من بعد احتلال أراضي عام 1967 مباشرة أدرك الإحتلال أهمية المدارس والمؤسسات التعليمية في تربية وتوعية الأجيال الفلسطينية المتعاقبة وتعزيز الهوية والإنتماء الوطني لديهم وحماية هويتهم وثقافتهم الوطنية. ولذلك وضع الخطط والبرامج التي تمكنه من السيطرة على العملية التعليمية في القدس حيث سيطر على قطاع التعليم الحكومي المظلة التعليمية الأكبر، وسعى لفرض المنهاج الإسرائيلي عليه مبكراً وأدخل ما يعرف بمادة المدنيات وشطب مادة التربية الوطنية.
الإحتلال حاول شطب المنهاج الأردني الذي كان معمولاً به في القدس والضفة الغربية ولذلك لعب الأستاذ حسني الأشهب ولجنة المعلمين السرية وقوى وفعاليات ومؤسسات مدينة القدس دوراً كبيراً في إسقاط هذا المخطط حيث أضربت مدارس القدس لمدة ثلاثة شهور، حتى تم العودة إلى المنهاج الأردني المطبق في القدس والضفة الغربية، وقد جرى استعادته بشكل كامل حتى نهاية عام 1976 ، ولكن الإحتلال لا يقوم بسحب مشاريعه بل يبقيها قائمة ويخرجها من الأدراج في اللحظة المناسبة ويمارس سياسة التدرج في تطبيقها ، سياسة العصا والجزرة. ونحن لا نريد أن نسرد بشكل تفصيلي كل المحطات التي مرت بها العملية التعليمية في القدس ولكن علينا أن نعي تماماً بأن استهداف العملية التعليمية وشطب المنهاج الفلسطيني في القدس لم تتوقف للحظة واحدة وحدثت الانعطافة من بعد آذار عام 2011.
صحيح بأنه صدر قرار إداري عن مديرة دائرة المعارف العربية في بلدية الإحتلال، بعدم استلام الكتب من السلطة الفلسطينية بل من خلال دائرة المعارف في بلدية الإحتلال، ولكن المسألة أبعد وأكبر وأخطر من القرار الإداري ، فهي معركة ممتدة ومتواصلة وتدور حول الوجود والهوية والرواية والسردية والثقافة وكل مظاهر وأشكال الوجود الفلسطيني في مدينة القدس، ولذلك الحرب وعملية تشويه الهوية والثقافة الفلسطينية وفرض الرواية والسردية الإسرائيلية، لم يكتف بفرضها على مسار العملية التعليمية، بل على مسار تاريخي كامل، وجرى شن الحرب على المؤسسات الثقافية والفنية والأندية وحتى المكتبات لم تسلم من تلك الحرب.
الحرب استخدم فيها الإحتلال كل أدواته الأمنية والمدنية وكل أشكال الإبتزاز، حيث أنه ضمن الواحد وعشرين اللجنة المخصصة للتعامل مع سكان القدس الشرقية 15 منها يرأسها ويقودها ضابط أمن سابقين في حين التعليم في القدس تجري متابعته ومراقبته من خمس لجان ، بلدية الإحتلال ودائرة معارفها العربية والشرطة والمخابرات ومكتب رئيس الوزراء .
وفي الحرب على محو الوجود والهوية الفلسطينية بدأ الإحتلال في قضية تحريف المناهج وربط ذلك بالتمويل والترميم للمدارس التي تطبق المنهاج الفلسطيني تحرم من التمويل والترميم وسحب التراخيص، وتعرضت العديد من المدارس منها المدرسة الإبراهيمية ومدارس الإيمان إلى عملية دهم وتفتيش من قبل شرطة ودائرة المعارف الإسرائيلية، للتفتيش على المنهاج المطبق ووصل الأمر تفتيش حقائب الطلاب ومنحت تلك المدارس تراخيص مؤقتة حتى "تصحيح" أوضاعها والعام الماضي صعد الإحتلال من خطواته وهجومه على المدارس الخاصة بالضغط عليها من خلال رفض منح العاملين والمدرسين فيها من الضفة الغربية التصاريح للوصول الى تلك المدارس وخاصة أن هؤلاء المدرسين تعتمد عليهم تلك المدارس بشكل كبير في المواد العلمية واضطرت مدارس القدس لخوض إضراب قبل أن يتراجع الإحتلال عن قراره بعدم منح المدرسين التصاريح اللازمة وحاول أن يقصر التصاريح على الأيام الدراسية ولكن جوبهت تلك الخطوة برفض كامل، وهذا العام حيث صدر بيان عن المدارس المسيحية وكان يفترض أن يكون بيان شامل ويحمل عنوان جمعي موحد ولا يقتصر على المدارس الخاصة المسيحية بإعلان الإضراب الشامل حتى يتم السماح للمدرسين من الضفة بالإلتحاق بمدارسهم وعلى طريق تصفية المنهاج الفلسطيني وشطب وكالة الغوث واللاجئين. وقد جرى أواخر العام الماضي إغلاق مدارس الوكالة الخمسة في مدينة القدس مخيم شعفاط مدرستان ومدرسة في واد الجوز وآخرتين في سلوان وصورباهر .
الحرب على شطب المنهاج الفلسطيني وأسرلة عملية التعليمية بتواطؤ من الإتحاد الأوروبي وأمريكا وتخاذل السلطة الفلسطينية وإنزواء وبهتان مواقف النظام الرسمي العربي تجعل الإحتلال يمضي في مشاريعه ومخططاته لشطب العملية التعليمية الفلسطينية في القدس وأسرلتها بالكامل. وعندما يكشف دبلوماسي بريطاني سابق بأن رئيس ما عرف بالرباعية الدولية المجرم توني بلير ضغط على السلطة الفلسطينية لشطب اسم فلسطين من المنهاج الدراسي الفلسطيني واستبدالها بعبارة توراتية " يهودا والسامرة "،يتكشف لنا حجم الضغوط التي تمارس من أجل تشويه وتحريف وتفريغ المنهاج الفلسطيني من محتواه ومضامينه الوطنية ،وعندما يقول المتطرف عضو الكنيست عن الليكود تسفي سكوت والذي اقتحم أكثر من مدرسة فلسطينية في القدس والداخل الفلسطيني – 48 – وقام بتكسير لوحات ولافتات تشير إلى الهوية الوطنية والوجود الفلسطيني ومزق وأتلف كتب لها علاقة بالمنهاج الفلسطيني. ولتصل به الوقاحة للقول بأنه يجب رفع العلم الإسرائيلي في كل صف تعليمي في مدينة القدس، فواضح بأن الخطر داهم وجدي بحق العملية التعليمية والمنهاج الفلسطيني في القدس.
إن مواجهة هذه السياسات تتطلب بناء استراتيجية وطنية موحدة تضع التعليم المقدسي بأكمله تحت مظلة واحدة، والابتعاد عن الخطابات الفئوية التي قد تُستغل لتفكيك النسيج المجتمعي. إن قوة الصمود في القدس استمدت تاريخياً صلابتها من وحدة الهدف والمصير بين كافة مكونات المدينة ومؤسساتها، مما يستوجب توجيه الجهود الدبلوماسية والشعبية لحماية حق جميع أبنائنا في التعليم وحرية حركة معلميهم، والتأكيد للعالم أجمع على أن حماية المؤسسات التعليمية في القدس هي واجب وطني جامع لا يقبل التجزئة أو الانتقائية.

