Menu

العتبات النصيّة ودلالتها في مسرحية "الاغتصاب" لسعد الله ونوس

غرز الدين جازي

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

تتمحور العتبات النصيّة لدى "الونوس" في مسرحيته "الاغتصاب" حول ثلاث محاور رئيسية :

  1. دلالة العتبة النصيّة للعنوان :

العنوان الرئيسي .

العنوان الفرعي .

2- دلالة العتبة النصيّة للإهداء .

  1. دلالة العتبة النصيّة للأسماء .

 

العتبة النصيّة للعنوان الرئيسي :

لقد اختار "الونوس" عنواناً رئيسياً لمسرحيته "الاغتصاب"، واستخدمه كدلالة رمزية في سياق أحداث مسرحيته يتمثل بما يلي:

اغتصاب "دلال" الزوجة الفلسطينية من قبل مجرمي الاحتلال الصهيوني قسراً وعنوةً أمام عيني زوجها "إسماعيل"، وفي ذلك دلالة واضحة على اغتصاب الوطن الفلسطيني من الصهاينة على مرأى ومسمع الشعب الفلسطيني كافة دونما أي اعتبار تاريخي أو اجتماعي لحقوق الشعب الفلسطيني.

اغتصاب "راحيل" الزوجة اليهودية من قبل متشددي الفكر الصهيوني العنصري الاستيطاني، وقد تم هذا الاغتصاب برغبة وموافقة "راحيل" من قبل "جدعون" المتشدد، وهي كما أوضح "الونوس" لا تعترض على العري ولا العلاقة الجنسية معه، لكنها تعترض على الطريقة التي تمت بها هذه العلاقة والتي تتمثل بالاغتصاب بالإكراه والعنف والقسوة، في دلالة رمزية من "الونوس" بأن هناك من اليهود من لا يمانعون في اغتصاب أرض فلسطين لكنهم يرفضون الطريقة العنيفة القاسية التي يسلكها المتشددون في السيطرة على فلسطين والتي تدفع إلى عدم وجود الأمان والاستقرار لديهم.

بالمآل، يقودنا ذلك إلى العنوان الرئيسي للمسرحية "الاغتصاب" والذي يمثل في جوهر دلالته اغتصاب الوطن الفلسطيني سلماً أو عنوة وبالإكراه .

العتبة النصيّة للعنوان الفرعي :

أطلق "الونوس" على الحالة الفلسطينية : "سفر الأحزان اليومية" ... المعاناة، الهم، القهر، الأحزان، والموت اليومي.

أطلق "الونوس" على الحالة الإسرائيلية : "سفر النبوءات" .. نبوءاتهم بأرض الميعاد .

وفي هذا يكون "الونوس" قد أشار إلى المعنى اللغوي للمفردة "سفر" التي تعني "الكتاب" ، أو "الكتاب الكبير" في دلالة لأوجاع وآلام الشعب الفلسطيني، وإلى النبوءات بأرض الميعاد للإسرائيلي .

العتبة النصيّة للإهداء :

سجّل "الونوس" إهداء مسرحيته لكل من : ناجي العلي ، مهدي عامل "حسن عبد الله حمدان"، فواز الساجر :

1- في الفضاء الجغرافي للوطن العربي : ناجي العلي : فلسطيني، مهدي عامل : لبناني، فواز الساجر : سوري.

2- في الفضاء الجغرافي للفكر والثقافة والفن : ناجي العلي : فنان كاريكاتير، مهدي عامل : مناضل ومفكر ثوري، فواز الساجر: مسرحي.

3- في فضاء الحياة : ناجي العلي، ومهدي عامل : اغتيلا، فواز الساجر : موت مفاجئ.

  1. دلالة هذه العتبة : الأوطان العربية، الأنماط الفكرية والثقافية والفنية، تلتحم معاً في نمط واحد لتجسّد وطناً واحداً : فلسطين .

 

العتبة النصيّة للأسماء:

في الدلالة اللغوية، والفكرية والثقافية والمضمون، لمعنى الاسم:

لم يختر "الونوس" أسماء شخوص مسرحيته عبثاً، بل كان لكل اسم ارتباط وثيق بالشخصية التي يجسّدها في المسرحية ودلالتها ومضمونها :

سارة، الأم الصهيونية :

الاسم يعني "الأميرة"، أو "السيدة النبيلة" .

المرأة الوحيدة في الكتاب المقدس التي غيّر الله اسمها، كان اسمها "ساراي"، ثم تغيّر إلى "سارة" كدلالة لوعد الله لها بأن يكون لها ذرية .

زوجة إبراهيم، وأم إسحق أبو يعقوب الذي ينحدر من نسله أنبياء بني إسرائيل.

مبجّلة عن المسلمين والمسيحيين واليهود.

تمثّل في المسرحية الإيديولوجيا التوراتية العنصرية، إذ تطالب بإقصاء العرب وإبادتهم.

أحبّت "مائير" الذي يمثّل النموذج اليهودي الصهيوني المتزمت حباً عصابياً عاقراً .

الفارعة، الأم الفلسطينية:

الاسم يعني الفتاة الطويلة ممشوقة القوام، ذات الشعر الطويل .

أسماها ابنها إسماعيل "الفارعة" لكثرة ما ترددت على سجن "الفارعة" تزور عمر حبيبها المعتقل والمحكوم مؤبد لاشتباكه مع دورية إسرائيلية .

تمثل فلسطين وفق ما رسمها "الونوس" :

• "ترفع قبضتها وكأنها تسير في مظاهرة" : زيت زعتر، زعتر زيت، يلعن أبو الشين بيت.

• "لم تغتصب إسرائيل بلادنا كي توفر لنا الأمان" .

تحتضن ابن أخيها "وعد محمد الصفدي" وتربيه تربية فلسطينية مشبعة برائحة الخبز وتراب الوطن .

تؤمن أن الصهيونية غير اليهودية.

راحيل، الزوجة، الأنثى، الصهيونية :

الاسم يعني "النعجة"، أو "الشاة" .

يستخدم الاسم كدليل للمعزّة والمحبة، مثل كلمة "حمل" في المسيحية .

أم يوسف وبنيامين اللذين أصبحا رئيسي اثنين من أسباط إسرائيل الاثني عشر.

ليست ضد اغتصاب فلسطين، لكنها ضد العنف والقسوة والإكراه، وتجلّى ذلك في عدم اعتراضها على العري ومصاحبة المتشدد جدعون لكنها ضد العنف والقسوة والإكراه في معاملة جدعون لها .

تمثّل النمط الإنساني الرافض للعنف الصهيوني الباحث عن الأمن والأمان والاستقرار .

دلال، الزوجة، الأنثى، الفلسطينية :

الاسم يعني المرأة حسنة الحديث ورقّته، التدلل، الرفاهية .

تمثل الفتاة والزوجة الفلسطينية .. تتعرض للاغتصاب من جهاز الأمن الإسرائيلي لإجبار زوجها إسماعيل على الاعتراف .

تنخرط في صفوف المقاومة وفق رؤيتها "هذه الأرض لا تتسع لنا جميعاً، إما نحن، وإما هم" .

 

اسحق، الرجل الصهيوني :

الاسم يعني "الضاحك"، "الذي يضحك" .

ابن إبراهيم من سارة، وأخو إسماعيل.

يعتبره المسلمون والمسيحيون واليهود نبياً.

رُبّي في المسرحية تربية ذكورية توراتية، وشارك في تعذيب المناضلين العرب، فأصيب بالعجز الجنسي الناجم عن ردة الفعل الطبيعية بسبب ما ارتكبه بحق المعتقلين العرب كما أوضح له الطبيب "منوحين" ذلك.

أصبح حاقداً على دولة إسرائيل، وينبذ العنف والقسوة، وبدأ يميل إلى السلم والهدوء ويبحث عن الأمن والاستقرار.

استخدم الونوس هذين الشقيقين في دلالة "لأبناء العمومة" فهو في المسرحية أيقن شناعة الإرهاب الإسرائيلي، مثلما صرح إسماعيل عن إمكانية التعايش والمواطنة.

إسماعيل، الرجل الفلسطيني :

الاسم يعني "سمع الله"، لبّى الله دعاء إبراهيم بأن يكون له ولد، فمنحه إسماعيل .

ابن إبراهيم من "هاجر"، جارية "سارة"، وأخو إسحق، وفي هذا دلالة رمزية استخدمها الونوس في المسرحية لتوافق الرؤى لدى كليهما.

أبُ النسب للعرب الاسماعيليين .

عند المسلمين هو نبي من أنبياء الله، وفي اليهودية والمسيحية شخصية تاريخية تم ذكرها في العهد القديم.

مناضل عتيد، اعتقل في سجون الصهاينة وخُصيَ، ثم استشهد رغم تصريحه بإمكانية التعايش والمشاركة.

إبراهام، إبراهيم :

الاسم بالعبري يعني "أبو الجمهور"، "أبو الأمم"، وبالآرامي يعني "أباراحيما"، الأب الرحيم، الأب الحنون، وبالكلداني يعني "الأب العالي"، "الأب الرفيع"، مشتق من "أبرام".

استخدمه الونوس في بث آرائه عن طريق المحاورة ومحاولة الإقناع، فهو يؤمن بعدم إمكانية استمرار دولة إسرائيل في الحياة، وعقم واهتراء الجيل الصهيوني القادم بعد جيل المؤسسين.

يرفض الاعتداء على الآخرين ويدافع عن حريتهم، مدركاً أن الصهيونية ورطة للعرب واليهود.

جدعون :

اسم عبري يعني "حاطب"، أو قاطع بشدة"..

ويعني "قاطع الأشجار" ، "الحفار" .

أي المحارب العظيم في اللغة العبرية .

في دلالة "ونوسية" لاختيار اسمه الذي يتطابق مع شخصيته الصهيونية التي رسمها الونوس له، يظهر في النص المسرحي صهيونياً متشدداً يسعى بكل الوسائل والطرق لاغتصاب فلسطين واحتلالها.

محمد الصفدي :

أخو الفارعة وإسماعيل، في دلالة "ونوسيّة" على الترابط والتآلف بين مختلف الأفكار والاتجاهات الفكرية والسياسية الفلسطينية.

يمثل وفق اختيار "الونوس" لاسمه، الأمة الإسلامية بتخاذلها وتراخيها في الوقوف لجانب الشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال الصهيوني :

تقول له "الفارعة" التي تمثّل فلسطين في المسرحية عن الاحتلال : "انظر ماذا حلّ بأخيك وامرأته"، تقصد إسماعيل وزوجته دلال، ليرد ببرود قاتل : "لا شأن لي بأخي .. له طريقه ولي طريقي" .

وعد محمد حسين الصفدي :

يتضح من معنى اسمه اللغوي "وعد" بأنه الوعد القادم لفلسطين .

تجعله "الفارعة" عمته التي تمثل فلسطين، يستنشق رائحة الخبز الفلسطيني الطازج من الطابون، ورائحة تراب الأرض في رمزية لتنشئته وطنياً يحتضن وطنه ويرضع حب ترابه .

لقد اختار "الونوس" من الأسماء بما يتطابق وينسجم مع الشخصيات التي رسمها في مسرحيته وفق رؤيته لطرق مقاومة الاحتلال وتعدد النظريات وتفاوتها واختلافها عملها في النضال والتحرير .

فاختار تلك الأسماء بما ينسجم مع شخصية كل منهم في مجرى السياق والسرد المسرحي ، وما يشير إليه معنى الاسم بدلالته ضمن سياق أحداث المسرحية وتفصيل شخصيته .

  • العتبات النصية لمسرحية "الاغتصاب" مفتاحاً رئيسياً للغوص في مضمون المسرحية ومعرفة تفاصيلها الفكرية والسياسية والنضالية التي طرحا الونوس بدقة الأديب المسرحي المتمكن من العارف مما يريده فكراً وفناً .