الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن صراحة أن الحرب مع إيران ستنتهي "مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر"، زاعمًا أن طهران لم تعد قادرة على الصمود، وأن أسعار النفط ستنهار بعد الانتخابات. هذه التصريحات ليست دليلًا على قوة أمريكية، بل هي اعتراف ضمني بالفشل، فالرجل الذي وعد بـ"ضغط أقصى" على إيران يجد نفسه الآن يطلب من الأمريكيين الانتظار فقط حتى تمر الانتخابات، وكأن الحرب مشروع انتخابي لا استراتيجية دولة عظمى. في الوقت نفسه، وصلت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى سبع سفن فقط يوم الخميس، بعد أن كانت نحو 125 سفينة قبل الحرب في فبراير 2026. هذا التراجع الكارثي يعني أن إيران، رغم كل الحملة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، لا تزال قادرة على شلّ أهم ممر للنفط في العالم، وهذا وحده كافٍ لإسقاط رواية "إخضاع إيران" التي يروّج لها ترامب.
وفيما يستمرّ ترامب في التحدّث عن انتصار قادم، تستكمل "أنصار الله" خطتها على الأرض. خلال الأيام العشرة الماضية، سيطرت الجماعة على مدينة وميناء المخا الاستراتيجي على البحر الأحمر، بعد انسحاب قوات الحكومة اليمنية الموالية للسعودية بقيادة طارق صالح جنوبًا تجاه ذو باب. وليست المخا مجرد مدينة ساحلية عادية، فهي تقع على بعد 6 كيلومترات فقط من خطوط الملاحة الدولية ونحو 75 كيلومترًا من مضيق باب المندب. السيطرة عليها تعني أن "أنصار الله" باتت تمتلك "عيونًا وآذانًا وضغطًا" لمراقبة التجارة الدولية في أحد أهم ممرات العالم. والأهم من ذلك، أن الجماعة سيطرت أيضًا على أرخبيل حنيش، بما في ذلك جزيرة زقر الكبرى وجزيرتا حنيش الكبرى والصغرى. هذه الجزر تمنح "أنصار الله" منصات متقدمة لا تقتصر على المراقبة، بل تتيح لها نشر صواريخ وطائرات مسيرة على مسافة أقرب بكثير من خطوط الملاحة.
الميزة الجغرافية القاتلة هنا هي ضيق مضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 20 كيلومترًا في أضيق نقطة، مقارنة بحوالي 50 كيلومترًا لمضيق هرمز. هذا الضيق يعني أن "أنصار الله" قد لا تحتاج حتى إلى الصواريخ والطائرات المسيرة؛ إذ تكفي المدفعية لإغلاق المضيق أو تهديد أي سفينة تحاول عبوره. وهكذا انتقل التهديد من "هجمات متقطعة" إلى "خنق استراتيجي دائم". الجماعة التي كانت تطلق صواريخ من أعماق الجبال أصبحت الآن على المرتفعات المطلة مباشرة على المياه، وهذا تغيير جذري في طبيعة المعركة.
هذا التطور لا يضرب السعودية فقط، بل يضرب الاقتصاد العالمي. قبل الحرب، كان نحو 12 في المئة من شحنات النفط العالمية تمر عبر باب المندب. وبعد إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، تحوّل باب المندب إلى الممر البديل الحيوي لصادرات النفط السعودية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر. في الفترة بين مارس ويوليو، قفزت شحنات النفط السعودية من ينبع إلى نحو 3.8 مليون برميل يوميًّا، أي خمسة أضعاف مستواها قبل الحرب. لكن بعد استئناف "أنصار الله" هجماتها على السفن السعودية في يوليو، انهارت هذه الشحنات إلى 1.5 مليون برميل يوميًّا في أغسطس. وبينما تراجعت شحنات النفط عبر باب المندب إلى نحو 26 سفينة يوم الخميس، فإن الخطر الأكبر ليس الإغلاق الكامل، بل "عدم اليقين المستمر" الذي يرفع تكاليف التأمين ويجبر الشركات على تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أين ترامب من كل هذا؟ الإجابة ببساطة: يرفض فتح جبهة جديدة. وفقًا لتقارير، طلبت السعودية من واشنطن شن ضربات أمريكية مباشرة ضد "أنصار الله"، لكن ترامب رفض، مكتفيًا بإرسال معلومات استخبارية وقوات محدودة في أدوار غير قتالية. هذا الرفض ليس حكمة استراتيجية، بل انكشاف. فبعد سبعة أشهر من الحرب مع إيران، ووصول مضيق هرمز إلى شبه إغلاق كامل، أصبح ترامب عاجزًا عن فتح جبهة ثانية في اليمن. وحليفته السعودية، التي أعلنت سابقًا قدرتها على إدارة الملف اليمني بمفردها، وجدت نفسها مضطرة للعودة لطلب الدعم الأمريكي، لكنها اصطدمت بجدار الرفض.
وهناك بُعد آخر قد لا يلتفت إليه كثيرون: "أنصار الله" لا تقاتل فقط بالوكالة عن إيران، بل تخوض حربها الخاصة أيضًا. صحيح أن طهران قدمت أسلحة وتدريبًا ودعمًا استخباريًّا منذ سنوات، لكن الجماعة لديها أجندتها وقاعدتها الشعبية ومصالحها المحلية. لكن في النهاية، النتيجة واحدة: إيران تحصل على ورقة ضغط استراتيجية في مضيقين حيويين في الوقت نفسه، دون أن تضطرّ إلى نشر قواتها البحرية في باب المندب. سفير اليمن لدى قطر وصف العلاقة بين إيران و"أنصار الله" بأنها لم تعد سرًّا، وأن طهران تضاعف دعمها للجماعة باعتبارها "الرافعة المتبقية" لها . وبالفعل، القبضة الإيرانية على مضيق هرمز وباب المندب معًا وصفها المسؤول اليمني بأنها "أقوى من أي ترسانة نووية".
ترامب يريد من الأمريكيين أن ينتظروا حتى نوفمبر، لكن العالم لا ينتظر. أسعار النفط تجاوزت 104 دولارات لخام برنت. والبحر الأحمر، الذي كان يعبره أكثر من 26 ألف سفينة في 2023، انخفض إلى نحو 14 ألف سفينة في 2025، ولا يزال أقل من نصف مستواه الطبيعي. وفي الوقت الذي يقول فيه ترامب إن إيران "لا تستطيع الصمود"، تثبت إيران العكس تمامًا: لا تحتاج إلى صمود عسكري تقليدي حين تمتلك أدوات خنق اقتصادي فعالة. والمفارقة الأكبر أن ترامب، الذي رفض فتح جبهة جديدة ضد "أنصار الله"، ترك الحبل على الغارب لجماعة غير دولة لأن تفعل ما عجزت عنه أمريكا بكل قوتها: أن تضع يدها على عنق التجارة العالمية في مضيقين في آن واحد.

