Menu

البكاء الذي لا يغتفر في قاموسهم

عمر فارس

بوابة الهدف

 

في أوروبا وأمريكا، داخل شقق لا تعرف قصفاً، ولا تسمع صوت انفجارات، تقف أمهات أمام شاشات هواتفهن. يمسحن بأصابعهن على صور أطفال غزة، وكأنهن يحاولن مسح الغبار عن وجوهٍ صغيرة صارت بلا ملامح. يبكين بصمت، كي لا يوقظن أطفالهن النائمين في الغرفة المجاورة. ذلك البكاء ليس شعاراً، إنه ردة فعل جسدية طبيعية حين ترى الأم طفلاً آخر يُسحب من تحت الأنقاض، عمره كعمر ابنها، وحذاؤه مشابه لحذاء ابنها.

هذا المشهد البسيط، الصامت، هو ما لا يغتفر في قاموس نتنياهو وبن غفير. ليس لأن هؤلاء الأمهات يشكلن خطراً، بل لأن بكاءهن يُفكك كل الأكاذيب التي يبنونها بقنابلهم ونشراتهم الإعلامية. الأم في ضواحي لندن لا تحتاج إلى قراءة تقارير الأمم المتحدة لتشعر بالرعب، كل ما تحتاجه عيناها لترى طفلاً يلهو في صورة قديمة، ثم يصبح خبراً عابراً في نشرة الأخبار.

يزعج المجرمون هذا الصوت الأنثوي النابع من الغريزة، لأنهم يعرفون أنه لا يمكن تفنيده بحجج سياسية. لا يمكن لوزير في حكومتهم أن يتصل بتلك الأم ويشرح لها أن الطفل الذي بكت عليه "كان في منطقة عمليات"، لأنها سترد بسؤال واحد: "هل كان يحمل سلاحاً وهو يركض وراء كرة قدم؟ هل كان يشكل تهديداً وهو يمسك بيد أخته الصغيرة؟"

لهذا يتحول هؤلاء المجرمون من قتلة أطفال إلى محاربين لأمهات أوروبا وأمريكا أيضاً. يرسلون حملات إلكترونية لتشويه كل أم تنشر صورة طفل غزة، يتهمونها بالجهل أو معاداة السامية، وكأن حنان الأمومة جريمة تحتاج إلى تبرير. يريدون تجريد الأمهات من غريزتهن الأساسية، وتحويلهن إلى آلات تصديق صامتة، تقبل بقتل أطفال الآخرين كحقيقة واقعية لا تستحق الدموع.

لكن البكاء يتسرب من تحت الأبواب المغلقة، ويخرج إلى الشوارع في مظاهرات لا يرفع فيها الشباب شعارات سياسية معقدة، بل يحملون صوراً لأطفال ماتوا وهم ينامون. يصبح الشارع الأوروبي والأمريكي مرآة عاكسة لدماء غزة، وهذا ما يدفع بن غفير للجنون، لأنه يعلم أن هذه المشاهد هي التي تسقط السردية الإسرائيلية في أصغر عقلية بشرية، وتحرر الضمير من قيود التبريرات العسكرية.

يبكون لأجل أطفال غزة، ليس لأنهم ينتمون إلى فصيل، بل لأن قلوبهم نبضت بنفس النبض حين رأوا جثة طفل بين ذراعي أبٍ يصرخ. وهذا البكاء وحده، بكل بساطته وعمقه، هو المقاومة الأكثر فتكاً بكل آلة إعلامية وحربية. إنه البكاء الذي يتسلل إلى كوابيس نتنياهو وبن غفير، لأنه يخبرهم أن العالم لم يعد يصدق، وأن الأمهات لن يصمتن، وأن كل طفل يُقتل في غزة يخلق ألف أم جديدة في كل مكان تبكي وتصرخ، وهذا الصراخ لا توقفه القنابل، ولا تشويه السمعة، ولا حملات التضليل.