من الوجدان المغربي إلى الجملة الغيوانية
فلسطين في الوجدان المغربي، خصوصاً خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لم تكن مجرد قضية سياسية أو عنواناً من عناوين التضامن العربي، بل كانت قضية ذات امتداد ثقافي وفني وفكري. حضرت في الأدب والشعر والصحافة والمسرح والسينما والموسيقى، وتحولت القدس والمخيم والمنفى والشهيد والمقاومة إلى صور ورموز في المخيال الإبداعي المغربي. وكان جيل الستينيات والسبعينيات يعيش تحولات سياسية وفكرية عميقة، جعلت من فلسطين مرآة لأسئلته حول الحرية والعدالة والتحرر والإنسان.
من هذا المناخ الثقافي والسياسي خرجت الجملة الغيوانية. فلم تكن ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب والسهام ولرصاد وإزنزارن ظواهر معزولة عن زمنها، وإنما كانت جزءاً من حراك ثقافي واجتماعي واسع، أعاد اكتشاف المغرب في موروثه الشعبي والصوفي والأمازيغي والإفريقي والعربي، وفتح الأغنية المغربية على قضايا تتجاوز حدود الحي والمدينة والوطن.
ومن هنا لم تدخل فلسطين إلى التجربة الغيوانية باعتبارها موضوعاً خارجياً، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً لوعي جيل كان يرى في الفن وسيلة للقول والمقاومة واستعادة الإنسان لحقه في الكرامة. وقد كان حضور القضية في التجربة الغيوانية متعدد الأوجه: في النص، وفي الأداء، وفي الحفل التضامني، وفي العلاقات الإنسانية، وفي الذاكرة، وفي صلات بعض رواد الظاهرة بفلسطينيين ومناضلين عرب.
فكيف عبرت فلسطين من الوجدان الثقافي المغربي إلى الأغنية؟ وكيف تحولت داخل تعدد التجربة الغيوانية من قضية عربية وإنسانية إلى جزء من ذاكرتها وجغرافيتها ووعيها؟
الحي المحمدي: مختصر المغرب ومختبر الجملة الغيوانية
حين نعود إلى البدايات، لا يمكن فصل ولادة الظاهرة الغيوانية عن مدينة الدار البيضاء، ولا عن الحي المحمدي تحديداً.
فالدار البيضاء، بما استقبلته من هجرات داخلية وبما راكمته من تحولات اقتصادية واجتماعية وعمرانية، أصبحت فضاءً تلتقي فيه جهات المغرب ومرجعياته وثقافاته. وفي قلب هذه الدينامية تشكل الحي المحمدي، الذي حمل في بداياته ذاكرة عمالية قوية، قبل أن يصبح أحد أهم الفضاءات التي ستحتضن لاحقاً ظاهرة فنية وثقافية غير مسبوقة.
كان الحي المحمدي أشبه بـ مختصر للمغرب: أبناء مناطق متعددة، ذاكرات ريفية وقروية، ثقافة حضرية صاعدة، عائلات حملت ذاكرة المقاومة وجيش التحرير، وشباب يعيشون أسئلة مرحلة ما بعد الاستقلال، ويتفاعلون مع ما يجري في المغرب والعالم. وفي هذا المختبر الاجتماعي والثقافي تشكلت شروط ولادة الجملة الغيوانية، التي ستصبح لاحقاً أكبر من مجرد نمط موسيقي.
وحين تأسست ناس الغيوان سنة 1970، كان العالم يعيش ارتدادات النكسة العربية لسنة 1967، وصعود حركات الشباب والطلاب، وتحولات سياسية وفكرية عميقة داخل المغرب والعالم. لذلك لم يكن غريباً أن تحمل الأغنية الجديدة أسئلة جيلها، وأن تجد فلسطين مكاناً مبكراً داخل هذا الوعي.
فلسطين التي دخلت الأغنية من باب الوجدان يصعب قراءة التجربة الغيوانية منذ سبعينيات القرن الماضي من دون التوقف عند فلسطين.
فالمجموعات التي ظهرت في تلك المرحلة لم تنظر إلى الأغنية باعتبارها مساحة للترفيه فقط، وإنما باعتبارها وسيلة للقول: قول الإنسان في أزمته، والمجتمع في اختلالاته، والوطن في أسئلته، والأمة في جراحها.
لهذا أصبحت النكبة والاحتلال والقدس والمقاومة واللجوء والمجازر والانتفاضة عناصر تدخل، بدرجات مختلفة، في الجملة الغيوانية لكن الجملة الغيوانية لم تكن واحدة، وهذه نقطة أساسية.
فهي جملة متعددة الأصوات والمرجعيات واللغات والإيقاعات: ناس الغيوان، جيل جيلالة، لمشاهب، السهام، لرصاد، إزنزارن وغيرها. ومن ثم فإن فلسطين نفسها لم تظهر داخل هذه التجربة بصورة واحدة، بل تشكلت في صور متعددة، تبعاً لهوية كل مجموعة ورؤيتها ولغتها الفنية.
ناس الغيوان: من فلسطين القضية إلى فلسطين المجزرة والانتفاضة مع ناس الغيوان أخذ الحضور الفلسطيني أشكالاً متعددة، ولم يبق مرتبطاً بلحظة واحدة.
ففي البدايات، ظهرت فلسطين داخل الخطاب الإنساني والعربي للمجموعة، ثم عادت القضية في محطات تاريخية أكثر تحديداً، خصوصاً مع أحداث تل الزعتر ومجزرة صبرا وشاتيلا والانتفاضة الفلسطينية.
وهنا تظهر خاصية مهمة في التجربة الغيوانية: فلسطين لم تكن عند الغيوان صورة ثابتة، بل كانت تتغير بتغير الحدث التاريخي.
فعندما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982، لم تتحول المأساة إلى خبر سياسي عابر، وإنما وجدت طريقها إلى الوجدان الغيواني من خلال أغنية «صبرا وشاتيلا»، التي نقلت الحدث من مستوى الخبر إلى مستوى الذاكرة الإنسانية، واستحضرت صورة الضحايا والمجزرة والألم.
ثم جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1987، فظهرت فلسطين مرة أخرى في صوت المجموعة من خلال "دومي يا انتفاضة"، حيث دخلت الحجارة وأطفال الانتفاضة إلى قاموس الأغنية.
وبذلك يمكن أن نرصد داخل التجربة الغيوانية ثلاثة أزمنة فلسطينية متداخلة:
ـ فلسطين القضية؛
ـ فلسطين المجزرة؛
ـ فلسطين المقاومة والانتفاضة.
هذا التوالي يكشف أن الغيوان لم تكن تكرر خطاباً جاهزاً، وإنما كانت تلاحق القضية الفلسطينية في تحولاتها التاريخية.
بوجميع: حين انتقلت فلسطين من الأغنية إلى التجربة المعيشة
لكن هناك سؤالاً أعمق: من أين جاء هذا القرب؟
هنا يبدأ النبش في سيرة بوجميع، أحد مؤسسي الجيل الأول لناس الغيوان سنة 1970 والذي توفي في 26 أكتوبر 1974.
تقدم شهادة واصف منصور، الفلسطيني الذي عاش في المغرب وارتبط بالحركة الوطنية الفلسطينية وبمكتب حركة فتح ثم بسفارة فلسطين، مدخلاً بالغ الأهمية لفهم هذه العلاقة.
ففي شهادته التي يتضمنها المقال، يقول إنه تعرف إلى ناس الغيوان في بداية 1972، وإن علاقته الأقوى كانت مع بوجميع، الذي تتلمذ على عمه أبي نزار في ثانوية الأرميطاج، قبل أن يذهب إلى بيروت ويعيش فترة مع الفدائيين الفلسطينيين.
إذا أخذنا هذه الشهادة بوصفها إحدى مواد النبش، فإنها تفتح أمامنا باباً مختلفاً تماماً.
فلسطين هنا لم تعد مجرد موضوع أغنية؛ أصبحت تجربة معيشة واحتكاكاً بشرياً.
هذه المسافة بين أن تغني عن فلسطين لأنك قرأت عنها أو سمعت أخبارها، وبين أن تغني عنها لأنك اقتربت من أهلها ومن تجربتهم، هي مسافة تستحق الوقوف عندها.
فإذا تأكدت هذه الرواية من خلال مزيد من الوثائق والشهادات، فإنها ستقدم تفسيراً أكثر عمقاً للحضور الفلسطيني في وعي بوجميع، وبالتالي في بعض ملامح الوعي الغيواني المبكر.
واصف منصور: الفلسطيني الذي دخل الجغرافيا الغيوانية
تكتسب شهادة واصف منصور أهمية إضافية لأنها تضعنا أمام صورة مختلفة للعلاقة بين الفلسطينيين والمغرب.
ففلسطين لم تكن آنذاك جغرافيا بعيدة، بل كانت حاضرة عبر شخصيات فلسطينية ومناضلين ومثقفين وفعاليات تضامنية، وعبر لقاءات إنسانية وثقافية وسياسية.
ومن خلال هذا الحضور أصبح المغرب نفسه جزءاً من شبكة التضامن الفلسطيني، وأصبح الفن أحد مساحات هذا التفاعل.
وهنا لا يعود الفنان مجرد صاحب أغنية تضامنية، بل يصبح جزءاً من شبكة علاقات إنسانية وثقافية تتقاطع فيها الأغنية مع المسرح والجامعة والحركة الطلابية والفعاليات السياسية والحفلات التضامنية.
وتشير الشهادة الواردة في المقال إلى مشاركة ناس الغيوان ولمشاهب وجيل جيلالة وغيرها من المجموعات في حفلات يعود ريعها للقضية الفلسطينية. وهذه المعطيات تجعل من الضروري أن نوسع البحث من أرشيف الأغاني إلى أرشيف اللقاءات والحفلات والتظاهرات والتسجيلات الصحفية.
من بوجميع إلى الجملة الغيوانية الجماعية
لا ينبغي، مع ذلك، اختزال فلسطين في بوجميع.
فبوجميع يمكن أن يكون أحد المداخل إلى هذا البحث، لكنه ليس نهايته.
ما حدث هو أن القضية الفلسطينية دخلت تدريجياً إلى المخيال الجماعي للمجموعات، ووجدت لنفسها صيغاً متعددة داخل الأغنية المغربية.
في هذه المرحلة ظهرت أعمال مرتبطة بالقضية في ريبرتوار الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب، بما يؤكد أن فلسطين لم تكن ملكاً لمجموعة واحدة، وإنما كانت جزءاً من الوعي العام لجيل موسيقي وفني كامل.
وهنا تظهر إحدى أهم خلاصات هذا النبش:
لم تكن هناك أغنية فلسطينية واحدة اسمها الجملة الغيوانية؛ كانت هناك جمل فلسطينية متعددة داخل الجملة الغيوانية الكبرى.
جيل جيلالة: حين تدخل القدس من باب الروح
إذا كانت ناس الغيوان قد جعلت فلسطين جزءاً من خطابها الاجتماعي والإنساني والمقاوم، فإن جيل جيلالة استطاعت أن تقترب منها من باب آخر: القدس والروح والتصوف والرمز.
وهذا الاختلاف لا يعني الانفصال عن القضية، وإنما يؤكد تعدد التعبيرات داخل الجملة الغيوانية.
فالتجربة الصوفية المغربية التي كانت حاضرة في هوية جيل جيلالة وفنيتها، سمحت بأن تُرى القدس ليس فقط باعتبارها أرضاً محتلة، وإنما باعتبارها رمزاً روحياً وحضارياً.
وهكذا، إذا كانت الغيوان تصرخ في وجه المجزرة، فإن جيل جيلالة تستطيع أن تناجي القدس.
إنهما طريقان مختلفان إلى قضية واحدة.
لمشاهب: فلسطين بوصفها جرحاً عربياً
مع لمشاهب يأخذ حضور فلسطين بعداً آخر.
فالمجموعة جعلت القضية جزءاً من مشروعها الغنائي، ومن بينها أغنية تحمل اسم «فلسطين»، كما ترد في المادة الأصلية إشارات إلى أعمال مرتبطة بالقضية وإلى حضورها في ريبرتوار المجموعة.
لكن أهمية لمشاهب لا تكمن في مجرد تسمية فلسطين، بل في الطريقة التي تتحول بها القضية إلى مرآة لحال العرب.
فلسطين هنا ليست فقط أرضاً محتلة، وإنما سؤال عن العجز، والانقسام، والذاكرة العربية، وعن العلاقة بين الإنسان العربي وقضايا التحرر.
وهنا تنتقل الأغنية من التضامن مع الآخر إلى مساءلة الذات:
ماذا فعلنا نحن أمام جرح فلسطين؟
السهام: من القدس إلى أطفال الحجارة
مع السهام، تواصل فلسطين حضورها بلغة أكثر مباشرة وقرباً من الشارع.
وتبرز في ريبرتوار المجموعة عناوين مثل:
ـ نفديك يا شهيد؛
ـ أطفال الحجارة؛
ـ القدس العربية.
هنا يحدث تحول دلالي هام، ففلسطين لا تظهر فقط بوصفها القدس أو الأرض، وإنما بوصفها طفلاً يقاوم، وحجراً يتحول إلى رمز للمقاومة.
أي أن الصورة تنتقل: من القدس إلى الطفل، ومن الطفل إلى الحجر، ومن الحجر إلى المقاومة.
هكذا تلتقط الأغنية المغربية تحولاً محوريا دالا في الخطاب الفلسطيني نفسه، حين أصبحت الانتفاضة وأطفال الحجارة أحد أبرز رموز القضية.
لرصاد وإزنزارن: حين تتعدد لغات فلسطين
لم تتوقف فلسطين عند المجموعات التي أصبحت أشهر تمثيلات الظاهرة الغيوانية.
فقد دخلت القضية إلى ريبرتوار لرصاد، التي ارتبط اسمها بالالتزام والخط الاحتجاجي، وتظهر في أرشيف الأغنية المرتبطة بها إحالات إلى فلسطين والمقاومة.
أما مع إزنزارن، فتحدث نقلة أكثر أهمية: فلسطين تدخل الأغنية الأمازيغية.
وهنا يصبح حضور القضية أكثر من مجرد تضامن؛ يصبح دليلاً على أن فلسطين استطاعت أن تجد مكانها داخل تعدد اللغات والهويات المغربية.
فلسطين إذن لم تكن عربية فقط داخل الجملة الغيوانية، بل أصبحت مغربية في تعدد تعبيراتها.
وهنا يمكن أن نقول:
حين دخلت فلسطين إلى الأغنية الأمازيغية، اتسعت الجملة الفلسطينية داخل الجملة المغربية.
من الأغنية إلى الفعل التضامني
لكن اختزال حضور فلسطين في أسماء الأغاني يضيّق كثيراً من معنى التجربة.
فالظاهرة الغيوانية كانت منفتحة على المسرح والجامعة والحركة الطلابية والمثقفين العرب والفعاليات التضامنية.
وكانت المجموعات الفنية جزءاً من مناسبات وحفلات ارتبطت بالتضامن مع فلسطين، بحسب الشهادات التي يستند إليها هذا النبش.
وهذا يعني أن فلسطين كانت تنتقل في التجربة الغيوانية عبر ثلاث دوائر:
ـ من الفكرة إلى الأغنية؛
ـ من الأغنية إلى الخشبة؛
ـ من الخشبة إلى الفعل التضامني.
هنا تحديداً تتحول الأغنية من منتج فني إلى وثيقة اجتماعية.
من الحي المحمدي إلى القدس: الجغرافيا التي لا تقاس بالمسافة
هنا تعود بنا فلسطين إلى الجغرافيا الغيوانية.
فالحي المحمدي لم يكن معزولاً عن العالم.
كان حي العمال والهجرة والمسرح والمقاهي والحركة السياسية والأغنية والجامعة، وكان أبناؤه يعيشون في تماس دائم مع التحولات التي يعرفها المغرب والعالم.
ومن هذا الحي خرجت الجملة الغيوانية إلى المغرب، ثم إلى العالم العربي، ثم إلى أوروبا وأفريقيا وأمريكا.
وفي هذا الامتداد كانت فلسطين حاضرة.
لذلك لا يمكن رسم الخريطة الغيوانية بالدار البيضاء ومراكش والصويرة والشاوية والصحراء فقط، وإنما ينبغي أن نضيف إليها القدس وبيروت ومخيمات اللجوء وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا والانتفاضة.
إنها جغرافيا لا تقاس بالمسافة.
الدار البيضاء بعيدة عن القدس على الخريطة، لكنها كانت قريبة منها في الوجدان.
فلسطين ليست أغنية في الجملة الغيوانية
ربما يكون من الخطأ أن نختصر حضور فلسطين في الظاهرة الغيوانية في عناوين الأغاني.
الأصح أن ننظر إليها باعتبارها أحد مسارات تشكل الوعي الغيواني نفسه.
فقد دخلت فلسطين إلى النص واللحن والأداء والذاكرة والاحتجاج والحفل التضامني والعلاقات الشخصية والسفر والمسرح والجامعة والحركة الشبابية.
ولهذا يمكن القول:
فلسطين لم تكن ضيفة على الجملة الغيوانية؛ كانت واحدة من اللغات التي جعلت هذه الجملة تتجاوز حدود المغرب.
ناس الغيوان جعلتها قضية إنسانية وقومية.
جيل جيلالة قرّبتها من القدس والروح والرمز الصوفي.
لمشاهب جعلتها مرآة للوجع العربي.
السهام حملتها إلى لغة الشارع وأطفال الحجارة.
لرصاد وسّعتها إلى ذاكرة المقاومة.
وإزنزارن أثبتت أن فلسطين قادرة على الدخول إلى الأغنية الأمازيغية.
وهكذا لم تعد هناك «أغنية فلسطينية غيوانية» واحدة، وإنما فلسطين غيوانية متعددة، مثلما أن الجملة الغيوانية نفسها متعددة.
من فلسطين إلى الأنطولوجيا الغيوانية
يفتح هذا النبش باباً جديداً في مشروع الأنطولوجيا الغيوانية.
فبعد الجغرافيا والهجرة والتصوف والحضرة وكناوة والأمازيغية والصحراء والمرأة والمسرح والحي المحمدي، تبرز فلسطين باعتبارها فصلاً مستقلاً، ليس لجرد الأغاني التي تناولتها القضية فحسب، وإنما لإعادة بناء شبكة العلاقات والأفكار والوقائع التي جعلت فلسطين تنتقل من الجغرافيا إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الأغنية، ومن الأغنية إلى الفعل التضامني.
وهو ما يجعل السؤال يتجاوز:
ماذا غنت الجملة الغيوانية عن فلسطين؟
إلى سؤال أعمق:
ماذا فعلت فلسطين بالجملة الغيوانية؟
هل غنت الغيوان لفلسطين فقط، أم أن فلسطين ساهمت بدورها في توسيع الغيوان من أغنية مغربية إلى ظاهرة عربية وإنسانية؟
ربما تكون الإجابة في الاتجاهين معاً.
فالغيوان حملت فلسطين إلى المغاربة، وفلسطين حملت الغيوان إلى خارج حدود المغرب.
من هنا تصبح فلسطين واحدة من المفاتيح الأساسية لفهم انفتاح الجملة الغيوانية، وتعدد جغرافيتها، وتعالقها الإنساني والثقافي والسياسي.
إنها ليست مجرد قضية حضرت في الأغنية.
إنها قضية ساعدت الأغنية نفسها على اكتشاف مدى اتساعها.

