في غزة طال الدمار ذاكرة المدينة وسكانها؛ كتبًا ومخطوطات ومراجع علمية ورسائل جامعية وإصدارات صحفية ووثائق حفظت حكايات الأحياء والعائلات عبر أجيال، فيما شكلت المكتبات على مدى عقود مساحات للمعرفة والبحث والتعليم، ما يجعل تدميرها خسارة لمقتنيات وذاكرة ثقافية ومعرفية راكمتها غزة عبر عقود.
تدمير 164 موقعًا ثقافيًا
ووثقت منظمة "اليونسكو"، حتى 24 آذار/مارس 2026، تضرر 164 موقعًا ثقافيًا في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينها مبانٍ تاريخية ومواقع دينية ومتاحف وأثرية ومستودعات للممتلكات الثقافية.
وعلى مستوى المكتبات والأرشيفات، وثقت شبكة أمناء المكتبات والأرشيفيين مع فلسطين تضرر أو تدمير مكتبات عدة، بينها مكتبة غزة البلدية، وديانا تماري الصباغ، وإدوارد سعيد، والجامعة الإسلامية، وسمير منصور، فيما أشارت توثيقات لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى تضرر أو تدمير 11 مكتبة على الأقل، إلى جانب جامعات ودور نشر ومراكز ثقافية.

تاريخ من نهب الكتب والأرشيفات
ولا تبدو خسارة مكتبات غزة منفصلة عن تاريخ أطول لاستهداف الذاكرة الفلسطينية، ففي عام 1948، جُمعت نحو 30 ألف كتاب وصحيفة ومخطوطة من مكتبات فلسطينية خاصة في القدس المحتلة ونُقلت إلى المكتبة الوطنية، وفق دراسة منشورة في "مجلة الدراسات الفلسطينية"، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن حجم ما نُهب خلال النكبة كان أكبر من ذلك.
وفي عام 1982، خلال الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان، استولت قوات الاحتلال على أكثر من 20 ألف كتاب ووثائق من مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، قبل استعادة أرشيفه عام 1983 ونقله إلى الجزائر.
المكتبات العامة والجامعية تحت الأنقاض
وفي قلب غزة، تأسست المكتبة العامة التابعة للبلدية عام 1999 بدعم من البنك الدولي، وضمت نحو 10 آلاف كتاب بالعربية والإنجليزية والفرنسية، قبل أن تُدمّر خلال الحرب المستمرة، بما في ذلك كتب ووثائق فلسطينية قديمة وإصدارات صحفية تعود إلى ما قبل النكبة.
وامتد الدمار إلى المكتبات الجامعية؛ إذ دُمّرت المكتبة المركزية للجامعة الإسلامية، وكانت تضم أكثر من 240 ألف كتاب ودورية ومؤلف علمي ومواد بحثية، كما تضررت مكتبة جواهر لال نهرو في جامعة الأزهر، التي ضمت نحو 70 ألف كتاب، إلى جانب آلاف المراجع والرسائل والأطروحات والأبحاث والدوريات والمواد الأكاديمية.
أما مكتبة إدوارد سعيد العامة في شمال القطاع، فبدأت فكرتها لدى الشاعر والكاتب مصعب أبو توهة عام 2016، بعدما شاهد آلاف الكتب مدفونة تحت ركام الجامعة الإسلامية عقب قصفها عام 2014، وبمساعدة كتّاب ومثقفين من أنحاء العالم، افتتح أول فروعها في بيت لاهيا صيف 2017، لتصبح أول مكتبة عامة باللغة الإنجليزية في غزة.
لكن المفارقة أنّ المكتبة التي وُلدت من ركام الكتب، تعرض فرعها في بيت لاهيا للدمار خلال الحرب، فيما تمكن أحد العاملين من إنقاذ ما أمكن من محتوياتها، وفق حديث أبو توهة لـ "بوابة الهدف".

ولا تختلف حكاية مكتبة سمير منصور عن غيرها؛ فقد دمرتها غارة "إسرائيلية" عام 2021، قبل أن تعود إلى العمل في 2022 بعد حملة تضامن جمعت نحو 250 ألف دولار و150 ألف كتاب، ومع الحرب، تعرضت لأضرار جديدة، لكن منصور واصل نشر الكتب وتوزيعها، متشبثًا بحضور الكتاب في غزة، وفق حديثه لـ"بوابة الهدف".
وبالنسبة إلى منصور، لا تكمن الخسارة الأكبر في رفوف يمكن إعادة بنائها، بل في المخطوطات النادرة والصحف القديمة وسجلات الملكية والخرائط التي تحفظ تفاصيل حياة الفلسطينيين وتاريخهم وحقوقهم، ويصعب تعويضها إذا فُقدت.
إنقاذ ما تبقى من الذاكرة
ومن بين ما نجا من ركام الحرب، ظهرت مكتبة "العنقاء" كمحاولة لإنقاذ الكتب وإعادة جمعها، وأسسها عمر حمد بمساعدة صديقه إبراهيم المصري، بعد أن عملا على إنقاذ كتب من مكتبات وبيوت دمرتها الحرب، ليجمعا نحو 6 آلاف كتاب، بينها كتب انتُشلت من تحت الأنقاض.
ورافقت هذه المجموعة حمد خلال 13 رحلة نزوح، قبل أن تستقر في المكتبة التي افتتحت في شارع عمر المختار في نيسان/أبريل 2026.
ويقول حمد لـ "بوابة الهدف" إن الكتب لم تكن مجرد مقتنيات، بل جزءًا من شخصيته وكيانه، فيما جاء اسم "العنقاء" رمزًا لمحاولة النهوض بالقراءة والثقافة من بين الركام.
وعلى الجانب الآخر من معركة الذاكرة، تعمل مؤسسة "عيون على التراث" على إنقاذ المخطوطات والكتب النادرة والوثائق التاريخية في غزة، وتقود حنين العمصي، المديرة التنفيذية للمؤسسة، جهود جمعها وترميمها وأرشفتها.
وتوضح العمصي في حديثها مع "بوابة الهدف" أن المؤسسة تعمل على حماية هذا الإرث الذي يضم مخطوطات ووثائق وصورًا وسجلات تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، مؤكدة أن إنقاذها يعني الحفاظ على جزء من ذاكرة غزة وتاريخها، فيما تواجه المقتنيات خطر الرطوبة والتلف ونقص إمكانات الترميم.
وخلال الحرب، امتدت جهود المؤسسة إلى إنقاذ مقتنيات مكتبة الجامع العمري، التي تضم مخطوطات وكتبًا يعود أقدمها إلى نحو 700 عام، بعدما تعرضت للتلف بفعل القصف والرطوبة، وفق العمصي.

الرقمنة.. ملاذ أخير لذاكرة مهددة بالضياع
ومع إعادة تشكيل المكان بفعل الحرب والدمار والنزوح، تصبح حماية هذه الوثائق جزءًا من حماية الحقوق والذاكرة؛ فسجل ملكية أو خريطة قديمة قد يشكلان دليلًا على الحقوق والتاريخ، بينما يعني فقدانهما ضياع جزء من ذاكرة المدينة وتاريخ أحيائها ومعاملاتها وحياة سكانها.
وفي محاولة لحماية الذاكرة من الضياع، بدأ المتحف الفلسطيني عام 2018 مشروع أرشيفه الرقمي، الذي يضم اليوم أكثر من 500 ألف مادة مرقمنة، بينها صور ووثائق وسجلات وتسجيلات صوتية وأفلام، جُمعت من أفراد ومؤسسات فلسطينية في الوطن والشتات.
ومن هنا برزت جهود فلسطينية لإنقاذ المخطوطات والوثائق التاريخية في غزة ورقمنتها، في محاولة لحماية مواد مهددة بالضياع، بينها مخطوطات تعود إلى العصرين المملوكي والعثماني، بالتوازي مع تطوير إجراءات للترميم والحفظ الطارئ.
ووفقًا لبيانات جائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم، تمكن الباحث عبد اللطيف أبو هاشم والمرممة حنين العماسي من حفظ ورقمنة أكثر من 258 مخطوطة في غزة، تضم نحو 25 ألف صفحة من المواد التاريخية.
وخلال العام الجاري، كرّمت اليونسكو أبو هاشم والعماسي تقديرًا لجهودهما في حماية التراث الوثائقي، في اعتراف دولي بمساعي إنقاذ جانب من الذاكرة المكتوبة لغزة.
ويكتسب هذا الملف بُعدًا قانونيًا مع تدمير الأرشيف المركزي لمدينة غزة، الذي ضم نحو 110 آلاف وثيقة، بينها خرائط وعقود وسجلات ملكية وصور ووثائق تاريخية يعود بعضها إلى أكثر من 150 عامًا، وفقًا لتقرير "بن أمريكا" حول الدمار الثقافي في غزة.

كارثة ثقافية تتجاوز الكتب
في هذا السياق، يقول المؤرخ الفلسطيني حسام أبو النصر إن نحو 80% من مكتبات قطاع غزة تعرضت للدمار خلال الحرب، بينها مكتبات الجامعات، إلى جانب مكتبات عامة، أبرزها مكتبة بلدية غزة التي دُمّرت بالكامل، ومكتبة القطان، والعمري، والعباس، ومكتبة مركز التخطيط التي كانت تضم نحو 60 ألف كتاب، بينها خرائط ووثائق مهمة.
ويشير أبو النصر لـ "بوابة الهدف" إلى تدمير مكتبات أخرى، منها مكتبة عبد الله حوراني، ومكتبات بلديات دير البلح وخانيونس ورفح، ومكتبة هاني الحسن في النصيرات، معتبرًا أن استهدافها يمثل محاولة لتجريد الفلسطينيين من ذاكرتهم وثقافتهم، وحرمان الأجيال المقبلة من مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات والأرشيفات في مجالات مختلفة.
ويرى أبو النصر أنّ حجم الدمار الحالي في المكتبات يمثل أزمة خطيرة تفوق، من وجهة نظره، ما حدث خلال اجتياح التتار لبغداد وإحراق مكتباتها، محذرًا من أنّ تدمير هذا الإرث سيؤثر في قدرة الأجيال المقبلة على الوصول إلى تاريخها ومعارفها في مجالات التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والطب وعلم النفس.
ويلفت إلى أنّ الاحتلال يهدف من خلال هذه العمليات إلى تجهيل الشعب الفلسطيني وإعادته إلى "العصر الحجري"، رغم أن التكنولوجيا اليوم توفر وسائل يمكن أن تساعد في إعادة بناء المكتبات، إذا توفرت الإرادة والعزيمة، من خلال الاستفادة من المكتبات العربية في جمع الكتب ونسخها.
ورغم حجم الخسارة، يظل أبو النصر متفائلًا بإمكانية إعادة بناء المكتبات الفلسطينية، مشيرًا إلى أنّ مكتبته الخاصة، التي تضم نحو 20 ألف كتاب، إلى جانب مكتبات عدد من المثقفين في قطاع غزة، يمكن أن تسهم في استعادة جزء من هذا الإرث الثقافي وإعادة بناء المكتبات من جديد.

