يمثّل المبدع الفلسطيني الراحل ناجي العلي حالة إبداعية استثنائية في المشهد الفلسطيني، فقد كانت أعماله ترى ما لا يراه الآخرون من تفاصيل وخفايا في الحياة اليومية لشعبه، وهي تفاصيل مهمة تقرأ الراهن وتتوقع المستقبل.
والمؤكد أن منجزه الإبداعي لم يكن نابعاً من خيال المبدع بل من حياة حقيقية اختبرها عن كثب، وعانى منها، وعاشها، وعاش معها بكل جوانبها كغيره من الفلسطينيين، ولعل تلك الحياة هي ما صنعت منه رساماً عالمياً في زمن لم تكن فيه العالمية سهلة التناول كما هي اليوم ضمن ما توفره التكنولوجيا الحديثة من وسائط وتقنيات سريعة للشهرة والانتشار.
الصدق والوضوح
رسم ناجي العلي أكثر من 40 ألف كاريكاتير خلال مسيرته الفنية متناولاً القضية الفلسطينية والأنظمة العربية والحكام العرب، ورغم أن أسلوبه الفني اتسم بالبساطة في الأسلوب، والواقعية والوضوح في التعبير، وليس الإبهار، أو الجمال الفني، أو فرادة التقنيات وتكنيك الرسم.. إلّا أنه أثّر بالكثير من الفنانين حول العالم.
والمثير للانتباه أن ريشته نجحت على الدوام في تأريخ الحدث وتحويل الفكرة إلى رسائل صريحة تخاطب وجدان الناس، والحفاظ على شعلة المقاومة في مواجهة محاولات الطمس والتزوير والاستسلام والسرديات الصهيونية.
فرسوماته تتعامل مع السردية الفلسطينية من زوايا عميقة وتفاصيل حسيّة مفجعة (الجوع، الفقر، البؤس، الخوف، التهميش، ألم الشتات) بعيداً عن الشعارات الرنانة والتسطيح السياسي والاستهلاك البصري.
وما يميز هذه التجربة الإبداعية أنها حرّة غير مؤطرة ولا مقيدة بالحسابات والاتجاهات والمجاملات، فالفنان الراحل كان مؤمناً بحرية التعبير ولم ينتمي لأي حزب سياسي أو حركة ثورية بل انتمى ل فلسطين الوطن: "الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة".
ومؤكد أن هذا التحرر من الانتماءات الحزبية مكّنه من قراءة المشهد السياسي بعمق واستيعاب ما يحدث خلف الكواليس، ولذلك كان من الصعب النقاش معه حين تكون فلسطين هي الموضوع وفق شهادة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي نقل عنه قوله: "لا أفهم هذه المناورات لا أفهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية".
المثقف المقاوم
كان ناجي العلي مثقفاً واعياً وشجاعاً حتى قبل أن تصيبه رصاصة الاغتيال، لمّاحاً يقرأ الواقع بعين ثاقبة، ذكياً في التقاط التفاصيل واستشراف المستقبل، وعُرِفَ عنه أنه لا يهادن، ولا يؤمن بالحلول الوسط، ولا يقف على الحياد، ويقول كلمته ويمضي متجاوزاً حدوده كرسام ساخر: "أنا أرسم لفلسطين"، "أفضّل أن أموت على أن أرسم شيئاً لا أؤمن به".
ومواقفه كانت صريحة وحاسمة: "هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب"، "متهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها، أنا منحاز لمن هم (تحت)"، "أن نكون أو لا نكون، التحدي قائم والمسؤولية تاريخية".
وانتقاداته أيضاً كانت لاذعة ليس فقط للصهاينة بل أيضاً للتخاذل العربي وتواطؤ الأنظمة السياسية المتآمرة على فلسطين، وللطائفية، والفكر التكفيري، والمهرولين نحو التطبيع، ومفاوضات السلام، والخلافات الداخلية الفلسطينية..
ولا شك أن جرأته في نقد الواقع العربي، ومصداقيته في نقل معاناة الشعب الفلسطيني وهمومهم وأحلامهم المؤجلة جعلته في دائرة الاستهداف، لكنه كان يرد على التهديدات لإسكاته بحزم: "لو ذوّبوا يدي بالأسيد سأرسم بأصابع رجلي"!
حنظلة الذي رأى الحقيقة
اكتسب الفنان الراحل شعبية كبيرة من خلال احتكاكه اليومي بشعبه داخل المخيمات وخارجها، فقد تشكّل وعيه السياسي مبكراً حين عانى ألم النزوح بعد النكبة، حيث هُجّر مع عائلته وهو طفل صغير لا يتجاوز العشر سنوات إلى لبنان، وعاش في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا في خيمة صغيرة، وشهد مآسي العائلات الفلسطينية في اللجوء، وبدأ يعبّر بالرسم على جدران المخيم منطلقاً من الخاص إلى العام، وعمل جاهداً ليكون الفن أداة لإيصال أفكاره لإيمانه بدور الثقافة في مقاومة الاحتلال، ونستشهد بواحدة من مقولاته المشهورة بهذا الخصوص: "للكلمة والخط المرسوم وقع أقوى من طلقات الرصاص".
والحديث عن هذه التجربة الفنية والإنسانية المميزة لا يكتمل دون الوقوف عند شخصية (حنظلة) ذلك الطفل الذي ابتكره ناجي العلي ورسمه وهو يقف حافي القدمين، بملابس مرقّعة، ويداه خلف ظهره ويدير ظهره للعالم احتجاجاً على الظلم وتمسكاً بحق العودة: "لن أكبر حتى أعود إلى فلسطين".
تلك الصورة المبتكرة التي تنبأ بها الفنان الراحل وكرّسها بكل ما فيها من معاني كبيرة عجزت عن شرحها الكلمات قدمت نموذجاً فريداً لسرد تاريخ القضية الفلسطينية، وأصبحت رمزاً لما يحيق بفلسطين، وللإرادة والصمود، وللطفولة الفلسطينية المشردة التي يمعن الاحتلال في قتلها مستغلاً تجاهل المجتمع الدولي لعمليات التهجير القسري، التجويع، القصف، العبث في المقدسات.. وغيرها من المجازر التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني.
الغائب الحاضر
يُعتبر ناجي العلي علامة فارقة في المشهد الفلسطيني: "كواحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر" كما وصفه الاتحاد العالمي لناشري الصحف، ومازال حاضراً كأيقونة ثورية تحاكي الذاكرة الجمعية رغم مرور نحو أربعين سنة على اغتياله.
واليوم وبعد هذه السنوات الطوال على رحيله نكتشف أنه ظاهرة إبداعية لا تتكرر، فأعماله ليست زينة تُعلّق على الجدران، ولا بصمة فنية عابرة، بل أداة للمعرفة تصون التاريخ والأرض كفعل إنساني وثقافي جريء قلّ نظيره في الراهن العربي..
إنها البوصلة نحو الحقيقة والأسئلة المفتوحة على كل ما نفكر فيه و لا نجرؤ على قوله في العلن .. إنها فكرة نابضة بالحياة تحاور إنسانيتنا وحاضرنا ومستقبلنا في الصميم!!
إن الكتابة عن هذا المبدع في ذكرى رحيله ليست كتابة عن الموت بقدر ما هي كتابة عن الحقيقة التي رآها باكراً، وكان أميناً وصارماً في نقلها رافضاً لمحاولات الاحتواء والمساومة، ورسم بلا خوف أو مواربة مع علمه المسبق بأنه سيدفع الثمن: "الذي يريد أن يكتب لفلسطين، والذي يريد أن يرسم لفلسطين, عليه أن يعرف أنه ميت".

