وبالانتقال إلى بدايات " غسان كنفاني " في خمسينيات القرن الماضي سنلاحظ أنه تعامل مع قلم الرصاص والفحم وأقلام الفلوماستر والحبر الأسود والألوان الزيتية، وسنلمس على الفور تمكنه في الرسم الذي يبرز وبشكل تعبيري هيئة الملامح الإنسانية وكذلك عناصر الموضوع.. فكان يكتفي أثناء الرسم بوضع الشكل أو العنصر بخطوط واضحة وألوان قليلة صريحة على سطح اللوحة بحيث تظهر جماليات الشكل والتكوين.. وهو لا يغالي في معالجته للمواضيع المراد التعبير عنها تشكيليًا سواء كان مشهدًا لامرأة أو رجل أو جموع بشرية، أو شجرة أو طير أو بيوت.. وأراد من خلال هذه العناصر والتي تضمنت موضوع لوحاته الـ (36) والتي رسمها خلال مسيرة حياته التشكيلية أن لا تستعصي على الفهم، وتخالف مقولة الفن الملتزم أو الفن للمجتمع، الذي يعبر عن البيئة والطبيعة والإنسان وهمومه في أبسط صوره المحببة دون المبالغة في المضمون والأسلوب، وبما أن الفنان ضمير عصره فقد رسم عام 1957 لوحة "النازح"، حيث جسّد من خلال عناصرها أبعاد الهجرة فنشاهد شيخاً تعكس نظرته عمق مشاعر الحزن والألم والتشرد الذي لحق بالشعب الفلسطيني عام 1948 ، وخلف الشيخ نشاهد رأساً بوجهين، وجه ينظر إلى المرأة الممددة على الأرض رمز "الخصب"، أما الوجه الآخر فينظر إلى البيوت المهجورة. وفي مقدمة العمل الفني امرأة فلسطينية حافية القدمين تحمل على كتفها جرة ماء وفي يدها الأخرى بندقية تعزف من خلالها مواويل وحكايات لبطولات وأبطال تأبى أن تنسى وطنها.
أراد "غسان" من خلال هذا العمل الفني الذي جاءت خلفيته باللون الأسود الحالك أن يظهر من خلال خطوطه، الشخوص والجبال والأشجار والبيوت.. وكأن الأرض تستحضر عنفوانها الداخلي، وتشرع في بعث جديد من رحمها. وأراد "غسان" من خلال هذا المشهد أن يعبّر عن تطلعاته وعن المكنون النفسي للشخصيات التي صورها على سطح اللوحة. حيث أضفى على تلك المشخصات فيضًا من عاطفته الروحية السيالة. بما يدفع العين إلى مسار بصري تشتبك فيه مع عناصر التكوين بحيث يبدو "غسان" بنفسه كوتر مشدود بطول المشهد بين حضن الأرض ونداهة السماء.
وفي لوحة "راجعون / 1957" يتسيد المقاتل بسلاحه وسط اللوحة وإلى جانبه يرفرف العلم الفلسطيني نحو الطيور العائدة، وقد عكست تعبيرات المقاتل القيم الأساسية للروح والنفس وتظهر عيونه جاحظة لأبعد الحدود. وتظهر أمام المقاتل جموع من الفلسطينيين تغادر بيوتها نحو فلسطين. ونلاحظ أن الفنان "غسان" رسم عناصره على خلفية سوداء، يظهر من خلالها كما في اللوحة السابقة ألوانًا متقشفة، تتناسب مع الشكل والمضمون الذي يؤكد على العودة إلى الوطن مهما كلفت التضحيات..
وأعمال "غسان" في هذه المرحلة أغلبها تنضح إحساسًا ثقيل الوطأة بمأساة بشرية اسمها " النكبة " وصُوَرُها مشحونة دومًا بنذر مأساوية وعلى الرغم من هذه الصور يظل الغالب على أعمال "غسان" عمومية القضية الإنسانية الفلسطينية وحق العودة والذي عبر عنه "غسان" في اللوحة الموسومة بـ "العودة / 1957" وقد تضمنت اللوحة امرأة تجلس أمام خيمتها ويقف إلى جانبها زوجها الذي حمل على كتفه بندقية ترفرف أمام فوهتها لافتة كتب عليها "العودة ".
نفذ "غسان" هذا العمل بالحبر الأسود وجاءت خطوطه سريعة، وكأن "غسان" كان في عجالة عندما التقط الحركة بشكل مباشر أمام الخيمة.
يتابع "غسان" رسم شخوصه الإنسانية التي سيداوم على إبداعها.. حيث نجد في لوحته التي تتضمن "امرأة تحيك شالها" والتي رسمها عام 1964بألوان "الغواش" اختزال الكثير من التفاصيل.. ومال إلى الألوان الباردة والحارة بدرجاتها المتقاربة في الأرضية والخلفية حيث حرص على تجانس الألوان بالإضافة إلى رشقات من اللون الأبيض.. كما نراه يندفع إلى خلق تكوينات من الخطوط والألوان والملمس.. وغيرها.. مع الحفاظ على اكتمال عناصر اللوحة من كتلة ولون وخط وفراغ وملامس سطح اللوحة.
في هذه المرحلة كان طموح "غسان" يلح عليه بأن يقدم شيئًا مغايرًا ومخالفًا لما قدمه من مواضيع، وهداه حدسه الفني إلى الخروج للطبيعة ليرسم بالألوان الزيتية ما لم يكن قادرًا التعبير عنه بحرية وهو الذي حرم من طبيعة بلاده الجذابة من بحر وسهل وهضاب وجبال وقرى ومدن.. فهام وطاف في منابع الجمال الطبيعي وحلق بأجنحة الحلم الجميل عندما رسم عام 1965 لوحة "جبال وذاكرة" والتي تتضمن بيوتاً تربض تحت وفوق الجبل حيث تظهر البيوت المطلة على بحر "عكا" مثل إيقاع موسيقي يعلو ثم ينخفض، أما البيوت الرابضة في خلفية اللوحة فيكسوها سكون مشع في ترديد أفقي ورأسي للخطوط يعطي إحساسًا بالنمو والألفة. ونشاهد أيضًا في مقدمة العمل واجهات البيوت وسطوحها، التي تتضمن بعض العناصر مثل حبل الغسيل وبرميل الماء وحزمة حطب إلى جانب درج يصعد باتجاه البيوت التي تربض فوق الجبل.
ونلاحظ في هذا العمل الفني الذي ينطوي على بعد فلسفي استخدام الفنان للألوان الزيتية بشكل كثيف من خلال ضربات الفرشاة العميقة، معبرًا عن هذا المشهد بألوان مركبة تدخل فيها لمسات من الأزرق والأخضر والأوكار والبني، وتسبغ هذه الألوان على المشهد طابع السكون والطمأنينة وتوقف حركة الزمن. كما نلاحظ تحكم الفنان في رؤيته الفنية للمنظور من عدة زوايا، ومن تحت مستوى النظر أحيانًا، فيحول الأمكنة إلى ذاكرة وتراث.
واصل "غسان" التعبير عن الآمال الشعبية الكبيرة في الحرية والعدل ووضع النضال الاجتماعي والسياسي على قدم المساواة مع الإبداع الفني الذي كان ركيزته تحطيم الأغلال والتجذر في الأرض ومواصلة قتال العدو، حيث اكتوى غسان وأبناء شعبه الفلسطيني والعربي بنكبة عام 1948، وكذلك نكسة حزيران عام 1967. وإذا كانت كلا النكبة والنكسة قد أحبطت البعض، وهزت العديد من القناعات وأفقدت البعض الثقة في الانتماء والتضحية، لكن ابن مدينة عكا وحامل دلالاتها تأبى روحه مثل هذا اليأس أو الاستسلام، بل تولدت داخله رغبة صادقة للثأر ومواصلة القتال على الجبهة العسكرية والثقافية والفنية دون توقف، لذلك سوف نرى في لوحاته بعد نكسة عام 1967 استحضار الفارس "عنترة" وهو الاسم الأكثر شهرة ومكانة في الخيال الشعبي العربي موليًا بذلك أهمية للمغزى في تلك السيرة. التي امتازت بالشجاعة والكرم والوفاء والمروءة والجرأة، كما أن "عنترة" كان يرفض العبودية ويسعى إلى التحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة والدفاع عن القبيلة، وهو في الوجدان الجمعي مثال الحرية والفروسية والبطولة والنبل الإنساني.
عكس هذا العمل الفني الذي يتضمن "عنترة" وهو يسير بحصانه وبيده رمحه في صحراء ممتدة.. الرغبة في خلق عالم يوحد بين خياله وبين تأملاته النابعة من مفردات الموروث والتراث الشعبي العربي ومزاوجتها مع روح الرسم المعاصر.
كما اهتم "غسان" في هذا العمل الفني بالعجائن اللونية المتطابقة فوق بعضها، لتعطي سمكًا على السطح مما أكسبه بعدًا ثالثًا تحقق من خلال الضوء والظل لهذه الطبقات، إضافة إلى ألوانه الدافئة للتعبير عن حرارة العمل التي تؤكد عند المتلقي الإحساس بالبيئة الصحراوية الساكنة إلا من صفير الرياح وتطاير الرمال من خلال ضربات السكين الجريئة المتضادة أفقيًا على عجائن ألوانه الواضحة لتساهم في الإحساس بالحركة وهي أهم مقومات العمل الفني الذي جاء تكوينه راسخ البناء.
وأحد نماذج هذه المرحلة لوحة "الشيخ" الذي يتكئ على راحة يده.. وهذا الشيخ الذي يبدو في لحظة تأمل، واستغراق في التفكير، أو محاكاة الزمن في لحظة حوار معه.. ويظهر على ملامحه تأثير الزمن.. لكنه في حالة حلم.. حلم يضيء اللوحة بالبياض.. وقد صور الفنان "غسان" ذلك بأسلوب معبّر، يعتمد على الحس والتعبير، وجمال اللون وتأثير ذلك على المتلقي.. وكذلك إيقاع الكتلة، التي تمثل "الشيخ" الذي يتسيد اللوحة.. كما وفق الفنان في توزيع الضوء والظل وما يحدثه من حس درامي في اللوحة؛ ونجح "غسان" في تسجيل لحظة زمنية بعينها، وهي لحظة تأمل وتفكير في طريقة العودة إلى الوطن.
اللوحة في عمومها تتناغم مع الواقع الممزوج بمشاعر الفنان الذي حوَّل السطح إلى بقع لونية وضربات فرشاة سريعة بليغة بإيجازها ودسامة ألوانها ورشاقة خطوطها واندفاع حركتها، جعلت الضوء لا ينبع من مصدر واحد، لكنه ينبع من السطح نفسه.
وبنفس الأداء المنهجي يأتي عمل "رجل يرتدي قمباز" وكوفية بيضاء، حيث يظهر الرجل واضعًا يده اليمنى على خده، ويده اليسرى على ركبته، وتعكس تعبيرات وجهه مرارة التشرد والحرمان والحزن على الوطن. ويمكن إدراج العمل السابق وهذا العمل ضمن المناخات الأكثر تعبيرًا عن حزن الإنسان وقلقه على مصيره، لذلك لا يمكن تفهم أسرار الفنان التقنية، دون فهم الحالة التي يصورها الفنان: أي حالة القلق من المستقبل. لكن "غسان" جعل من الحالات الواقعية للإنسان الذي يرسمه في أساه صورة للحلم، وهو يحاول إخراج المأساة من دلالتها الإنسانية لصالح البعد الجمالي.
تدلل هذه المرحلة على حماسة "غسان" الفنية ومحاولته إيجاد معادل موضوعي بين البعد الجمالي وبعد الموضوع المعالج الذي يظهر بجلاء في اللون، أي في الحذر من استعمال الألوان المتعددة. والاكتفاء بألوان قليلة تعبر عن الموضوع، ولهذا نلاحظ "غسان" يصوِّر المأساة ولكن ليس على حساب البعد الإنساني أو الجمالي. وإذا كان "غسان" قد صوّر المأساة إلا أنه شديد التفاؤل ليس لأنه يعالج موضوعاته بحب، فحسب، وإنما لأنه ينطلق من كونه (فنانًا).
كما تدلل هذه المرحلة أيضًا على محاولة "غسان" لاتباع التقنيات المدروسة، فتأتي صياغاته أشبه بالأساليب الأكاديمية الجديدة، وتحمل تطورًا ملموسًا من لوحة إلى أخرى.. وهي لوحات تعبيرية تمتلئ بالإحساس بالإنسان والوطن كعنصرين أساسيين في رغبته التعبيرية وهو ملمح امتد طوال مسيرته التشكيلية.. فالعنصر الإنساني أساس لا يغيب عن لوحاته حيث يتعادل فيها الموضوع بالشكل، وهذا التعادل يحيلنا إلى الغنائية الحزينة التي تكشف عن جوهر موضوعاته التي تنقلنا من الواقعي إلى الحلم، وفي الوقت نفسه ترتبط عناصره بالجو المأساوي، كما في لوحة "الصلب" وهذا ما دفعه لالتقاط المشاهد ذات الاتجاه الرمزي / التعبيري، من أجل معالجة انتصار الإنسان رغم المأساة التي يعيش فيها وداخلها، أو بمعنى أعمق: تصوير المحنة الإنسانية.. المحنة التي تنحاز إلى انتصار الإنسان في مأساته.. وواقع الإنسان الذي درسه "غسان" تحوّل إلى رمز فني. لكن هذا الرمز يكشف عن عذابه الذي جسّده بالمحتوى الفني الذي لم يبتعد عن الواقع.. بهذا الاتجاه يصنع لوحته التي تتسم بخصوصية تقنيته كما أن أصالة مفرداته تبقى شديدة الارتباط بواقعه. والحالات الإنسانية التي عالجها في هذه المرحلة استحالت إلى كتلة تفصح عن المعاناة التي جسدها "غسان": تلك المعاناة التي تجعل من الإنسان أن يستحيل إلى رمز كما في العمل الفني الذي يتضمن "أم سعد" التي رسمها وهي جالسة في حالة تأمل وانتظار بالألوان المحببة لديه –الأزرق ومشتقاته- حيث اعتمد على التقنية في التعبير، وفي هذه التقنية ركز "غسان" على الضوء النابع من شال أم سعد، وعلى التضاد في استعمال الألوان. ومن خلال ذلك نلمس عنايته بالأسلوب الذي يجسد هذا التوجه، ودون افتعال أو اهتمام بالصناعة الفنية على حساب الموضوع أو الأفكار.
وفي هذا الاتجاه يكرر "غسان" موضوعاته، بل ويستخدم التقنيات نفسها، كما في العمل الفني الموسوم بـ "نساء النكبة" الذي يتضمن طفلًا في مقدمة اللوحة مع مجموعة من النساء وهن في حالة ألم وحزن.. وقد أظهر "غسان" من خلال تلك النساء التعبيرات المرتسمة على وجوههن، واعتمد في التعبير على حركة الأيادي، وقد أحال الأضواء والظلال إلى مساحات لونية فاتحة وداكنة، كما استخدم التباين اللوني بين الأزرق ومشتقاته الداكنة في معظم اللوحة، وجاء اللون الأبيض في شالات النساء لتأكيد درامية الموضوع.
استخدام "غسان" للألوان في هذه اللوحة جاء نتيجة حسٍ تلقائي، عكس إحساسه بالموضوع ورغبته في التعبير عنه بصدق.
جاء تكوين اللوحة بنائياً وهو يقوم على توزيع المساحات الداكنة والفاتحة وتحقيق الاتزان بينها، وعلى حركة الكتل واتجاهاتها في الفراغ.. وجاء استخدام "غسان" لألوان الملابس بنفس ألوان الخلفية ليعطي التركيز على الوجوه والأيدي التي تعبر عن الموضوع وتبرزه.
وأخيرًا في مجال التصوير رسم "غسان" لوحة "القارئ" التي تتضمن شخصًا جالسًا على كرسي يظهر وهو منكب على قراءة الجريدة داخل غرفة مطلية جدرانها باللون الأخضر، وأرضيتها باللون البني الفاتح، وتظهر خلفه نافذة مفتوحة على امتداد الأفق. قد يبدو موضوع اللوحة لأول وهلة بسيطًا فهو شخص جالس.. لكن "غسان" الذي عشق الصحافة وتابع أخبارها بحلوها ومرها يقول لنا الكثير في تلك اللوحة، فهو يصور الإنسان المتلهف لسماع خبر يفرحه ويداوي جراحه، لكن من هو هذا الإنسان؟ من يداوي من؟ ومن أي جراح؟ هنا يطرح "غسان" هذا السؤال في تلك اللوحة ويجيب عليه في نفس الوقت.. ليتركنا في تلك العملية الجدلية. صحيح أن إنسان "غسان" ليس له ملامح، لكنه كتلة من الحس والشعور والتعبير.. كما لم يهتم "غسان" بإبراز الوجه وتفاصيله وتعبيراته، ولم يظهر منه سوى الأيدي والأرجل، بالإضافة إلى قبعته السوداء وملابسه ذات اللون البني الفاتح.. وهو يدعونا من خلال هذا العمل الفني إلى التريث والتفكير في هدوء بعد قراءة الجريدة.. كما يدعونا إلى التفكير في الحياة والمستقبل، ويدعونا إلى التأمل في فسحة الأمل.. فسحة الحرية.. من خلال زرقة السماء التي تطل من النافذة.. كما يتضح في الخلفية.
يصوّر "غسان" هذا المضمون بلغة شاعرية رقيقة.. وبأسلوب تعبيري يعتمد على جمال الألوان، التي يخاطب بها عقل ووجدان المتلقي.
جاء تكوين اللوحة محكماً من الناحية البنائية، لا سيما أن قارئ الجريدة هو العنصر الأساس في التكوين وهذا جعل عين المتلقي تتحرك في جميع فضاء اللوحة مما ساهم في التركيز على المعاني التي يريد الفنان إبرازها، فخرجت اللوحة بسيطة في الشكل عميقة في المضمون.
غسّان وتجربة الملصق السياسي
يعتبر الملصق السياسي الذي يتميز بقوة التعبير وبقلة عدد العناصر المستخدمة من حيث الخط واللون.. من أكثر الفنون أهميةً وتأثيرًا وتحريضًا في نضال الشعوب.. وما زال الأكثر أهمية وحضورًا وفاعلية في الحركات الفنية الثورية في العالم.. بحكم انتشاره على الجدران والأماكن العامة التي يتواجد فيها الناس..
وتكمن أهميته بمضامينه وجمالياته ـ تطوير الثقافة البصرية ـ في تعدد النسخ.. حيث يتيح انتشاره الواسع على الجدران ليكون على تماس مباشر بالجماهير..
وقد ارتبط الملصق الذي لا يحتمل التأويل بالمعنى في نشأته وتطوره بالتحولات الاجتماعية والأحداث السياسية والعسكرية الكبرى.. وجاء كحاجة ملحة تُعبِّر عن معاناة وآلام وأحلام وأمنيات الشعوب في الاستقلال والتحرر من الظلم والاضطهاد والاستعباد.. لذلك لن ينسى أحد الدور التثقيفي والتحريضي والتعبوي الذي لعبه الملصق السياسي في الثورة الفلسطينية سواء على صعيد فضح وتعرية سياسات العدو الإجرامية والنازية ومقاومته من جهة أو على صعيد مقارعة الإمبريالية الأمريكية والرجعية وإدانتها وتعريتها من جهة أخرى.
وتعد تجربة الفنان "غسان كنفاني" في الملصق السياسي واحدة من التجارب الفلسطينية المهمة التي ساهمت في تطوير وبناء خصوصية فن الملصق الفلسطيني، ومن المؤكد أن أهمية وفاعلية هذه التجربة الفنية ترجع إلى عدة أسباب، أهمها أن الفنان "غسان" يتمتع بخلفية فنية وثقافية وكذلك سياسية متينة، وهذا ما تفصح عنه لغته التشكيلية والتعبيرية.
وقد ارتبط فن الملصق عند الفنان "غسان" بهدف مركزي ألا وهو بحثه المستمر عن خلق المناخ الجمالي، ومنحه قيمة إنسانية ترتبط بعملية النهوض الثقافي والحضاري، لا سيما أن الجمال عنده تعبير عن موقف يمنح الحياة ذلك البعد الحضاري المتقدم: ذلك أن كل نضال لا بد أن يفضي إلى غايات جمالية ذات ارتباط جدي بأعماق الإنسان وتقدمه. وعندما ندرس ملصقات "غسان" سنكتشف الأسباب المنطقية التي قادته من الرسم إلى الملصق، دون أن يتخلى عن فن الرسم طبعًا.
جسّد "غسان" كم خلال الملصقات التي أنجزها رؤيته وموقفه الإبداعي والفكري، بيد أن "غسان" وظف هذا الاتجاه في ملصقاته التي عالج بها الكثير من المواضيع السياسية.. ويمكن القول إن تجربة "غسان" بالملصق السياسي تشكل بداية فعليه لفن الملصق السياسي الفلسطيني، كفن له غايات تختلف عن غايات فن الرسم: لا سيما أن الملصق لا بد من أن يرتبط بموقف أو مناسبة أو حادثة.
وبخصوص ذلك أحاط "غسان" بمختلف جوانب القضايا العربية وقدم ملصقاته بمنتهى البساطة والوضوح وذلك بلغة الخط واللون والصورة الضوئية.. وبرموز متعارف عليها عالميًا.. بمعزل أحياناً عن العبارات المصاحبة للرسم.. وهذه الميزة إن دلت على شيء، فإنما تدل على وعي "غسان" بضرورة نشر مضامينه على أوسع نطاق ومخاطبة الجماهير في أي مكان من هذا العالم مركزًا من خلال تقنية الملصق على عدالة القضية العربية إلى جانب الكشف عن الطبيعة النازية الصهيونية التوسعية في وطننا العربي، وكذلك إدانة أمريكا والقوى الإمبريالية التي تساعدها على تحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة العربية والعالم.
فماذا عن تجربته في الملصق كترجمة إبداعية وفعل تشكيلي ثوري؟
تمثل الأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية محور ملصقات "غسان كنفاني" التي كانت رفيقًا للنضال الفلسطيني بعد نكسة حزيران 1967، وأداة أيدولوجية فاعلة.. تمثلت في رفع الروح المعنوية عند الجماهير عبر الدعوة للمواجهة العسكرية مع العدو، وهذا ما عبّر عنه "غسان" في الملصق الذي رسمه عام 1968. الذي تضمن فتاة فلسطينية تمسك ببندقية جاءت على شكل خارطة فلسطين، وقد نفذ الملصق باللون (الأسود والبرتقالي والأخضر الفاتح). وترمز الفتاة في هذا الملصق إلى استمرارية الثورة، والملصق يتميز من ناحية التكوين بالبساطة والاختزال في العناصر المستخدمة، وهي قادرة على التأثير البصري والعاطفي على المشاهد.
أراد "غسان" من فكرة هذا الملصق أن يبين بأن هزيمة العدو ممكنة، وهي ليست فقط بالبندقية، ولكن أيضًا بالكلمة الثورية، والفكرة المعبرة التي تعبئ الجموع، وتوضح طريق النصر.
وهذا ما أكد عليه غسان في ملصقه الموسوم بـ "طريق الكفاح المسلح طريق فلسطين الحرة" حيث سعى "غسان" إلى الاختزال في عناصر الملصق، عندما رسم بندقيتين ترفعهما يدان للأعلى على خلفية العلم الفلسطيني، حيث تبدو اليدان كرمز قادر على التعبير عن أشكال النضال التي تؤدي إلى فلسطين الحرة.
وفي نهاية ستينيات القرن الماضي حاول "غسان" تنويع الحلول التقنية والسعي إلى طرح أفكار جديدة قادرة على حمل مضامين متنوعة وسهلة الوصول إلى الجماهير، فقدم ملصقًا حمل شعار "تحية لثوار غزة في كفاحهم البطولي" زاوج فيه ما بين الرسم والكولاج، وهو يتضمن من حيث الرسم يد تحمل قنبلة "مولوتوف" مشتعلة، كمركز أساسي للفكرة الفنية وكرمز لاستمرار شعلة الكفاح المسلح ضد العدو، وظهر في خلفية القنبلة، صور من الصحف والمجلات التي تضمنت عناوين عريضة تشيد بالكفاح البطولي لعمليات ثوار غزة ضد العدو الصهيوني، وقد تميز هذا الملصق من ناحية التكوين بالبساطة والاختزال في العناصر المستخدمة، وبالاختيار المناسب للنصوص التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمضمون الصور.
إن صياغة الشعارات السياسية قادت "غسان" إلى إنجاز حلول فنية جديدة قادرة في بلاغتها على الإقناع الفكري وعلى تعميق مغزى ملصقاته التحريضية. هذا ما يتضح في ملصقه "إنه ليس إرهابيًا، إنه مقاتل من أجل الحرية" والملصق في تكنيكه الفني رسم بألوان "الغواش" المائية وهي ألوان يمكن استخدامها بشفافية وكذلك بكثافة. يتضمن الملصق عنصر أساس في الرسم يرمز لحركة المقاومة الفلسطينية وهو "بورتريه" لفدائي واقعي، ملثم بالكوفية ويقبض على بندقيته التي تتصدر مقدمة الملصق، ويحتل المقاتل الزاوية اليمنى من الملصق. وفيه تتركز قوة التعبير في نظرة العينين الصارمتين والمؤكدة على حقه في مواصلة الكفاح المسلح في سبيل حقه في تقرير المصير وهو نضال شرعي يتفق تمامًا مع مبادئ القانون الدولي، لا سيما أن ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف 1949 تضفي الشرعية والقبول وتلزم المجتمع الدولي، ممثلًا في الأمم المتحدة ومختلف دول العالم مساندة هذا الحق ودعمه.
إن نموذج البطل الذي يبدو كجبل صامد / على شكل صورة نصفية لفدائي / أمام الحدود يمثل في الواقع حركة المقاومة الفلسطينية في أوج مراحل قوتها. كما أن طريقة الرسم السريع قد عززت من تعبيرية وديناميكية التكوين. وكذلك فإن حرية التفاعل مع الدلالات اللونية كالأصفر في الشمس التي ترمز للحرية، والأزرق الذي يملأ المساحة الخلفية للملصق يرمز بالتفاؤل والأمل.. وهذه الألوان زادت من قوة لغة الملصق عند الفنان وقربت المضمون من فهم المشاهد.
كان النص المصاحب للملصق يلعب دورًا مهمًا في نتاجات "غسان كنفاني" ويتحد بشكل عضوي مع الرسم، ويؤثر على بنية الملصق الفنية، ويقرب الفكرة من المشاهد، وقد أدرك الفنان "غسان" في هذه المرحلة أهمية دور النص والشعار السياسي في حمل مضمون الملصق وهذا قاده إلى تنوع البناء الفني فيه. وإن دراسة أهم الشعارات التي تضمنتها ملصقات "غسان" في السبعينيات يوضح هذا التنوع .
ومن الصياغات الناجحة والفاعلة التي صممها "غسان" ملصق "ادعموا صمود غزة"، ويتميز هذا الملصق بطابع البساطة في التصميم، وفي الوضوح في الرسم وفي طرح الفكرة، ويعكس شعاره الذي يدعو إلى الدعم مرحلة صعود الثورة التي تطلبت جهود الجميع في النضال الوطني وتحمل مسؤولياته. والملصق يتضمن أربعة رموز واضحة "خارطة فلسطين، قطاع غزة، مقاتل، شمس" وإذا استثنينا الشجرة سنلاحظ أن الفنان استخدم ألوان العلم الفلسطيني.
عبّر "غسان" من خلال هذا الملصق عن النهوض الثوري الكبير الذي كان قائمًا في قطاع غزة في تلك الأيام، بصورة مقاتل ينتصب إلى جانب الشجرة ويرفع بندقيته إلى الأعلى نحو قرص الشمس، رمز الحرية الآتية والتي تحتل أعلى الملصق. وقد جاء توزيع الألوان الناجح بين الفواتح والغوامق، عوامل تسهل من عملية قراءة الملصق بسرعة.
وعلى الرغم من استخدام عناصر رمزية مرسومة تبسط وتسهل استيعاب المضمون وتركزه، يبقى في مثل هذه الملصقات الدور الأساسي للنص وإلى شكل كتابته، سواء كان هذا عن طريق المفارقة بين مضمون العناصر أو التكامل بينها. من الأمثلة المميزة لذلك ملصق "الدمار لأعداء الشعوب" حيث جاءت كتابة النص باللون الأحمر بشكل عامودي، إلى جانب هيكل عظمي وجمجمة تكشف عن نظرة وحش مفترس، ويبدو على ملامح الجمجمة تعبير آخر مخيف يظهر فكين يكشفان عن أسنان حيوانية حادة. هذا الهيكل العظمي يمثل الإمبريالية الأمريكية التي ترمز إلى الشر، ويظهر هذا الهيكل العظمي على خلفية قاتمة، وهو يعتمر خوذة حرب، ويحمل هراوة بيده. وعلى كتفيه نياشين من الدم، وعلى صدره نياشين أخرى تمثل أعلام بعض الدول الأوروبية وعلم الكيان الصهيوني. والفنان رمز في هذا الملصق إلى أمريكا بالدولة التي تمارس العدوان وتضطهد وتستعمر الشعوب - كما يظهر الفنان من خلال هذا الملصق البسيط في رموزه وألوانه وجه أمريكا القبيح وهي تمارس وحشيتها وهيمنتها على شعوب المنطقة من خلال هراوة تضمنت رمز النجمة السداسية، وهذه الهراوة تمثل الكيان الصهيوني شرطي أمريكا وهراوتها التي تستخدمها في قمع وتهديد أمن شعوب المنطقة ا.
والمتأمل لخطوط "غسان"، يدرك مدى بلاغة تعبيره عن أحوال عالمنا بما فيه من معاناة.. وتسلط.. وديكتاتورية وحروب وضياع وديمقراطية مزعومة.. وإنسانية معذبة.. لقد استوعب هذا الفنان البارع وأضاف إليها رأيه الحر الجريء.. لينساب من خلال خطوطه الساحرة لإيقاظ المشاعر وتنمية الفكر وتغذية الوجدان الإنساني وشحنه بشحنات قوية من الشجاعة وإبداء الرأي من أجل غد أفضل للإنسانية لمواجهة الظلم والقهر والعدوان..
وقبل أن أختم أرى أنه لا بد من الإشارة إلى أن عطاء "غسان" الإبداعي الغزير وحالة عدم الاستقرار التي كان يعيشها لم تحل دون إبداعاته الغزيرة التي سوف تجعله – أبدًا – حياةً متجددةً تلهم الأجيال وتضيء أمامهم معنى الحياة.. لا سيما أنه كان متمكنًا من أدواته التعبيرية واشتغالاته الثقافية العديدة كانت وراء هذا التنوع الهام في أعماله الفنية من الرسم والتصوير والملصق وتصميم الأغلفة والإخراج الصحفي، وكانت قناعته الراسخة بأن فنه موجه للجماهير الفلسطينية والعربية. وتشارك الناس في حياتهم اليومية لقناعته بأن اللغة الفنية هي الأرقى والأوسع انتشارًا في العالم والمعبر الأصدق عن خصوصية أي شعب أو حضارته وتقدمه.
وها قد مرت السنين الطوال على استشهاده، وما زال التراب يغطي تراثه الفني، كما تتضاءل أحلام المحبين لإبداعاته والمخلصين لنهضة الحركة التشكيلية في إقامة متحف يضم هذا التراث، فهل من يد مخلصة غيور على هذا التراث تمتد إليه وتمسح عنه غبار النسيان وتساعد على إقامة متحف غسان كنفاني؟!
الهوامش:
1 ــــ التشكيل الفلسطيني المعاصر، ج 1 ، محمد خير محظية، المركز العربي للكمبيوتر، ط 1،1997 ، ص 169.
2 ــــ المصدر السابق، ص171.
3 ــــ نفس المصدر السابق.
4 ــــ مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث في م. ت. ف، العدد 107 ، تشرين الأول / أكتوبر 1980 ، ص 120 .
5 ـــ مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث في م. ت. ف، العدد 107 ، تشرين الأول / أكتوبر 1980 ، ص 120 .
6 ــــ شاكر النابلسي: أكله الذئب – السيرة الفنية للرسام ناجي العلي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ط1 – 1999 م – ص 14 – 15 .
المراجع:
ــــ موقع رمان الالكتروني، غسان كنفاني عن الرسم والتصميم، بقلم أوس يعقوب 15 / 11 / 2016 .
ــــ موقع منتديات مجلة أقلام الثقافية، كلمة الشهيد أبي علي مصطفى في ذكرى استشهاد غسان كنفاني التاسع والعشرين.
ــــ د. محسن عطية، طليعة التجديد.. في الفن المصري الحديث، سلسلة ذاكرة الفنون، العدد (15) ط 1 ، 2016 .
ــــ د. شفيق رضوان، الملصق الفلسطيني، مشاكل النشأة والتطور، دائرة الثقافة، م. ت. ف. ط 1 ، 1992 .
ــــ مجلة المحيط الثقافي، العدد 44 ، يونيه 2005.
ــــ عز الدين نجيب، فنانون وشهداء وأنشودة الحجر، الهيئة المصرية للكتاب، ط 2، 2019 .

