Menu

بريطانيا تقول كفى للاحتلال… و"نتنياهو" يفقد أعصابه!

عمر فارس

بوابة الهدف

ما يحدث اليوم بين بريطانيا و"إسرائيل" لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل أصبح يكشف بوضوح حجم الأزمة التي تعيشها حكومة نتنياهو عندما يبدأ العالم في التعامل مع الاحتلال والاستيطان باعتبارهما مشكلة يجب مواجهتها، وليس واقعًا يجب قبوله.

بريطانيا ومعها 11 دولة أوروبية وكندا اتخذت خطوات ضد منتجات المستوطنات "الإسرائيلية" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في رسالة واضحة بأن الأرض المحتلة ليست جزءًا من "إسرائيل" وأن الاستيطان لا يمكن أن يحصل على شرعية من خلال التجارة والاستثمار، لكن بدلًا من أن تسأل الحكومة "الإسرائيلية" نفسها لماذا وصل العالم إلى هذه المرحلة، خرج المسؤولون "الإسرائيليون" بالتهديد والهجوم والانتقام، بل وصل الأمر إلى إجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا.

والأكثر غرابة أن نتنياهو نفسه وصل إلى مستوى غير مسبوق من الخطاب عندما وصف بريطانيا بأنها «الجمهورية الإسلامية البريطانية»، في سخرية من توجهاتها السياسية، وربط بريطانيا بالدول الإسلامية وبامتلاكها السلاح النووي. تخيلوا المفارقة: رئيس حكومة "إسرائيل"، الذي يتحدث باستمرار عن خطر «الجمهورية الإسلامية» وخصوصًا إيران، يستخدم هذا الوصف ضد بريطانيا، إحدى أقرب حلفاء "إسرائيل" تاريخيًّا، فقط لأنها بدأت تنتقد الاحتلال والاستيطان وتتخذ إجراءات ضدهما. فهل أصبحت بريطانيا «إسلامية» لأنها قالت إن الاحتلال غير قانوني؟ هل أصبحت بريطانيا معادية "لإسرائيل" لأنها رفضت استيراد منتجات المستوطنات؟ وهل أصبحت الدول الأوروبية التي تطالب باحترام القانون الدولي أعداء لإسرائيل؟ أم أن المشكلة ببساطة أن حكومة نتنياهو لم تعد تحتمل أن يقول لها أحد: كفى؟ إذا كانت المستوطنات قانونية كما تدعي إسرائيل، فلماذا كل هذا الغضب عندما تمنع دول أوروبية التجارة معها؟ وإذا كان الاحتلال شرعيًّا، فلماذا تتحول كل محاولة لمساءلته إلى أزمة دبلوماسية؟ وإذا كانت "إسرائيل" واثقة من موقفها، فلماذا يكون الرد على الانتقاد بالتهديد والمنع والإجراءات الانتقامية؟ الحقيقة واضحة: القضية ليست صناديق التمر أو الحمضيات أو الأعشاب أو غيرها من منتجات المستوطنات. القضية هي الاعتراف بأن وراء هذه المنتجات أرضًا فلسطينية محتلة ومُصادَرَة، وأن وراء المستوطنة مشروعًا سياسيًّا يهدف إلى تثبيت الاحتلال وقطع الطريق أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة.

بريطانيا لم تعلن حربًا على الشعب "الإسرائيلي"، ولم تدعُ إلى معاقبة اليهود، ولم تستهدف المواطنين "الإسرائيليين"، إنما اتخذت إجراءات ضد منتجات المستوطنات وسياسات الاحتلال، وأكدت أن الاستيطان يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية وحل الدولتين. ومع ذلك، نجد نتنياهو وحكومته يتعاملون مع أي انتقاد وكأنه إعلان حرب. هذه ليست قوة، بل علامة ضعف سياسي وأخلاقي. الدولة الواثقة من موقفها تجيب بالحجة والقانون، لا بالغضب والتهديد والانتقام. إن "إسرائيل" اليوم تريد من العالم أن يقبل الاحتلال والاستيطان باعتبارهما أمرًا طبيعيًّا، ومن يرفض ذلك يصبح في نظرها معاديًا "لإسرائيل"أو معاديًا لليهود.

وهذه أخطر لعبة سياسية تمارسها حكومة نتنياهو، لأن انتقاد الاحتلال ليس معاداة للسامية، ورفض الاستيطان ليس معاداة لليهود، ومطالبة "إسرائيل" باحترام القانون الدولي ليست عداء للشعب "الإسرائيلي"، بل إن استخدام معاداة السامية سلاحًا لإسكات كل انتقاد سياسي يسيء قبل كل شيء إلى محاربة معاداة السامية الحقيقية.

واليوم يجب أن نقولها بصراحة: أوروبا لا تستطيع أن تتحدث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي في أوكرانيا أو أي مكان آخر، ثم تغض الطرف عندما يتعلق الأمر بفلسطين. لا يمكن أن تكون القوانين الدولية انتقائية، ولا يمكن أن يكون الاحتلال مقبولًا عندما يرتكبه حليف، ومرفوضًا عندما يرتكبه خصم. لذلك فإن خطوة بريطانيا والدول الأوروبية الأخرى يجب ألا تكون النهاية، بل البداية. المطلوب وقف التعامل الاقتصادي مع المستوطنات، ومحاسبة المستوطنين الذين يمارسون العنف ضد الفلسطينيين، وفرض العقوبات على الشركات التي تستفيد من الاحتلال، والضغط الحقيقي لوقف التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والتهجير. أما نتنياهو وسموتريتش وبن غفير فعليهم أن يدركوا أن العالم يتغير، وأن زمن الإفلات من المحاسبة ليس إلى الأبد. يستطيعون إغلاق قنصلية، ومنع سياسيين من الدخول، واتهام بريطانيا بأنها «جمهورية إسلامية»، لكنهم لن يستطيعوا إغلاق الحقيقة. يستطيعون بناء مستوطنة جديدة، لكنهم لن يستطيعوا بناء شرعية فوق أرض محتلة. يستطيعون تغيير الخرائط بالقوة، لكنهم لن يستطيعوا محو الشعب الفلسطيني من التاريخ.

والأهم أن ردود الفعل "الإسرائيلية" الغاضبة لا تخيفنا، بل تؤكد أن الضغط بدأ يصل إلى المكان الذي يؤلم: شرعية مشروع الاحتلال والاستيطان. لقد سقطت أنظمة الفصل العنصري والاستعمار في التاريخ، ليس لأنها أصبحت فجأة أخلاقية، بل لأن العالم بدأ يرفض التعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًّا. واليوم يجب أن يكون الموقف واضحًا: لا تجارة مع الاحتلال، لا شرعية للاستيطان، لا حصانة للمستوطنين الذين يعتدون على الفلسطينيين، ولا صمت أمام مشروع الضم والتهجير. بريطانيا والدول الأوروبية أمام اختبار حقيقي: هل ستكتفي بالبيانات أم ستواصل الطريق حتى النهاية؟ أما الشعب الفلسطيني، فقد أثبت على مدى أكثر من سبعة عقود أن الاحتلال مهما طال لا يستطيع أن يلغي شعبًا، وأن الأرض مهما حاولوا مصادرتها ستبقى شاهدة على أصحابها.

المشكلة ليست أن بريطانيا أصبحت «إسلامية» كما سخر نتنياهو، المشكلة أن بريطانيا بدأت تقول "لإسرائيل" شيئًا لم تكن حكومة نتنياهو معتادة على سماعه: الاحتلال ليس حقًّا، والاستيطان ليس شرعيًّا، والقانون الدولي ينطبق على الجميع. وهذه هي الحقيقة التي يخاف منها نتنياهو أكثر من أي شيء آخر.