Menu

القوة الناعمة الأمريكية الصهيونية في الشرق الأوسط: حرب شرسة بلا قنابل

علي زيدان

نشر في مجلة الهدف العدد (86) (1560)

حققت السياسة الأمريكية هيمنة واسعة في منطقة الشرق الأوسط عموماً وفي البلاد العربية بشكل خاص من خلال العمل على عدة جبهات عسكرية وديبلوماسية واقتصادية وغير ذلك. ولعل ما يجري اليوم في غزة ولبنان هو أبرز دليل على تَغَوّل تلك السياسات. وفي هذا الإطار لا توجد فوارق تذكر بين الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، فهما وجهان لعملة واحدة، وتحالف لا ينفصم. هذا لا يعني أنه لا توجد تباينات بينهما، غير أن تلك التباينات هي في الواقع داخلية لا تؤثر على عمق التحالفات بين النظام الإمبريالي وأدواته في المنطقة. هذا التحالف، يقوم بعمل عسكري قمعي إرهابي من أجل فرض هيمنته وتحقيق مصالحه الاستراتيجية، وذلك من خلال ممارسة حرب الإبادة والتدمير الشامل، كما هو الحال في فلسطين وقطاع غزة بالتحديد، ولبنان، وكما جرى في العراق، وافغانستان، وإيران، وبلدان مختلفة حول العالم. من ناحية أخرى يقوم هذا التحالف باستخدام أدوات أخرى مكملة للعدوان ومتوازية معه بنفس القوة، ولتحقيق ذات الأهداف، إنما الأدوات القتالية تتصف بالنعومة ولا تحتوي على رصاص أو قنابل خارقة للتحصينات. هذه الأدوات تستهدف المجتمع والثقافة والتربية والتقاليد والعادات والتراث، وتأتي من خلال البرامج الممولة من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، والتي جرى تطويرها من قبل أجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية. وفي هذا السياق، يُمكن تعريف القوة الناعمة بأنها القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام، وأيضا القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة دون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للقوة العسكرية ووسائلها. ويضيف البروفيسور الأمريكي جوزيف ناي (وقد شغل أيضاً وظيفة مساعد لوزير الدفاع الأمريكي) في كتابه المعروف عن القوة الناعمة (Soft Power) أن هذا المصطلح عبارة عن سلاح فعال ومؤثر يهدف إلى تحقيق أهداف الدولة عبر الجاذبية والإقناع، لا الإكراه العسكري أو الاقتصادي المباشر، مثل التعليم، والإعلام، والثقافة الشعبية، والمنظمات غير الحكومية، وبرامج المنح والتبادل، والدبلوماسية العامة.

لقد استخدمت الإدارة الأمريكية هذه سياسة القوة الناعمة بفعالية خلال فترة الحرب الباردة، شملت بث الدعايات والإعلانات الموجهة عن بعض أنواع الأطعمة السريعة والألبسة وعلامات تجارية محددة نحو مجتمعات الاتحاد السوفياتي السابق، ودول أوروبا الشرقية في ذلك الوقت. وموّلت أيضاً الأفلام السينمائية عبر استديوهات هوليود مثل فيلم مزرعة الحيوان عن رواية الكاتب الإنكليزي جورج أورويل، وفيلم دكتور جيفاكو عن رواية الكاتب الروسي بوريس باسترناك، بالإضافة إلى الحفلات الموسيقية، ومعارض الفن التشكيلي، وغير ذلك من البرامج التي تتغنى بمفاهيم الحرية والديمقراطية والليبرالية، ضد مفاهيم الجمود العقائدي والانغلاق المجتمعي. لقد تركت تلك البرامج أثرها الفعال في المجتمعات المستهدفة. وغني عن القول إن تلك البرامج الموجهة، إنما تأتي بشكل تلقائي من خلال مؤسسات الدعم والتعاون تحت عناوين مد الجسور التنموية أو الثقافية المشتركة، أو غير ذلك من العبارات والشعارات الإنسانية. إذن القوة الناعمة هي وسيلة مهمة لتغيير الموازين في الساحة السياسية الدولية.

في الشرق الأوسط، تقدم الولايات المتحدة دعماً مطلقاً للكيان الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، حيث يقومان بمحاولات حثيثة لتغيير منطقة الشرق الأوسط وفرض الهيمنة الكاملة عليها، ووضع اليد على الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة. وفي هذا الإطار يجري العمل على مسارات مختلفة ومتوازية تستهدف العقول والمناهج التربوية، والخطاب الإعلامي، بحيث تُكمل ما لم تحققه القوة العسكرية على الأرض. حالياً، تعتبر القوة العسكرية حاضرة بكثافة في المنطقة، من خلال حرب الإبادة في غزة، والحرب المستمرة في الضفة الغربية، والحرب في لبنان، والحرب على إيران. لقد استخدم التحالف الأمريكي الصهيوني القوة العسكرية المفرطة في محاولة فرض السيطرة الكاملة على المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تم استخدام أدوات القوة الناعمة بشكل مكثف في المنطقة العربية عموماً، وفي لبنان وفلسطين بشكل خاص منذ أمدٍ بعيد. وتجدر الإشارة إلى أن بعض أبرز الأدوات التي جرى استخدامها، تشمل العمل الدبلوماسي، والترويج للمفاوضات كطريق سريع وآمن لتحقيق السلام بين القوى المتحاربة. في لبنان، على سبيل المثال، قامت الإدارة الأمريكية بالترويج لاتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني باعتباره خطوة مهمة نحو الاستقرار واستعادة الدولة، بينما يستمر الكيان الصهيوني في احتلال الأراضي وتدمير المنشآت المدنية والمنازل وسياسة الاغتيالات، دون تقديم التزامات مؤكدة. وعلى الجانب الفلسطيني، تتجلى القوة الناعمة من خلال الحديث عن اليوم التالي في غزة، والترويج لمجلس السلام العالمي والترتيبات لتقديم حلول إنسانية وتنموية تضمن الازدهار الاقتصادي بديلاً عن الحلول السياسية التي تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. بينما ما زالت قوات الاحتلال تمارس حرب الإبادة على مرأى ومسمع الدول الضامنة.

أيضاً، تشمل أدوات القوة الناعمة في المنطقة، التركيز على مد جسور التعاون في مجالات التعليم، والإعلام والبرامج الثقافية، والمساعدات التنموية، والمنظمات غير الحكومية. لقد استندت الإدارة الأمريكية إلى شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والجامعات المرتبطة بها، والتي انتشرت في المنطقة العربية مثل الجامعات الأمريكية في بيروت وفي القاهرة، وفي دول الخليج ومعظم الدول العربية، وذلك من أجل بناء نخب عربية متأثرة بالثقافة والسياسة الأمريكية، ومساعدتها للوصول إلى مواقع السلطة وصنع القرار في بلدانها. وقد تم تعزيز تلك الشبكة ببرامج المنح الدراسية والتبادل الأكاديمي. وفي مجال الإعلام، أنشأت الولايات المتحدة إذاعة سوا وقناة الحرة بعد عام 2001 لمخاطبة الجمهور العربي مباشرة. وشجعت البرامج الإذاعية والتلفزيونية، لتوجيه الرأي العام العربي نحو قضايا ومواقف مدروسة، ومدعومة من المؤسسات الأمريكية المختصة، وتهدف إلى صياغة سرديات مخالفة للقضايا العربية الوطنية المُجمَع عليها. وقد كتب الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان بصحيفة نيويورك تايمز عام 2003 عن أهمية برامج تلفزيون الواقع الغنائية مثل سوبر ستار ودورها في تغيير الثقافة العربية نحو الانفتاح والممارسة الديمقراطية.

من ناحية أخرى، دعمت الإدارة الأمريكية بواسطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، قبل دمجها ضمن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2025، إنشاء المنظمات غير الحكومية (NGOs) وقامت بتمويل البرامج المختلفة البعيدة عن ثقافة المجتمع وحاجاته الضرورية، مما زاد في نفوذ هذه المنظمات في المجتمعات العربية، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي كثير من الأحيان أصبحت هذه الجمعيات أدوات لتنفيذ طلبات الجهات المانحة، والترويج لمشاريع تنموية محدودة، وتعليمية وإعلامية، تدعو إلى نبذ العنف والإرهاب، وتتماشى مع متطلبات السياسة الأمريكية في المنطقة. وفي السنوات الأخيرة تعاظم نفوذ هذه المنظمات وأصبح لها دور مريب على حساب الأحزاب الوطنية والفصائل والمنظمات الفلسطينية التي تعرضت بالمقابل لحصار مالي منعها من دعم عناصرها أو تمويل برامجها التوعوية. وينبغي القول إن هذه البرامج الموجهة يتم صياغتها بذكاء حتى تصبح جذابة للناس وقادرة على تحقيق النتائج المرجوة في تفكك المجتمع والتخلي عن نهج المقاومة ضد الاحتلال. ولعل ما يحدث في مصر والأردن ولبنان والضفة الغربية دليل واضح على نفوذ هذه المنظمات ودورها المرتبط ببرامج التمويل الخارجية.

ويمكن القول إن أبرز عناوين القوة الناعمة والأمثلة العملية على ذلك هو المساعي القوية لتعديل المناهج الدراسية في الدول العربية والسلطة الفلسطينية، والتي شملت تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني أيضاً مقابل وعود وهمية لم تتحقق. ويعتبر تغيير محتوى البرامج الدراسية، من الأدوات الرئيسة للقوة الناعمة، ومن الخطوات التمهيدية لعقد اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني. وهذا العمل يهدف إلى حذف الإشارات السلبية تجاه اليهود أو الكيان الصهيوني من المناهج التعليمية عموماً، والتربية الدينية خصوصاً، استناداً إلى فكرة أن الجميع يشتركون في تعاليم الديانة الإبراهيمية. كما يعتقد المُروّجون لهذه السياسات أن هذا التوجه يؤدي إلى تخفيف حدة التوتر بين الأجيال المقبلة، ومنع ظاهرة العنف التي تستند إلى الخطاب الديني. بينما في الحقيقة هو محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، ودفع الناس للتخلي، على المدى الطويل، عن حقوقهم الوطنية وثقافتهم، ومن ثم طمس رواية الصراع من منظور فلسطيني وعربي عبر التعليم. وتجدر الإشارة، إلى وجود العديد من البرامج الرائجة في المنطقة، المدعومة من الإدارة الأمريكية وحلفائها، تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الدول العربية والكيان الصهيوني. خصوصاً في مجالات التعاون الديبلوماسي، وفض النزاعات والترويج للمفاوضات بديلاً عن الحرب والتدمير، وبرامج التعاون الاقتصادي. وفي هذا السياق يجري الترويج للكيان الصهيوني باعتباره بوابة الرخاء والازدهار وواحة للديمقراطية المفقودة في محيطه، كما أنه المدخل لتلقي الدعم والمساعدة من الإدارة الأمريكية.

يقول جوزف ناي في كتابه القوة الناعمة، إن العلاقات الدولية المشحونة قبل الحرب على العراق عام 2003 وأثنائها وبعدها كلفت الولايات المتحدة ضريبة باهظة على مستوى القوة الناعمة وخسارتها للجاذبية على الرغم من أنها حققت انتصارات في مجال القوة العسكرية. ويؤكد ناي أن لا غنى عن القوة العسكرية ودورها إلا أن عدم إعطاء الأهمية اللائقة بمكانة القوة الناعمة يعد خطأً استراتيجياً، لأن التحديات والمشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة لا يمكن مواجهتها بالقوة العسكرية وحدها. وأن القوة الذكية هي عبارة عن دمج القوة العسكرية مع القوة الناعمة. وتجدر الإشارة إلى أن حرب الإبادة في غزة قلبت، أيضاً، كثيراً من المفاهيم والدعايات السائدة التي كانت تروج لها الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني. وكانت ردود الفعل ضد هذا السلوك الإجرامي قوية خصوصاً بين جيل الشباب في الجامعات، وما زال هذا التحالف يفقد الكثير من مؤيديه في الداخل والخارج مع استمرار الحرب الفاشية في غزة ولبنان وإيران..

عموماً، فإن مفهوم القوة الناعمة في الشرق الأوسط التي تقودها الإدارة الأمريكية وحليفها الكيان الصهيوني، اليوم لا ينفصل عملياً عن مسارات القوة العسكرية. وفي الحقيقة فهي مسارات متشابكة تهدف إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية لذلك التحالف في المنطقة. ويتبين بوضوح مما يجري في المنطقة العربية مؤخراً، أن هذه المسارات المتشابكة تشمل اتفاقيات أمنية، وحروباً، ومفاوضات دبلوماسية، وعقوبات اقتصادية. هذه المسارات يمكن تسميتها أحياناً بسياسة العصا والجزرة، ويمكن وصفها بأنها أدوات الهيمنة الناعمة، التي تمهّد الطريق لتغييرات سياسية وأمنية عميقة، وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. هذه السياسات أو المسارات تستهدف بالنهاية تصفية القضية الفلسطينية بهدوء والقضاء على المقاومة الوطنية في لبنان من خلال المفاوضات الديبلوماسية، وتغيير المناهج الدراسية، والإعلام، وبرامج التمويل.