Menu

محمود درويش: شاعر قضية أم شاعر مناسبات

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

يثير وصف محمود درويش بأنه "شاعر مناسبات" سؤالاً نقدياً مهماً يتعلق بطبيعة العلاقة بين الشعر والواقع التاريخي والسياسي. فقد ارتبط اسم درويش، منذ بداياته الشعرية، بالقضية الفلسطينية، وكتب عن الاحتلال والمنفى والأرض والهوية والمقاومة والحصار، كما استجاب في عدد من قصائده لأحداث مفصلية تركت آثاراً واضحة في التاريخ الفلسطيني والعربي؛ ومن هنا يمكن أن يبدو شعره، للوهلة الأولى، شعراً مناسباتيّاً يستمد موضوعاته من الوقائع والأحداث؛ وهذا يستدعي سؤالاً رئيساً: هل كان محمود درويش شاعر مناسبات بالمعنى التقليدي للمصطلح، أم أنه شاعر اتخذ من المناسبة التاريخية منطلقاً لبناء رؤية شعرية تتجاوزها؟

إن هذا الحكم يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ؛ إذ إن مفهوم شعر المناسبات غالباً ما يُطلَق على الشعر الذي يولد استجابة لحدث عابر، ويظل أسيراً لزمانه ومناسبته، بحيث تضعف قيمته أو تتراجع فاعليته الجمالية بانتهاء الظرف الذي أوجده، كما أن شعر المناسبات ارتبط في التراث العربي بالشعر الذي يُنظَم استجابة لواقعة محددة، مثل المدح والرثاء والتهنئة والعتاب والاحتفال والانتصار والهزيمة... وكانت قيمة هذا الشعر، في بعض نماذجه، مرتبطة بالمناسبة التي أنتجته، حتى ليجد القارئ صعوبة في تلقيه خارج سياقه التاريخي. إلا أن النقد الحديث أعاد النظر في هذه المسألة؛ كون ارتباط القصيدة بحدث معين لا يعني بالضرورة محدوديتها الفنية؛ فالحدث قد يكون مادة أولية، في حين تكمن القيمة الشعرية في قدرة الشاعر على إعادة تشكيله. وهنا ينبغي التمييز بين قصيدة تابعة للمناسبة، تظل وظيفتها الأساسية تسجيل الحدث أو التعبير المباشر عنه. وقصيدة تتجاوز المناسبة، فتبدأ من الحدث، لكنها تحولّه إلى رمز أو رؤية أو سؤال إنساني.

وعلى الرغم من انطلاق بعض قصائد محمود درويش من أحداث سياسية وتاريخية مباشرة، فإنه تجاوز في كثير من نماذجه حدود المناسبة ليحوّل الحدث الجزئي إلى تجربة إنسانية وتاريخية وجمالية أوسع. صحيح أن محمود درويش كتب قصائد مناسبات، لكنه لم يكن شاعر مناسبات؛ لأن المناسبة عنده لم تكن نهاية التجربة الشعرية، بل كانت في الأغلب بدايتها، يعيد إنتاجها فنياً ورمزياً، وينقلها من مستوى الحدث المباشر إلى مستوى السؤال الإنساني والوجودي والتاريخي.

في المرحلة الأولى من تجربة محمود درويش، كان الارتباط بالواقع الوطني واضحاً وقوياً، وهذا بدهي؛ لأن شعره نشأ في ظل الاحتلال، وفي سياق الصراع على الأرض والهوية والوجود؛ لذلك جاءت بعض قصائده الأولى قريبة من الخطاب الجماهيري، تحمل نبرة احتجاجية ومباشرة، وتستجيب للواقع السياسي والاجتماعي. ففي قصيدة "سجّل أنا عربي" على سبيل المثال، يحضر السياق السياسي حضوراً مباشراً من خلال مواجهة الهوية الفلسطينية بسياسات الاقتلاع والطمس. فالقصيدة تنطلق من وضع تاريخي محدد، لكن سرّ قوتها لا يكمن في تسجيل ذلك الوضع فحسب، بل في بناء ذات شعرية تواجه سلطة النفي بإعلان الوجود. وإن قول الشاعر: سجّل أنا عربي. يتحول إلى فعل وجودي وليس مجرد استجابة لموقف إداري أو سياسي، فالهوية هنا ليست بطاقة تعريف، وإنما مواجهة بين إنسان يحاول تثبيت وجوده وقوةٍ تحاول نفيه. ولهذا تجاوزت القصيدة مناسبتها المباشرة، وأصبحت من النصوص المؤسسة لخطاب الهوية في الشعر الفلسطيني الحديث. وكذلك في قصائد مثل: "بطاقة هوية" و "عاشق من فلسطين" و "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، نجد أن المناسبة أو الواقع السياسي حاضر، لكنه لا يبتلع القصيدة، لأن درويش يوسع التجربة من الخاص إلى العام، ومن الفلسطيني إلى الإنساني.

وتتجلى خصوصية محمود درويش في قدرته على نقل الحدث من مستواه المباشر إلى مستواه الرمزي. فالأرض عنده ، مثلاً، تصبح رمزاً للذاكرة والهوية والأمومة والبداية والوجود، وليست مجرد مساحة جغرافية، وهذا التحول يجعل القصيدة قادرة على الحياة خارج زمن المناسبة. وعندما يكتب عن المنفى، لا يتحدث عن الفلسطيني الذي اقتُلع من وطنه فحسب، بل يطرح سؤال الإنسان الذي فقد مكانه. وحين يكتب عن الحصار، لا يصف وضعاً حربياً، بل يواجه أسئلة الزمن والخوف والموت والحرية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ملحمته الشعرية الطويلة: "مديح الظل العالي"، التي ارتبطت بسياق الاجتياح الصهيوني للبنان وحصار بيروت 1982. ومن الممكن النظر إليها بوصفها قصيدة كُتبت في قلب حدث تاريخي شديد التحديد، لكنها لا تكتفي بتقديم وصف سياسي للحصار. بل تتحول القصيدة إلى فضاء تتداخل فيه الأصوات والأسئلة والصور والرموز، ويتحول "الحصار" من واقعة إلى حالة وجودية. وهنا لا يقف القارئ أمام قصيدة عن حدث انتهى، بل أمام تجربة تبحث في معنى البقاء والمقاومة والحرية والهوية. ومن ثم فإن المناسبة في شعر درويش تتحول إلى بنية شعرية، وليست مجرد موضوع خارجي للقصيدة. وتقدم قصيدة "عابرون في كلام عابر" نموذجاً مهماً في هذا الموضع. فقد ارتبطت بسياق سياسي ووطني واضح، وكانت استجابة لواقع الاحتلال والصراع على المكان (الانتفاضة الأولى 1987). لذلك تلقاها الجمهور والسياسيون بوصفها قصيدة ذات مضمون مباشر. إلا أن أهمية القصيدة لا تتوقف عند هذه الاستجابة الآنية. فهي تبني تقابلاً عميقاً بين مفهومين: العابر والمقيم. فالعابر هو الذي يمرّ في المكان دون أن ينتمي إليه، أما المقيم فهو الذي يرتبط بالمكان وبالذاكرة والتاريخ والهوية. وبذلك تتحول القصيدة من خطاب موجّه إلى قوة سياسية بعينها إلى سؤال شعري حول العلاقة بين الإنسان والمكان: من يملك المكان؟ هل الملكية بالقوة أم بالذاكرة؟ ومن هو العابر الحقيقي في التاريخ؟ إن هذا الانتقال من المباشر إلى الرمزي هو ما يمنع القصيدة من الوقوف عند حدود المناسبة وحدها. وتعد قصيدة "حالة حصار" من أوضح الأمثلة على علاقة شعر درويش بالحدث. فالقصيدة ولدت في سياق سياسي محدد هو حصار الفلسطينيين، لكن بناءها الشعري يتجاوز الوصف المباشر للحصار. والحصار –هنا- ليس مجرد تطويق للمكان، بل هو أيضاً تطويق للزمن واللغة والجسد والذاكرة؛ لذلك تتولد داخل القصيدة أسئلة كثيرة حول الشعر والحياة والموت والعدو والذات. وهنا ينجح الشاعر في جعل اللحظة السياسية مادة لتأمل أوسع في قدرة الإنسان على مقاومة القهر، وهذه القدرة على تحويل التجربة الجماعية إلى خبرة إنسانية هي إحدى أهم الخصائص التي تميز درويش من شاعر المناسبة التقليدي.

لم يكن درويش يكتب عن الأحداث بوصفها لحظات منفصلة، بل كان يضعها غالباً في سياق تاريخي طويل. فالنكبة والنكسة والحصار والمنفى ليست عنده حوادث مستقلة، وإنما حلقات في تجربة فلسطينية متصلة؛ لذلك فإن قصائده تستدعي التاريخ والأسطورة والتراث، وتدخل في حوار مع شخصيات وأمكنة وأزمنة متعددة. وهذا الاتساع الثقافي يمنح القصيدة أبعاداً تتجاوز الحدث الذي انطلقت منه. ففي "لماذا تركت الحصان وحيداً"، على سبيل المثال، لا نجد قصيدة مناسبات بالمعنى المباشر، بل نجد استعادة شعرية للطفولة والخروج من المكان والذاكرة الأولى. ومع ذلك فإن خلفية النكبة حاضرة بقوة. لكنها لا تقدم في شكل خطاب سياسي مباشر، بل تتجسد في صورة الطفل والبيت والحصان والطريق. إن درويش هنا لا يكتب "عن" النكبة فقط، بل يكتب من داخل أثرها النفسي والذاكري، وهذا التحول من الحدث الخارجي إلى الذاكرة الداخلية يمثل مرحلة متقدمة في تجاوز شعر المناسبة. وفي أعمال مثل: "جدارية" و "كزهر اللوز أو أبعد" و "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"، يتراجع حضور المناسبة المباشرة، ويتقدم التأمل في الوجود والزمن واللغة والموت والذاكرة. وهذا التطور يكشف أن وصف درويش بشاعر مناسبات وصف غير كافٍ؛ لأنه يتجاهل التحولات الكبرى في مشروعه الشعري.

من الصعب إنكار أن عدداً من نصوص درويش وُلد من رحم وقائع سياسية ووطنية مباشرة. كما أن بعض قصائده أدت وظيفة جماهيرية واضحة في مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني. لكن ليس السؤال الأهم: هل ارتبطت القصيدة بالمناسبة؟ بل ماذا فعل الشاعر بهذه المناسبة؟ وهنا تكمن خصوصية درويش. فهو غالباً: لا يكتفي بتسجيل الحدث، ولا يحول القصيدة إلى بيان سياسي، ولا يجعل القيمة الشعرية رهينة بالمناسبة، ويستخدم الحدث بوصفه منطلقاً للتأمل، ويحول الواقعة إلى رمز، وينقل التجربة من الخاص إلى العام، ويجعل التاريخ جزءاً من بنية القصيدة، لا مجرد خلفية لها، ويدمج الوطني بالإنساني، والسياسي بالوجودي، والذاتي بالجماعي. لذلك يمكن القول إن درويش وظّف المناسبة ولم توظّفه المناسبة؛ أي أنه لم يكن تابعاً للحدث، بل كان يعيد صياغة الحدث داخل نظامه الشعري الخاص.

من أسباب إطلاق صفة "شاعر مناسبات" على درويش هو الخلط بين مفهومين مختلفين: شاعر القضية وشاعر المناسبة. فشاعر القضية قد يظل مرتبطاً بقضية تاريخية كبرى طوال تجربته، لكنه لا يكون بالضرورة شاعراً مناسباتيّاً. القضية في هذه الحالة تصبح جزءاً من رؤيته للعالم، وليست مجرد موضوع خارجي يختاره الشاعر. وهذا هو حال محمود درويش؛ إذ لم تكن فلسطين عنده مناسبة عابرة، وإنما كانت مركزاً لتجربته الوجودية والشعرية. لقد كتب فلسطين بوصفها أرضاً وتاريخاً وذاكرة وهوية ولغة ومنفى وحلماً؛ من هنا فإن وصفه بـ "شاعر القضية" قد يكون أكثر دقة، بشرط ألا تُفهم القضية فهماً ضيقاً؛ لأن فلسطين في شعره فضاء شعري وإنساني واسع وليست مجرد شعار سياسي.

يمكن الوصول، في ضوء ما سبق، إلى نتيجة أساسية هي أن محمود درويش لم يكن شاعر مناسبات بالمعنى التقليدي الضيّق، وإن كان قد كتب عدداً كبيراً من القصائد المرتبطة بأحداث ومناسبات تاريخية وسياسية. فالمناسبة كانت عنده بذرة للقصيدة لا غاية لها، يبدأ من حدث محدد، لكنه يعيد صياغته بلغة شعرية تجعله قابلاً للاستمرار بعد زوال الظرف التاريخي. وهكذا تتحول الأرض إلى رمز، والمنفى إلى سؤال وجودي، والحصار إلى تجربة إنسانية، والهوية إلى مواجهة فلسفية مع النفي والغياب. وإن قوة محمود درويش تكمن في أنه لم يفصل الشعر عن التاريخ، لكنه لم يسمح للتاريخ بأن يتحول إلى بديل من الشعر. فقد حافظ على الصلة بالحدث، وفي الوقت نفسه حافظ على استقلالية القصيدة وجماليتها وتعقيدها؛ لذلك فإن الحكم الأدق هو: لم يكن محمود درويش شاعرَ مناسبات، بل كان شاعراً تاريخيّاً استطاع أن يجعل من المناسبات مادةً لتأسيس شعر يتجاوز مناسباته، ومن الحدث الفلسطيني الخاص أفقاً إنسانياً وجمالياً عالمياً.

لم يكن محمود درويش شاعر مناسبات، وإن كان من أكثر شعراء عصره ارتباطاً بأحداث عصره. فقد كتب في المناسبة، ومن داخل الحدث، لكنه تجاوز كليهما إلى بناء شعري تتداخل فيه الذات بالتاريخ، والوطني بالإنساني، والواقعي بالرمزي، والزمن العابر بالذاكرة الباقية. وهكذا لا تكمن أهمية السؤال في نفي وجود المناسبة في شعر درويش أو إثباتها، بل في الكشف عن كيفية تحوّل المناسبة داخل تجربته، فالشاعر الكبير ليس هو الذي يتجاهل زمنه، بل الذي يستطيع أن ينقذ زمنه من الزوال داخل العمل الفني، وهذا ما حققه محمود درويش حين جعل من النكبة والمنفى والحصار والهوية أحداثاً قابلة للتحول إلى شعر، ومن الشعر فضاءً لحفظ الذاكرة ومساءلة التاريخ وإنتاج معنى يتجاوز لحظته الأولى.

وبذلك يمكن القول، في صياغة أكثر اختصاراً وحسماً، إنّ محمود درويش لم يكن شاعراً للمناسبة، بل كان شاعراً يحوّل المناسبة إلى تاريخ، والتاريخ إلى ذاكرة، والذاكرة إلى شعر؛ وهذه السلسلة التحويلية هي التي تفسر بقاء قصيدته وقدرتها على تجاوز ظروفها المباشرة، والانتقال من خصوصية التجربة الفلسطينية إلى رحابة التجربة الإنسانية.