Menu

تسليم السلاح ... أم تسليم فلسطين!!؟

بسّام عليّان

بوابة الهدف

كلما اشتد الضغط السياسي والعسكري على الشعب الفلسطيني، عاد الحديث من جديد عن ضرورة نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وكأن المشكلة في البندقية الفلسطينية، لا في الاحتلال الذي يحتل الأرض، ويقتل الإنسان، ويهدم البيوت، ويصادر الممتلكات، ويطارد الفلسطيني حتى في تفاصيل حياته اليومية.

وكأن السلام يبدأ عندما يصبح الفلسطيني أعزل، بينما يبقى الاحتلال مدججًا بأحدث الأسلحة وأشدها فتكًا. وهنا تكمن المفارقة السياسية والأخلاقية الكبرى:

يُطلب من الضحية أن تتخلى عن وسائل دفاعها، ولا يُطلب من الجلاد أن يتوقف عن ممارسة الجريمة. لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون، أو يتعمدون تجاهلها، هي أن المقاومة الفلسطينية ليست بندقية حماس، ولا صاروخ الجهاد الإسلامي، ولا قرار أي فصيل فلسطيني مهما كان حجمه وتأثيره.

المقاومة الفلسطينية أكبر من الفصائل، وأقدم من التنظيمات، وأعمق من كل الأطر السياسية والعسكرية. إنها تسكن في الشعب الفلسطيني نفسه في ذلك الطفل الذي يولد في غزة فيفتح عينيه على الركام، ثم يكبر وهو يسأل عن البحر والحرية. وفي ذلك الشيخ الذي يحمل مفتاح بيته منذ عشرات السنين، ويرفض أن يورث أبناءه النسيان. وفي ذلك الفلاح الذي يعود إلى أرضه رغم تهديد المستوطنين. وفي ذلك الأسير الذي يخرج من المعتقل أكثر تمسكًا بوطنه. وفي ذلك الشاب الفلسطيني الذي لم ينضم إلى حماس، ولم ينضم إلى الجهاد، ولم يحمل بطاقة عضوية في أي تنظيم، لكنه يعرف أن هذه الأرض وطنه، وأن الاحتلال عدو، وأن فلسطين ليست صفقة سياسية قابلة للبيع. هذا الفلسطيني هو المقاومة، وهو الحقيقة التي يخشاها الاحتلال أكثر من أي شيء آخر.

فالبندقية يمكن أن تُصادر، والمقاتل يمكن أن يُعتقل، والمنظمة يمكن أن تُحاصر، والقيادة يمكن أن تُغتال، والتنظيم يمكن أن يُضعف أو ينقسم أو يُمنع. لكن ماذا سيفعل الاحتلال بشعب كامل يحمل فلسطين في ذاكرته؟ أي سلاح يستطيع أن يقتل فكرة؟ وأي قوة تستطيع أن تنتزع من إنسان ذاكرة وطن؟ وأي سجن يستطيع أن يحاصر شعبًا يعرف أن وراء الجدران أرضًا سُرقت منه بالقوة؟

لقد جرب الاحتلال كل شيء، جرب القتل الجماعي والمجازر والحصار والتجويع، وجرب التهجير والاعتقال والتعذيب، وجرب هدم البيوت واقتلاع الأشجار ومصادرة الأراضي والاستيطان، وجرب تقسيم الفلسطينيين وإشعال الخلافات بينهم وصناعة قيادات عاجزة ومشاريع سياسية تريد من الفلسطيني أن يتكيف مع الاحتلال بدل أن ينهيه، وجرب تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى أزمة إنسانية تحتاج إلى مساعدات غذائية وبيانات دولية. لكن بعد كل ذلك، بقي الفلسطيني يقول: هذه أرضي. وهذه الجملة وحدها هي أخطر سلاح يملكه الفلسطيني.

لأن الاحتلال يستطيع أن يسيطر على الأرض بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يفرض على صاحب الأرض أن يتنازل عن حقه فيها. يستطيع أن يغير الخرائط، لكنه لا يستطيع أن يغير الذاكرة. يستطيع أن يهدم البيت، لكنه لا يستطيع أن يهدم معنى البيت في وجدان صاحبه.

يستطيع أن يمنع الفلسطيني من الوصول إلى قريته، لكنه لا يستطيع أن يمنعه من معرفة اسمها. وهنا، يجب أن يكون الحديث السياسي واضحًا بلا تردد: من يطالب المقاومة بتسليم سلاحها، عليه أولًا أن يطالب الاحتلال بتسليم سلاحه.

من يطالب الفلسطيني بالتخلي عن المقاومة، عليه أولًا أن يطالب الاحتلال بالتخلي عن الاحتلال. من يطالب الفلسطيني بالهدوء، عليه أن يطالب المستوطن بإخلاء الأرض التي اغتصبها. ومن يتحدث عن الأمن، عليه أن يتذكر أن الأمن لا يمكن أن يُبنى فوق جثث الأطفال، ولا فوق أنقاض البيوت، ولا فوق شعب يعيش تحت الحصار والاحتلال والتهديد الدائم بالتهجير. إن مطالبة الفلسطيني بالتخلي عن مقاومته قبل إنهاء الاحتلال ليست دعوة إلى السلام إنها مطالبة بالاستسلام. والفارق بين السلام والاستسلام يجب ألا يختلط على أحد السلام يحتاج إلى عدالة والعدالة تحتاج إلى إنهاء الاحتلال.

أما أن يُطلب من الفلسطيني أن يسلّم كل أوراق قوته، بينما يحتفظ الاحتلال بالأرض والجيش والسلاح والمستوطنات والسجون، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يثق بالوعود السياسية، فهذا ليس مشروعًا للسلام، بل مشروع لإدارة الهزيمة الفلسطينية. ولهذا فإن القضية ليست قضية حماس وحدها، ولا قضية الجهاد الإسلامي وحدها، ولا قضية أي فصيل فلسطيني وحده، القضية قضية شعب.

شعبٌ قاوم قبل أن تظهر الفصائل الحالية، وسيبقى يقاوم بأشكال مختلفة ما دام الاحتلال قائمًا فالمقاومة ليست شكلًا واحدًا وليست بندقية واحدة وليست تنظيمًا واحدًا. المقاومة قد تكون حجرًا في يد طفل، وقد تكون كلمة في وجه التزوير، وقد تكون شجرة زيتون تُزرع في أرض مهددة بالمصادرة، وقد تكون أسيرًا يرفض الانكسار، وقد تكون أمًا تعلم أبناءها أسماء المدن والقرى التي يريد الاحتلال محوها من الذاكرة، وقد تكون موقفًا سياسيًا يرفض الاعتراف بشرعية الاحتلال على الأرض الفلسطينية.

لكن المقاومة قبل كل شيء، هي:

إنسان فلسطيني يرفض أن يتنازل عن حقه في أن يكون فلسطينيًا على أرض فلسطين، وهذا هو السلاح الذي لا يستطيع أحد مصادرته. فلسطين ليست بحاجة إلى إذن كي تكون وطنًا، والفلسطيني لا يحتاج إلى موافقة أحد كي يحب أرضه، ولا يحتاج إلى ترخيص دولي كي يتمسك بهويته. ولهذا فإن أخطر ما يواجهه الاحتلال ليس فقط المقاتل الذي يحمل بندقية، بل الفلسطيني الذي لا يستطيع الاحتلال أن يجعله ينسى.

الذاكرة الفلسطينية مقاومة والهوية الفلسطينية مقاومة والبقاء الفلسطيني مقاومة والإصرار على الوطن مقاومة. وقد تستطيع القوة العسكرية أن تُسقط جدارًا فوق إنسان، لكنها لن تستطيع أن تُسقط فلسطين من قلبه. وقد يستطيع الاحتلال أن يقتل آلاف الفلسطينيين، لكنه لن يستطيع أن يقتل معنى فلسطين، وقد يستطيع أن يهجر عائلة من بيتها لكنه لن يستطيع أن يمنع أبناءها من العودة إليه في الحلم والذاكرة والنضال.

ولهذا، فإن الذين يعتقدون أن إنهاء سلاح حماس أو الجهاد يعني إنهاء المقاومة الفلسطينية، لا يعرفون فلسطين، ولا يعرفون الفلسطينيين، ولا يفهمون طبيعة شعب عاش النكبة والنكسة واللجوء والاحتلال والحصار والمجازر، ثم بقي واقفًا.

المقاومة ليست قرارًا تنظيميًا يمكن إلغاؤه إنها نتيجة طبيعية للاحتلال. وما دام الاحتلال قائمًا، وما دامت الأرض محتلة، وما دام الفلسطيني يُقتل ويُعتقل ويُهجّر ويُحاصر ويُحرم من أبسط حقوقه، فإن المقاومة ستبقى تتجدد.

قد تتغير أشكالها، قد تتبدل أدواتها، قد تصمت مرحلة وقد تنفجر مرحلة أخرى لكنها لن تموت. لأن المقاومة في فلسطين ليست طارئًا على التاريخ. الطارئ هو الاحتلال. ولذلك فإن الفلسطيني لا يحمل فقط سلاحًا في يده. إنه يحمل في قلبه السلاح الأخير والأخطر: إرادة وطنية لا تُصادر... وهوية لا تُهزم... وذاكرة لا تموت.

فلتصادروا ما شئتم صادروا الأرض صادروا البيوت صادروا الممتلكات. صادروا البندقية اعتقلوا المقاومين اغتالوا القادة اهدموا البيوت وابنوا المستوطنات. لكن هناك شيئًا واحدًا لن تستطيعوا مصادرته مهما امتلكتم من قوة: لن تستطيعوا نزع فلسطين من الفلسطيني وهذا هو السلاح الذي لن يستطيع أن يسلمه أحد. لأن الفلسطيني، قبل أن يكون عضوًا في فصيل، هو ابن قضية. وقبل أن يحمل بندقية، يحمل وطنًا في قلبه. وقبل أن يعلن مقاومته كان الاحتلال هو الذي صنع أسبابها.

فإذا كنتم تريدون حقًا أن ينتهي الصراع، فلا تبحثوا عن سلاح الفلسطيني فقط. ابحثوا عن أسباب المقاومة أنهوا الاحتلال. أعيدوا الحقوق إلى أصحابها أوقفوا الاستيطان أوقفوا التهجير أوقفوا القتل أعيدوا للإنسان الفلسطيني حقه في الحياة والحرية والكرامة. عندها فقط يمكن للعالم أن يتحدث بصدق عن السلام.

أما أن يبقى الاحتلال جاثمًا على الأرض، ويبقى الفلسطيني مطالبًا بالصمت والتخلي عن حقه في المقاومة، فذلك ليس سلامًا. ذلك هو الاستسلام الذي لن يقبله شعب عرف معنى الوطن.

فلسطين ستبقى... ما بقي الفلسطيني يعرف أنها وطنه.

والمقاومة ستبقى... ما بقي الاحتلال.