عاشت المنظومة السياسية لدى الاحتلال عقوداً وهي تغلف صراعاتها الداخلية بدهاء مؤسسي مظلل، وتدير تصفيات الحسابات خلف الستار تحت لافتات المصلحة القومية العليا والاستقرار الأمني.
غير أن الستار المنسوج بعناية انهار كلياً أمام استحقاق انتخابات الكنيست، وحل مكانه سعار سياسي علني لم يعد صاحبه يتحرج من ممارسة أحقر أشكال الخبث والدسائس أمام الكاميرات.
ينكشف المشهد السياسي اليوم عن حرب استنزاف داخلية يخوضها أقطاب الكيان ضد بعضهم البعض، حيث غدا صندوق الاقتراع التمهيدي مجرد أداة لإبادة الخصوم السياسيين وتثبيت عروش النفوذ المهددة.
يتجلى هذا التحول في تفكيك قاع حزب الليكود الحاكم والمحرك الأساسي لمعسكر اليمين حيث تحولت العملية الانتخابية التمهيدية (البراميريز) إلى مسرح مكشوف للتزوير المنظم وتوزيع التهم الجنائية.
إن القضية المتعلقة بالوزيرة غيلا غمليئيل وإزاحتها المريبة من الدائرة الآمنة في القائمة الانتخابية لم تكن مجرد حادث عرضي أو خطأ في إحصاء أصوات صندوق بلدة بئر يعقوب (المقامة على أراضي قرية وادي حنين الفلسطينية المهجرة)، بل جرت بهندسة متقنة؛ إذ احتُجزت الصناديق أياماً في الغرف المغلقة بعيداً عن أي رقابة، حتى خرجت النتائج مقلوبة لصالح النائبة إتي حافا عطية، المدعومة مباشرة من رئيس مركز الحزب ووزير العمل حاييم كاتس.
تجاوز هذا الصراع الخطوط الحمراء المعروفة داخل الحزب حين اندفعت الوزيرة، برفقة زوجها، إلى تقديم شكوى رسمية أمام وحدة التحقيقات الجنائية والاحتيال (Lahav 433) بالشرطة الإسرائيلية، تتهم فيها قيادات نافذة في حزبها بالحيل والاحتيال وتزوير إرادة الناخبين، ولم يتردد الطرف المقابل في رشق الشكوى بأساليب التخوين المضاد؛ إذ صرح قياديون في الحزب بسخرية فاقعة متسائلين كيف حصلت الوزيرة نفسها على كامل أصوات الصندوق ذاته في الفرز الأول قبل تعديله، مما يظهر أن البنية الحزبية أضحت مجرد شبكات منفصلة من النفوذ تستخدم أدوات العصابات لحسم البقاء.
وفي هذا السياق، تتقاطع هذه الممارسات مع قراءات باحثين ومحللين عرب متخصصين في الشأن الإسرائيلي، ممن يرون أن أروقة الليكود شهدت تحولاً بنوياً من حزب مؤسسي يخضع للوائح إلى ائتلاف هش لشبكات نفوذ ومحسوبية.
إن وصول فضائح الفرز إلى الشرطة والتحقيقات الجنائية يُمثل -بحسب هذه التحليلات- انكساراً شاملاً لأسطورة المؤسسية الصارمة والحوكمة الحزبية الشفافة التي طالما حاول الاحتلال تسويقها للغرب، ليحل محلها منطق المحاصصة العائلية وتصفيات الحسابات المباشرة على المقاعد، لكن القراءة الحصيفة لهذه الفوضى تشير إلى الرأس المدبر الذي يحرك الخيوط من الأعلى، ليظهر أن الدافع الأساسي وراء هذا الاقتتال الشرس ليس رغبة نواب عاديين في تحسين ترتيبهم فحسب، بل هو النتيجة المباشرة لخبث بنيامين نتنياهو ودعمه المطلق لاستراتيجية الخنق العددي.
خاض نتنياهو معركة مستميتة لفرض حجز 10 مقاعد استثنائية وشخصية له في صدارة القائمة ليوزعها على أتباعه دون خوض انتخابات الحزب. ومع تراجع الحزب في استطلاعات الرأي إلى حدود 22 حتى 25 مقعداً، تسبب قرار نتنياهو في تحويل الفارق بين المقعد 25 والمقعد 35 إلى خط فاصل بين البقاء في نفوذ السلطة أو الخروج النهائي من المشهد، وهنا يبرز الدهاء الفعلي لنتنياهو الذي يحترف إدارة الحكم عبر ما يصفه الباحثون العرب بهندسة الأزمات لتخليد السلطة.
يدرك نتنياهو تماماً أن إبقاء الحزب في حالة ارتباك يجعله الملاذ الوحيد للحل؛ وتؤكد القراءات التحليلية أن افتعال أو تعميق أزمة نتائج البراميريز يخدم غايتين حاسمتين لدى نتنياهو الأولى هي تصفية الحرس القديم والشخصيات الناقدة أو المستقلة نسبياً داخل حزبه كغيلا غمليئيل، لإحكام السيطرة التامة على القائمة ومنحها لوجوه تدين له بالولاء المطلق.
والثانية هي استغلال اتهامات التزوير واللجوء للشرطة كورقة جوكر لإعلان النتائج فاسدة وغير نزيهة، مما يمنحه الذريعة السياسية والقانونية لتنصيب نفسه حكماً ومخلصاً للحزب، فيتدخل لفرض صلاحيات استثنائية بإلغاء النتائج أو إعادة ترتيب المقاعد وتوزيع المقاعد المحجوزة وفق حسابه الخاص وتعيين الموالين له دون اعتراض.
إلا أن هذه المناورات المكشوفة تتصادم مع ذعر حقيقي في مطبخ القرار؛ إذ تسربت جلسات مغلقة أقر فيها نتنياهو بخسارته الفعالية لنحو 10 مقاعد لصالح الخصوم، هذا الذعر يستفيد منه خصوم متيقظون يمارسون الخبث السياسي ذاته، وفي مقدمتهم حزب يشار الجديد برئاسة غادي آيزنكوت بالتوازي مع تحالف (معاً) (بينيت-لبيد) الذي يستغل هذه الصراعات الجنائية لإقناع المترددين بانهيار أهلية الائتلاف الحاكم، الصورة تزداد تعقيداً مع امتداد الصراع إلى الكتل اليمينية المتطرفة الأخرى حول عقدة الخدمة العسكرية وإعفاء الحريديم.
إن اشتراط الأحزاب الدينية تمرير قانون الإعفاء لقاء بقاء الائتلاف فجر مواجهة كسر عظام بين قواعد المستوطنين وقياداتهم؛ حيث واجه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش اتهامات مباشرة من جمهوره ببيع عقيدتهم العسكرية للحريديم لحماية كرسيه، ممّا دفع إيتمار بن غفير إلى استغلال الموقف والانفصال عنه خائضاً حرباً شرسة لسحب أصوات الأكثر راديكالية.
ويرى مراقبون عرب في هذا التلاطم دليلاً على انكسار التماسك الأيديولوجي لليقين الإسرائيلي؛ إذ لم يعد يجمع هذه الأحزاب مشروع عقائدي متماسك، بل أضحت تجمعها المحاصصة الانتخابية الضاغطة والهروب من الأزمات، هذا التكالب السافر يوضح كيف تحول الدهاء السياسي لدى الاحتلال من أداة لإدارة الدولة إلى سلاح نهب وتصفية داخلية.
تحولت الأحزاب التي تتغنى بالسيادة والأمن إلى حلبة تصارع تتوسل بالتزوير والتهم الجنائية وتفكيك التحالفات في سبيل مقعد نيابي وكلما اقترب الموعد النهائي لتسليم القوائم، يزداد المشهد وضوحاً: نخبٌ حاكمة لم تعد تجد ما تأكله سوى بعضها البعض، يمارسون الخبث في أبشع صوره بعدما سقطت عنهم مساحيق المؤسسية وادعاء النزاهة.
ختاما، على ما يبدو أن (الدولة) الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط -على حد زعمهم- باتت تتحول إلى (دولة) ديكتاتورية أسوة بالكثير من دول المنطقة.

