Menu

لماذا باتت الانتخابات العامة الفلسطينية مستعصية؟

د. عقل صلاح

 

نناقش في هذه المقالة موضوع الانتخابات الفلسطينية العامة، فالانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى لسنة 1996، جاءت نتاجًا لاتفاقي أوسلو والاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني المرحلي سنة 1995. فقد نصّ البند الثالث من اتفاق إعلان المبادئ على أنه كي يتمكن الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع من حكم نفسه وفقًا لمبادئ ديمقراطية ستجرى انتخابات سياسية عامة ومباشرة وحرة للمجلس تحت إشراف ومراقبة دولية متفق عليهما، والاتفاق المرحلي تناول في مادته الثالثة بنية المجلس المنتخب، فنصت المادة على أن المجلس الفلسطيني ورئيس السلطة التنفيذية للمجلس سيشكلان سلطة الحكومة الذاتية، التي سيتم انتخابها من قبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، و القدس ، والقطاع لمدة لا تتجاوز الخمس سنوات. وتناولت المادة الرابعة من الاتفاق نفسه حجم المجلس فبينت المادة أن المجلس سيُشكل من 82 ممثلًا، ورئيس السلطة التنفيذية يتم انتخابهم مباشرة في وقت واحد. ولكن قبل إجراء الانتخابات أصدر الرئيس عرفات قانون رقم 16 لعام 1995، لإجراء بعض التعديلات على قانون الانتخابات؛ من ضمنها: زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 88 عضوًا.

وجرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأولى في العشرين من كانون الثاني/يناير عام 1996، وشاركت في الانتخابات كل من حركة فتح والفصائل المؤيدة لها وهي حزب فدا، وحزب الشعب الفلسطيني، وعارضتها الفصائل التي رفضت اتفاق أوسلو. ومن أبرز نتائج الانتخابات هو هيمنة حركة فتح على معظم مقاعد المجلس التشريعي.

وجرت الانتخابات التشريعية الثانية في 25 كانون الثاني/يناير من عام 2006، مناصفة بين نظام التمثيل النسبي (مستوى القوائم) ونظام الأغلبية (مستوى الدوائر)، ولقد فازت حركة حماس في الانتخابات بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي. ويعد قرار حركة حماس بالموافقة على المشاركة في الانتخابات التشريعية الثانية قرارًا استراتيجيًّا، وتحوّلًا في مسارها السياسي، وتكيّفًا لفكرها الأيديولوجي.

أما فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، فقد تولى الرئيس محمود عباس منصب الرئاسة الفلسطينية بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات في 11تشرين الثاني/ نوفمبر2004، من خلال الانتخابات الرئاسية الثانية التي تم إجراؤها في 15كانون الثاني/يناير 2005 ومدة رئاسته أربعة أعوام، إلا أنه بقي في هذا المنصب، رغم انتهاء ولايته الدستورية عام 2009؛. بعد هذه المقدمة لابد من طرح السؤال، ماهي معيقات إجراء الانتخابات العامة؟

ففي هذه المقالة نسلط الضوء على الأسباب الحقيقية التي تقف سدًّا منيعًا في طريق إجراء الانتخابات العامة الثالثة التي قد مضى ما يقرب العقدين على إجرائها، ومعيقات إجراء الانتخابات الرئاسية هي تقريبًا نفس المعيقات التي تقف بوجه إجراء الانتخابات التشريعية التي لن تعقد في الوقت القريب، وفي الشكل الذي حدثت به الانتخابات الأولى والثانية.

ويتجسد المعيق الأول، في أن حركة فتح غير جاهزة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، فهي تدرك بأنها سوف تخسر في حال ترشح قيادي وطني مدعوم من قبل حماس وبعض الفصائل والتيار الإصلاحي. فاستطلاعات الرأي تعطي الائتلاف الوطني 60% من الأصوات، مقابل 20% لفتح، وهذا معناه أن نتائج الانتخابات ستكون شبيهة بنتائج الانتخابات الثانية التي لم تحصل على قبول فتحاوي وإقليمي ودولي، وهذا سيحول الانتخابات من حل لأزمة إلى تفاقم لمجموعة من الأزمات الجديدة، واستمرار حالة انعدام الثقة فيما تبقى من النظام السياسي، فقبل الذهاب للانتخابات يجب القبول بنتائجها، وهذا غير وارد من التجربة السابقة وتفصيل القوانين على مقاس محدد.

ويتمثل المعيق الثاني، في خلافات حركة فتح الداخلية، وعدم اتفاقها على قيادي فتحاوي يحظى بإجماع الحركة والشارع الفلسطيني. فالتنافس على هذا الكرسي سيكون حاسمًا وبلا كوابح وموانع، وقد يصل لحد استخدام الفوضى المنظمة. على هذا الأساس تم تحديد عقد الانتخابات التشريعية قبل الرئاسية، ولا يمكن لقيادة السلطة الحالية التسليم بأن يكون الرئيس من خارج الدائرة؛ فقد تضحي الحركة في البرلمان ولكن مقعد الرئاسة لا يمكن.

ويتحدد المعيق الثالث، في إصرار القائد الفتحاوي الأسير مروان البرغوثي على الترشح للانتخابات الرئاسية، مع العلم أن شعبية البرغوثي هي التي أجلت الانتخابات سنة 2021. فحركة فتح التي تدرك جيدًا بأنها قادرة على خوض الانتخابات الرئاسية والفوز بها بشخصية القيادي الأسير مروان البرغوثي، ولكن اللجنة المركزية وقيادات فتحاوية لا تريد لمروان دورًا في رأس الهرم الفتحاوي. فقيادة فتح تدرك بأن البرغوثي سيرشح نفسه للانتخابات في حال تم عقدها.

ويتركز المعيق الرابع، في الدور البارز والواضح للتيار الإصلاحي الذي يقوده دحلان، الذي بدوره شكل قائمة عريضة مع الحركات الإسلامية والوطنية وأجزاء من فتح، وهذا التحالف يخيف قيادة السلطة وهو من أجبر قادة فتح للذهاب إلى القاهرة والطلب من الجبهة الشعبية عدم الانضمام لهذا التحالف.

أما بخصوص موافقة حركة حماس على إجراء الانتخابات التشريعية بهذا الشكل، فيعود للعديد من الأسباب أحاول أن اسردها في عجالة وهي، انسداد نافذة الفرص السياسية أمام حماس بظل الحصار المطبق عليها، والأعباء التي لا تتحملها دول؛ نتيجة حرب الإبادة والتجويع على القطاع وتدميره من قبل الاحتلال. فحماس بحاجة إلى من يغيث الشعب الفلسطيني، وهي تجد بدحلان خشبة النجاة من الغرق في مستنقع استمرار التجويع وعدم الإعمار، فقيادة حماس التي تعمل بآلية القيادة الجماعية أخذت قرارها بالمشاركة وهي تدرك بأن حركة فتح غير جاهزة للانتخابات، وأن الرئيس يناور ولا يريد مشاركتها، فلو رفضت لكان موقفها ضعيفًا جدًّا أمام الشارع الفلسطيني بشكلٍ عام وأمام الشارع الغزاوي المتعلق بقشة النجاة من حرب الإبادة والتجويع بشكل خاص، فحماس لعبتها بذكاء، وهذا ما يفسره قبولها بشروط الرئيس عباس، ابتداءً من القبول بانتخابات متتابعة وليس متزامنة "تشريعية ورئاسية"، وغيرها من القضايا الواضحة للعيان وغير الواضحة تصب في افتراض أنه لا يوجد انتخابات عامة سواء تشريعية أو رئاسية قريبًا.

إن الانتخابات المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر المقبل تجري ضمن مسار يثير أسئلة جدية حول دوافعها وحدود قدرتها على إنتاج تغيير حقيقي. فالانتخابات لا تبدو نتاج مبادرة فلسطينية مستقلة لإحياء النظام السياسي، بقدر ما جاءت في سياق ضغوط خارجية بعنوان "إصلاح السلطة الفلسطينية"، فالسلطة الفلسطينية تعاني تراجعًا سياسيًّا وشعبيًّا وماليًّا، وأنها تحاول بالانتخابات استعادة حضورها، بعد أن تراجع موقعها بصورة أكبر منذ السابع من أكتوبر.

فالتعديلات الأخيرة في قانون الانتخابات خلال أقل من شهرين، تعكس ضبابية في التعامل مع الحالة، وكأننا غير مستعدين لهذه المرحلة، كما تعكس أن التعديلات لم تستند إلى معطيات أو دراسات حقيقية، وهذا أمر غير مبشّر للمرحلة المقبلة. المشكلة لا تكمن في عدد أعضاء المجلس التشريعي، إنما في طبيعة عمله وصلاحياته، والسؤال هو: هل سيحظى المجلس بسلطةٍ ودعمٍ من الدول العربية والأوروبية لإزالة بؤرة استيطانية واحدة؟ وهل ستقدم هذه الدول الدعم الفعلي لذلك؟. هذه الدول تريد مجلسًا ضمن سلطة تحت الاحتلال، دون إحداث أي تغيير سياسي جوهري، حيث يتحول المجلس إلى مجلس إداري يركز على بناء المؤسسات الإدارية والخدماتية، وهذه هي المشكلة، وفي المقابل يجب أن تكون احتياجات الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال في مقدمة الأولويات.

أما المعيق الخامس، والمتمثل في صعود ياسر عباس، نجل الرئيس عباس، إلى اللجنة المركزية خلال المؤتمر الأخير، مما شكل حالة غضب غير معلنة، حيث تعدّ خطوة في طريقة توريث السلطة، مما زاد من البحث عن الذات من خلال الدعوة من داخل القيادة الفتحاوية التي تم استثنائها لتشكيل العديد من القوائم التي سوف تتجاوز الخمس قوائم من حركة فتح وحدها سوف تنافس القائمة الرسمية مما رفع وسيرفع منسوب التأجيل.

ويتمحور المعيق السادس حول قضيةٍ مركزية ومقدسة، تتمثل في حقوق الأسرى والأسرى المحررين والمبعدين والشهداء والجرحى، في ظل قطع رواتبهم وعدم حل مشكلاتهم بصورة حاسمة ونهائية وعادلة، إضافة إلى الفساد المستشري داخل مؤسسات السلطة وسفاراتها، بما يسهم في فقدان الحركة لشعبيتها.

ويتمثل المعيق السابع، في المشروع الوطني الذي أصبح شبه منهار، حيث كانت فتح تستمد شعبيتها من نضالات أبنائها، فحركة فتح اليوم تقف عاجزة عن مواجهة الاحتلال والاستيطان واعتداءات المستوطنين والجيش الذي يمارس أبشع أنواع الإرهاب والقتل والاعتقال والحرق والتهجير بحق الشعب في الضفة، فالشعب تُرك وحده يصارع الاستيطان ومصادرة الأرض والنهب والحرمان والبطالة والفقر، بينما تكتفي الحركة بالمراقبة والصمت. وقناعة الشعب بأن الانتخابات لن تشكّل طوق نجاة، وأن صندوق الاقتراع لم ولن يمحو ثلاثة عقود من الفشل والانقسام والفساد، ما دامت الوجوه ذاتها، المسؤولة عن هذه الحالة المزرية، تعيد طرح نفسها بوصفها المخلّص؛ وكأننا أمام عملية تدوير للوجوه، لا تجديد للشرعية.

فاستطلاع الرأي الذي أجراه المركز الفلسطيني للدراسات والبحوث المسحية بيّن تصاعدًا بمستويات عدم الرضا تجاه السلطة الفلسطينية مع تراجع الثقة بقدرة الانتخابات المقبلة على إحداث تغيير حقيقي، ووفق نتائج الاستطلاع رأى 79% من المستطلعة آراؤهم أن السلطة الفلسطينية أصبحت عبئًا على الشعب الفلسطيني. وأيّد 70% استقالة الرئيس محمود عباس، في مؤشر على اتساع فجوة الثقة بين الشارع وقيادة السلطة. وبشأن الانتخابات المقبلة، أفاد 40% بأنهم لن يشاركوا فيها.

والمُعيق الثامن والأخير هو السماح بإجراء الانتخابات في الضفة وحدها، ومنع إجرائها في غزة والقدس، إلى جانب عدم الجاهزية في القطاع، في ظل معاناة أهالي غزة الذين يتطلعون إلى تحسين ظروفهم المعيشية القاسية، لا إلى صندوق اقتراع يوضع أمام خيام التشريد. فهذه المرة ستكون غزة والقدس قفل إغلاق بوابة الانتخابات.

وبناء على ما سبق، من معيقات يؤكدها تصريح لنائب الرئيس حسين الشيخ في 22آب/ أغسطس 2026، الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها ولا انتخابات دون غزة والقدس. وتصريحه الثاني الذي يعد تلميح واضح لعدم إتمام العملية الانتخابية ومفاده، "إذا تعذر إجراء الانتخابات التشريعية سنذهب إلى تشكيل المجلس الوطني الجديد ونعمل على توافق وطني واسع"، ويضاف لهذه التصريحات التحالفات المتسارعة التي تدفع نحو التأجيل أو الإلغاء، تحت أي مبرر سياسي أو أمني أو قانوني أو توافقي، أو من خلال طرح قانون الأحزاب، الذي تعارضه غالبية التنظيمات، ليكون عائقًا أمام مشاركتها في الانتخابات. وفي النهاية، فإن كل ما سبق يندرج ضمن الوضع الذي كان سائدًا قبيل الانتخابات المقررة عام 2021؛ غير أن إصرار البرغوثي على الترشح، وقناعة قادة فتح بإمكانية خسارتها الانتخابات، دفعا الرئيس عباس إلى إصدار مرسوم التأجيل.، ففي عام 2021، اتصل بي أحد القادة في السجون الإسرائيلية وقال لي: "يا دكتور، ما زلت مستمرًا في الكتابة بأن الانتخابات لا يمكن إتمامها". فقلت له: "كل المعطيات تشير إلى ذلك". فقال: "يا رجل، هناك مرسوم". فقلت له: "نعم، هناك مرسوم لعقد الانتخابات في جارور، ومرسوم لتأجيلها في جارورٍ ثان"، ونحن أمام معادلة سياسية مكتملة الأضلاع تحكم مسار الانتخابات العامة: «انتخابات مرتان، وتأجيل مرتان".

*كاتب وباحث مختص بالحركات الأيديولوجية.