأكاديمية والثقافية لكيان الاحتلال الصهيوني بغية محو الذاكرة الثقافية الفلسطينية وابتلاع إرثها الفكري والحضاري لطمس الهوية الوطنية وإلغاء أي سند مادي يثبت أحقية أصحاب الأرض الأصليين، مما يبرز اتساع نطاق الهندسة الاستعمارية ليشمل الوعي والذاكرة الجمعية فضلاً عن الجغرافيا والديموغرافيا.
وتتداعى السرديات الاستعمارية التي سعت لتسويق مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" أمام الصلابة الحضارية والمشهد المزدهر الذي كانت تعيشه المدن والقرى الفلسطينية عشية النكبة، حيث كانت فلسطين حافلة بحضارة إنسانية متقدمة تضم 28 مجلة أدبية دورية، ودور سينما، ومسارح، ومكتبات عامة عريقة، وشبكة صحافة وإذاعة نشطة، وموانئ حيوية، ومنشآت معمارية هندسية باذخة، مما يدحض تماماً فرية الخلاء البشري ويؤكد تجذر شعب حيوي ومثقف كان يسهم بفاعلية بالغة في المشهد الحضاري والإقليمي والدولي.
وإمعاناً في محو الحقائق، لم يكن مصطلح إسرائيل متداولاً في أدبيات الإعلام أو الدوريات العالمية أو حتى في صلب "وعد بلفور" التاريخي، بل كانت المنطقة تُعرف حصراً بفلسطين، وهو ما يؤكد الطابع الاصطناعي والاستعماري البحت لهذا الكيان الذي تم إقحامه على أنقاض التاريخ الطبيعي لتلك البقعة الجغرافية، مؤكداً أنه نتاج مخاض استعماري حديث وليس امتداداً جذرياً طبيعياً.
وعلى صعيد المصير المأساوي للقرى الفلسطينية التي تجاوز عددها الخمسمائة قرية، لم يكتفِ المشروع الصهيوني بحدود الإخلاء القسري للفلسطينيين، بل عمد إلى تفكيك وتدمير بنيتها المادية والمعمارية بطريقة جذرية وحرفية تستهدف محو ملامحها البنيوية من جغرافية الأرض، بحيث لا يبقى من شواهدها سوى ما أخطأته يد المحو بالصدفة البحتة، وذلك انطلاقاً من غاية استراتيجية عليا تروم استئصال الوجود المادي والدلالي للشعب الفلسطيني من ذاكرة التاريخ والجغرافيا، وإغلاق الأفق تماماً أمام أي إمكانية أو حق قانوني لعودة اللاجئين إلى أملاكهم، بما يفضي في النهاية إلى فرض واقع جيوسياسي وجغرافي يعيد تشكيل الإقليم بصورة استيطانية نهائية تمنع أي فرصة لترميم الهوية المكانية أو العودة إلى جذور المشهد التاريخي.
ولم يقف الدور البريطاني عند حدود إطلاق وعد بلفور وتعبيد المسارات أمام "إقامة الوطن القومي لليهود"، بل تفرع بنيةً وممارسةً ليشمل سياسة التساهل المطلق مع العصابات الصهيونية المسلحة رغم تورطها في جرائم قتل واستهداف مباشر لجنود ومؤسسات التاج البريطاني، في ازدواجية معايير صارخة قوبلت بالاعتقال الفوري والبطش الممنهج بحق أي فلسطيني يُضبط حاملاً لأدوات دفاعية بسيطة كسكين، بالتوازي مع فتح الأبواب أمام تدفق الهجرة اليهودية المكثفة من القارة الأوروبية، وتغاضٍ استخباراتي مقصود عن شبكات تصنيع الأسلحة السرية المستوطنة في باطن الأرض، الأمر الذي يجسد بوضوح التواطؤ العضوي والهيكلي لتمكين المشروع الصهيوني على حساب الحقوق التاريخية والمشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وتسهيل عملية السيطرة الكاملة على الأصول والمقدرات الوطنية.
وقد تجسد الأثر الاستراتيجي للإضراب العام والحركة النضالية العارمة التي قادها الشعب الفلسطيني عام 1936 في إحداث اختراق نوعي غير مسبوق كاد أن يعصف بالبنيان الصهيوني ويفشل مخططاته في مهد تكوينه، لولا اصطدام تلك المقاومة بضغوط وتدخلات قامت بها أطراف وقيادات عربية وإقليمية ارتبطت بروابط ومصالح وثيقة مع الإدارة البريطانية والدوائر الصهيونية، حيث توضّعت تلك التدخلات تحت غطاء مضلل ومقنع بيافطة التهدئة وامتصاص الغضب، بغاية تفكيك وتفتيت عضد الثوار الفلسطينيين وسلبهم زخمهم الميداني، ومنح سلطات الانتداب البريطاني الفرصة الذهبية لإعادة رص صفوفها العسكرية والأمنية وقمع الثورة من جذورها، الأمر الذي يبرز بوضوح تشابكات وتعقيدات المشهد السياسي الإقليمي في تلك المرحلة المفصلية، ويسلط الضوء على الكيفية التي تم من خلالها توظيف عناصر النسيج المحلي والإقليمي لخدمة الغايات والأجندة الاستعمارية العليا.
ولم تكن الهدن العسكرية المفروضة طوال محطات حرب عام 1948 سوى بمثابة رئة اصطناعية متطورة أعادت ضخ الحياة والأنفاس في جسد الوجود الصهيوني الناشئ في أشد لحظات احتضاره العسكري وحرج وجوده، لا سيما في ظل اندفاع بعض الدوائر والأنظمة العربية نحو تثبيت تلك الهدن والضغط باتجاه إقرارها، الأمر الذي وفر للقوات الصهيونية متسعاً زمنياً واستراتيجياً حاسماً أتاح لها إعادة هندسة وتنظيم صفوفها، وفتح قنوات واسعة لتوريد الترسانة العسكرية والأسلحة من تشيكوسلوفاكيا عبر ما عُرف بـ "عملية بالاك"، فضلاً عن تكثيف برامج إعداد وتدريب المستوطنين، والاستفادة القصوى من فترات الهدوء المفتعل لقضم السيطرة على مساحات ومناطق استراتيجية جديدة لم تكن خاضعة لنفوذها العسكري قبيل سريان الهدنة، مما أدى في نهاية المطاف إلى قلب موازين القوى الميدانية رأساً على عقب لصالح المشروع الصهيوني وإحداث تغيير جذري ونهائي في مسار الصراع برمته، مؤكداً بما لا يقبل الشك أن عمليات وقف اطلاق النار لم تكن قط أدوات محايدة لفض الاشتباك الإنساني، بل شكلت آليات هندسية استراتيجية بالغة الدقة صُممت خصيصاً لترجيح الكفة الصهيونية وحسم الصراع.
وتتجلى إحدى أخطر الحقائق والوقائع التي كشفت عنها الوثائق والأرشيفات السرية في طبيعة شبكة العلاقات والاتصالات الوثيقة والمشبوهة التي ربطت بين شخصيات وقيادات صهيونية بارزة وزعامات ودوائر عربية نافذة في كل من شرق الأردن، والعراق، وسوريا، ومصر، وبلاد الحجاز، وهي قنوات اتصال شبكية وظفتها الحركة الصهيونية باحترافية استخباراتية عالية لاختراق المجتمعات والنسيج القيادي العربي، واستنباط وتحديد الثغرات والخواصر الأمنية الضعيفة في القرى والبلدات الفلسطينية، فضلاً عن النجاح الاستخباراتي الهائل الذي حققته الأجهزة الصهيونية في اختراق عقر دار القيادة العربية العليا والاطلاع المبكر على الخطط، والتقديرات، والمستندات العسكرية الحساسة، وهو الاختراق العضوي الذي أفضى إلى إجهاض العمليات الميدانية وشلل التحركات الدفاعية، ليؤكد بصورة قطعية وحاسمة الدور المحوري للتواطؤ البنيوي المزدوج، الداخلي والخارجي، في تهيئة وإنضاج الظروف والمناخات التي هندست ومهدت لكارثة النكبة.
وتثبت تقارير دائرة التحقيقات الجنائية البريطانية (CID) أن دوائر القرار ورئاسة الاستخبارات في لندن كانت على اطلاع فوري وإدراك مجهري تفصيلي بالفظائع والمجازر الدموية التي نفذتها المنظمات والعصابات الصهيونية، وعلى رأسها استباحة وتصفية قرية دير ياسين، ومع ذلك جوبهت تلك التقارير والبيانات بصمت استخباراتي وسياسي مطبق وموجه، يعكس مسؤولية جنائية وأخلاقية مباشرة وقاطعة، حيث أُعيد استثمار وتوظيف تلك المذابح استراتيجياً وعن عمد كأداة إرهاب عابرة للميدان لتحقيق غايات التطهير العرقي وإرهاب الحاضنة الشعبية الفلسطينية لدفعها قسراً نحو التهجير والنزوح الجماعي، وهو ما أقر بصحته وصراحته المفوض السامي البريطاني في وثائقه الرسمية، بالتوازي المحكم مع تفعيل الهندسة النفسية وآليات الحرب المعنوية عبر "حملات الهمس" الترهيبية التي أدارها القادة الميدانيون لبث الذعر وتضخيم الشائعات حول قدوم وتعزيز حشود عسكرية صهيونية غاشمة ووقوع مجازر وشيكة، في صورة تبرز التلاحم والتكامل التام بين أدوات الإرهاب الصهيوني الميداني والتغاضي والتمكين البريطاني الرسمي.
وعلى ضوء هذه المعطيات الوثائقية والشهادات التاريخية الدامغة، أزاحت الأرشيفات والوثائق الإسرائيلية المفرج عنها مؤخراً الستار الكثيف عن حزمة من الأوامر العسكرية الصارمة والمكتوبة بخط يد قادة عسكريين كبار، والتي صاغت عقيدة قتالية متكاملة تقضي بالتخلص المنهجي من المدنيين الفلسطينيين وطردهم جماعياً. إذ يُظهر فحص هذه الوثائق في شهر يوليو من عام 1948 إصدار قائد الكتيبة 12 في لواء غولاني، يتسحاق بروشي، توجيهات كتابية رسمية ومباشرة تفرض أنماطاً من التعامل القاسي والدموي مع القرى المأهولة، شملت التصفية الجسدية الفورية لأي شخص يمتنع عن إبراز وثيقة هويته، أو يتخلف عن المثول الإجباري للتفتيش العسكري، أو يُشتبه بكونه عربياً غريباً عن محيط القرية. وبلغ مؤشر التطرف ذروته الإجرامية بإصدار الأوامر القاضية بإعدام كل عاشر رجل في القرى التي يُعثر فيها صدفة على غرباء، في تدبير قمعي يعتمد العقاب الجماعي والإبادة الانتقائية لهندسة صدمة نفسية مروعة تفرض الرعب الوجودي وتدفع المجتمعات المحلية نحو الفرار القسري. يضاف إلى ذلك تصفية جميع الذكور البالغين في أي منزل تُضبط فيه مقتنيات أو أثاث مدني مسروق من المستوطنين اليهود، إلى جانب التعليمات الصارمة بتدمير القرى المستهدفة عن آخِرها وتسويتها بالأرض، وصولاً إلى التعليمات الصريحة والقاسية بإبادة "عشيرة عرب الزبائح" البدوية بكاملها بحيث لا يبقى لها لا روح ولا أثر، وهي وثائق رسمية مكتوبة وموقعة بخط اليد تنسف من أساسها السردية الصهيونية المزيفة حول النزوح الطوعي المزعوم، وتتطابق تكاملياً مع الشهادات الحية والاعترافات الموثقة لضباط وقادة إسرائيليين رفيعي المستوى، على غرار مردخاي ماكليف الذي تدرج في المناصب ليصبح لاحقاً رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي، والتي أكدوا فيها صراحة وبلا لبس أن الإرهاب المسلح كان ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لاقتلاع العرب وكسر إرادتهم، وأن عمليات الإبادة الجماعية والتطهير الممنهج تجسدت ميدانياً بأبشع صورها في قرى ومدن مثل صفصاف، وجيش، وعيلبون، واللد، والرملة، وبأن القيادة العسكرية العليا كانت على بينة كاملة وإحاطة تامة بهذه الممارسات الإجرامية، لتتكامل بذلك خيوط الأدلة الدامغة وتترسخ الطبيعة المنهجية والمؤسسية لعمليات التطهير العرقي باعتبارها سياسة عليا للدولة الناشئة وليست مجرد تجاوزات ميدانية فردية معزولة.
ولا تقف خيوط المؤامرة عند هذا الحد، إذ تتضافر الوثائق والشهادات التاريخية المحفوظة في الأرشيفات الدولية لتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الانسحاب البريطاني من فلسطين لم يكن حدثاً اعتباطياً أو فراغاً إدارياً عشوائياً، بل جاء تتويجاً لتصميم استراتيجي وتكتيكي عالي الدقة استهدف تسليم العقد الحيوية، والمطارات العسكرية، والموانئ الاستراتيجية، ومستودعات التسلح مباشرة إلى العصابات والتشكيلات الصهيونية لضمان تفوقها الميداني المطلق، بالتوازي مع شن حرب اقتصادية مدمرة وممنهجة استهدفت تقويض البنى التحتية للاقتصاد الوطني الفلسطيني من أساسه؛ حيث أقدمت سلطات الانتداب على تجميد كافة الأرصدة والودائع البنكية الفلسطينية في المصارف الواقعة تحت السيطرة "الإسرائيلية" الناشئة وحرمان أصحابها من الوصول إلى أموالهم، إلى جانب العمل المدروس على تخريب وتجفيف موارد قطاع الحمضيات الاستراتيجي الذي كان يمثل عصب الصادرات الزراعية والتجارة الخارجية، وصولاً إلى الخطوة الأكثر خطورة والمتمثلة في الاستحواذ على سجلات الطابو ودوائر تسوية الأراضي العقارية أو التلاعب بها ونقلها إلى خارج حدود البلاد، وذلك لحرمان الفلسطينيين عمداً من أي أساس قانوني أو وثائقي يتيح لهم لاحقاً المطالبة بممتلكاتهم وعقاراتهم المهجورة، الأمر الذي يجسد بوضوح تام البعد الجيواقتصادي المعقد الذي وظفته الأداة الاستعمارية هندسياً لتثبيت ركائز الكيان الغاصب وتكريس وقائع النكبة.
ولم تتوقف الأدوار البريطانية الممنهجة عند حدود التمكين الميداني العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل هندسة شبكة معقدة من الضغوط الدبلوماسية والسياسية المكثفة عبر التحالفات والدوائر الحليفة من الزعامات والملوك العرب بهدف تطويق وإجهاض الإضراب الوطني الكبير لعام 1936 وإفراغه من مضمونه التحرري، وصولاً إلى فرض وإملاء هدن عام 1948 المشؤومة التي شكلت في جوهرها الحبل السري الحيوي والمنقذ الذي انتشل المشروع الصهيوني من أتون الانهيار العسكري الوشيك، متبوعة بتركة استعمارية قانونية ثقيلة وفتاكة تمثلت في أنظمة وقوانين دفاع الطوارئ لعام 1945، تلك المنظومة الزجرية التي سارعت الدولة الصهيونية الناشئة إلى استنساخها بحذافيرها وتطبيقها بقسوة مفرطة لإخضاع الفلسطينيين الباقين في أراضي الداخل كمنظومة قمع وهندسة سيطرة بنيوية مستمرة وممتدة حتى يومنا هذا، مما يرسخ الحقيقة التاريخية الساطعة حول عمق الشراكة الاستراتيجية البريطانية في صياغة وتوفير الغطاء القانوني والمؤسسي الشامل للبطش الإسرائيلي المنهجي.
وتتطابق هذه الشهادات مع ما تكشفه التحقيقات التاريخية المعمقة عن عملية إخفاء وسطو أرشيفي ممنهجة ومؤسسية أُطلق عليها اسم "عملية ليغاسي"، وهي العملية الاستخباراتية التي جرى من خلالها ترحيل ونقل آلاف الملفات والمستندات والبرقيات السرية والحساسة من الأراضي الفلسطينية إلى مركز "هانسلوب بارك" الخاضع لسيطرة الاستخبارات البريطانية في ضواحي لندن قبيل إنجاز الانسحاب الرسمي، وذلك بقصد مسبق لستر الفضائح السياسية والأخلاقية البريطانية وتغطية الحجم الحقيقي للتواطؤ العضوي في هندسة وتمرير كارثة النكبة. وفي المقابل لتلك السياسة الإجرامية المتمثلة في طمس أدلة الإدانة وحرمان أصحاب الأرض من ذاكرتهم الوثائقية، أقدمت سلطات الانتداب والدوائر الإدارية البريطانية على خطوة تكاملية بالغة الخطورة تمثلت في تزويد القيادات والوكالة الصهيونية بخرائط طبوغرافية استراتيجية بالغة الدقة بمقياس 1:20,000 أصدرتها مصلحة المساحة البريطانية، وهي خرائط نوعية احتوت على الإحداثيات والمساقط والمقاطع الدقيقة لمصادر المياه والعيون وشبكات الآبار والمسالك الجبلية الوعرة والعقد المرورية والمواقع الحساسة، الأمر الذي منح العصابات والتشكيلات الصهيونية تفوقاً استخباراتياً ومعلوماتياً مطلقاً وحاسماً في هندسة وتخطيط وتنفيذ حملات الاجتياح والتهجير، مترافقاً مع حرمان القيادات والتشكيلات الدفاعية الفلسطينية من الوصول إلى أية بيانات أو خرائط مماثلة، لتتحول تلك الخرائط الجغرافية في أيدي الغزاة إلى سلاح استخباراتي فتاك حسم مآلات المعارك الميدانية وقوض أية فرصة للدفاع المنظم.
تتكامل هذه المعطيات والأدلة التاريخية لتفضي إلى إعادة صياغة وتعريف حقيقة الدور البريطاني تاريخياً، لا باعتباره مجرد قوة انتداب تقليدية عابرة أخلت المكان وخلّفت وراءها فراغاً سياسياً عشوائياً، بل بصفتها الراعي الاستراتيجي الأكبر والمهندس الخفي المدبّر الذي أشرف بدقة محكمة على عملية نقل السيادة من أتون الاستعمار المباشر إلى منظومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وذلك عبر شبكة معقدة ومتكاملة من التمكين الهيكلي، والتواطؤ الميداني، والتدبير الجيو-اقتصادي، والإرث القانوني القمعي، وطمس وتشتيت الأدلة والأرشيفات، وتقديم بنك المعلومات الجغرافية والاستخباراتية والعسكرية الفتاكة، الأمر الذي يضع الدولة البريطانية في صدارة المسؤولية التاريخية، والجنائية، والأخلاقية، والقانونية المباشرة عن كارثة النكبة الفلسطينية، ويفضح الجذور والأبعاد الحقيقية لطبيعة الصراع الوجودي المفتوح الذي ما زالت تداعياته المأساوية تلقي بظلالها الثقيلة حتى يومنا هذا، مؤكداً بما لا يدع مجالاً للشك أن النكبة تبقى جريمة تطهير عرقي ممنهجة ومؤسسية، بكل ما تحمله الكلمة من عمق جغرافي، وثقل تاريخي، ومعاناة إنسانية لا تتقادم ولا يسقطها التقادم.

