على امتداد تجربتها الوطنية والسياسية، تعاملت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع مسألة بناء النظام السياسي باعتبارها جزءاً أصيلاً من معركة التحرر الوطني والديمقراطي؛ فالنظام السياسي الذي نحتاجه في فلسطين يجب أن يتجاوز مهمة إدارة المؤسسات، وأن يكون قادراً على تمثيل شعب يخوض معركة طويلة من أجل الحرية والاستقلال والعودة، وحماية وحدته، وصون تعدده، وتنظيم اختلافاته، وتحويل طاقاته المتنوعة إلى قوة وطنية قادرة على مواجهة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية.
ومن هنا، ظلت الشراكة الوطنية والتعددية السياسية وشمولية التمثيل ركائز أساسية في رؤية الجبهة لبناء نظام سياسي سليم، وهي الرؤية التي طرحتها في "خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني"، ويقوم هذا النظام على المشاركة والعدالة واحترام الإرادة الشعبية، ويمنع احتكار القرار أو اختزال الشعب في جهة أو قوة أو مؤسسة واحدة.
الشراكة ليست توزيعاً للمقاعد
الشراكة الوطنية في جوهرها أوسع من اقتسام المواقع والمناصب، وأعمق من ترتيبات مؤقتة بين القوى السياسية؛ فهي طريقة في إدارة الوطن، ومنهج في التعامل مع الاختلاف، وآلية لحماية القرار الوطني من التفرد والهيمنة والإقصاء. وحين تكون الشراكة حقيقية، تصبح مساحة دائمة للحوار وتنظيم التباينات، بحيث تبقى الخلافات في إطار التنافس السياسي والفكري المشروع، وتتحوّل إلى مصدر إثراء للحياة الوطنية، لا إلى وقود لصراعات داخلية تستنزف المجتمع وتبدد قدراته.
نحن بحاجة إلى شراكة تجعل الاختلاف طاقة للتطوير، والتنافس وسيلة لتحسين الأداء، وتوزيع المسؤوليات قائماً على العدالة والكفاءة، بحيث يتحمّل الجميع أعباء المرحلة وتكاليفها، كما يشاركون في صناعة القرار وتحديد الأولويات. أما الشراكة التي تُختزل في تقاسم النفوذ، أو يجري ترتيبها على أساس المحاصصة والحسابات الفصائلية، فهي تفقد معناها الوطني وتعيد إنتاج الأزمة بأشكالٍ جديدة.
التعددية السياسية هي قوة المجتمع وليست مشكلة يجب التخلص منها:
فلسطين بطبيعتها السياسية والاجتماعية والفكرية مجتمع متنوع، وهذا التنوع حقيقة لا يمكن تجاوزها، كما أنه ليس عائقاً أمام الوحدة الوطنية، والخطر يبدأ عندما تتحوّل التعددية إلى حالة استقطاب دائم، أو عندما تستخدم الأغلبية قوتها لإقصاء الأقلية، أو تتحوّل الأقلية إلى طرف معطل لكل قرار وطني؛ فالتعددية الديمقراطية الحقيقية تعني الاعتراف بحق الجميع في المشاركة والتعبير والتنظيم والمنافسة، ضمن قواعد واضحة ومتساوية. وهي تعني كذلك أن الاختلاف في البرامج والرؤى والمواقف لا يمنح أياً من الأطراف حق مصادرة حق الآخرين في الوجود أو المشاركة.
ولهذا فإن المطلوب هو بناء نظام سياسي قادر على إدارة هذه التباينات بصورةٍ ديمقراطية ومسؤولة، مع إدراك أننا ما زلنا في قلب حركة تحرر وطني، وأن شعبنا يتعرض لحرب إبادة مفتوحة تستهدف الإنسان الفلسطيني، وأرضه، وهويته، وكيانه الوطني، ومقدساته ووجوده. وفي مثل هذه المرحلة، يصبح تنظيم الاختلاف وإدارته مسؤولية وطنية؛ لأن الخلاف السياسي أمر طبيعي ومشروع، فيما تحويله إلى قطيعة وانقسام وتخوين وإقصاء يضعف قدرتنا على مواجهة الاحتلال، ويستنزف طاقات شعبنا، ويعمّق أزماته الداخلية في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى توحيد كل عناصر القوة الفلسطينية.
شمولية التمثيل هي الضمان الحقيقي للتعددية
إذا غابت العدالة في التمثيل، تحوّلت التعددية إلى واجهة شكلية، وأصبح الحديث عن المشاركة الديمقراطية غطاءً لإعادة إنتاج الإقصاء والتفرد؛ فالتمثيل الذي لا يشمل مختلف القوى والتيارات والمكونات الاجتماعية والجغرافية، يفقد قدرته على التعبير عن الواقع الفلسطيني بكل تعقيداته وتنوعه.
وشمولية التمثيل لا تعني منح الجميع مقاعد مسبقة، ولا تعني إلغاء التنافس الانتخابي، ولا تعني توزيع الحصص بعيداً عن إرادة الناخبين. معناها أن تكون أبواب المشاركة مفتوحة أمام الجميع، وأن تتوافر قواعد عادلة للمنافسة، وأن يشعر كل مكوّن فلسطيني بأن له مكاناً في النظام السياسي، وأن صوته قادر على الوصول والتأثير. ولهذا فإن الانتخابات التي نريدها يجب أن تكون انتخابات فعلية، تنافسية وحرة، تقوم على قواعد معلنة وموحدة، وتحفظ حق الجميع في الترشح والمشاركة، وتحول دون حسم المقاعد أو الأدوار مسبقاً خلف الأبواب المغلقة؛ فالعدالة في التمثيل لا تلغي التنافس؛ إنها التي تعطي التنافس معناه الديمقراطي.
ماذا يحدث عندما تغيب العدالة؟
التجربة الفلسطينية، كما التجارب السياسية الأخرى، تقدم ما يكفي من الدروس. عندما تغيب العدالة عن التمثيل، تبدأ أزمة الثقة، ثم تتسع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات، وتتحوّل المؤسسات تدريجياً إلى ساحات نفوذ، وتصبح القرارات بعيدة عن المزاج الشعبي واحتياجات الناس. وعندها نكون أمام ثلاث مآسٍ مترابطة:
مأساة سياسية/
إنتاج مؤسسات تعاني أزمة شرعية، وقرارات لا تحظى بالقبول الوطني والشعبي الكافي، ونظام سياسي يفقد قدرته على استيعاب الاختلاف.
مأساة اجتماعية/
شعور متراكم بالظلم والتهميش، يتولّد عنه الانكفاء واللامبالاة، وقد يتحوّل في لحظة ما إلى غضب وانفجار اجتماعي وسياسي.
مأساة اقتصادية وتنموية/ عندما تصبح المحاصصة والولاءات أهم من الكفاءة والمصلحة العامة، تُغلق مسارات أمام الطاقات والكفاءات، وتتراجع فرص التنمية، ويصبح توزيع الموارد خاضعاً لموازين النفوذ بدلاً من حاجات المجتمع.
وهنا تصبح الشراكة من دون عدالة في التمثيل مجرد عنوان جميل لمضمون مختلف، وتصبح التعددية من دون شمولية ديكوراً سياسياً يسمح باستمرار الإقصاء تحت غطاء ديمقراطي.
الجبهة الشعبية: المشاركة من أجل تغيير قواعد العمل
من هذا المنطلق، تأتي رؤية الجبهة الشعبية للمشاركة السياسية والانتخابات ضمن تصور أوسع من مجرد خوض استحقاق انتخابي أو الحصول على تمثيل نيابي؛ فالمسألة بالنسبة للجبهة ترتبط بسؤال أكبر: أي نظام سياسي نريد؟ وكيف يمكن إعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة الوحدة والشراكة والتعددية والعدالة؟ ولهذا تطرح الجبهة رؤية تتعامل مع الانتخابات باعتبارها حقاً ديمقراطياً أصيلاً لشعبنا، وسبيلاً لتجديد الشرعيات وبناء مؤسسات النظام السياسي على قاعدة الوحدة والشراكة والتعددية السياسية، وتربط إجراء الانتخابات بتهيئة بيئة وطنية وقانونية ومجتمعية تساعد على أن تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي، لا مناسبة جديدة لتجديد الانقسام والصراع.
والفكرة الجوهرية هنا أن الانتخابات لا ينبغي أن تأتي منفصلة عن معالجة أصل الأزمة؛ فالمطلوب مسار وطني يفتح الطريق أمام حوار شامل، ويعيد بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسسٍ ديمقراطية، ويضم مختلف مكونات شعبنا، ويعمل على توحيد المؤسسات الفلسطينية، وصولاً إلى انتخاباتٍ شاملة يشارك فيها أبناء شعبنا في الوطن والشتات. وهذا ما يفسر تأكيد رؤية الجبهة على أن المرحلة الانتقالية التوافقية المقترحة هي مدخل إلى الانتخابات وليست بديلاً عنها؛ فالهدف الذي تريده الجبهة ليس تأجيل الاستحقاق الديمقراطي، وإنما توفير الشروط التي تحميه من التحول إلى جولة جديدة من الصراع الداخلي.
منظمة التحرير نموذجاً لشمولية التمثيل
تتخذ مسألة شمولية التمثيل أهمية خاصة عند الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية؛ فهذه المنظمة، باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، لا يمكن أن تستعيد دورها ومكانتها من خلال بقاء أي مكوّن فلسطيني خارج بنيتها السياسية أو التمثيلية. ولذلك فإن إعادة بناء المنظمة على أسسٍ ديمقراطية تعني أن تصبح مساحة يتسع فيها الوطن السياسي لكل مكونات شعبنا، وأن تعكس في مؤسساتها التنوع السياسي والاجتماعي والجغرافي الفلسطيني، وأن تكون قادرة على إدارة الاختلافات في إطار مؤسسي ديمقراطي. ومن هنا يأتي طرح الجبهة لتشكيل مجلس وطني جديد لفترة انتقالية، بصورة تعكس التمثيل الشامل لتجمعات شعبنا ومكوناته السياسية والمجتمعية، بما يعزز وحدة الشعب والمؤسسات ويواجه محاولات تفكيك التمثيل الفلسطيني وفرض بدائل وصاياتية أو مناطقية أو محلية عليه. ومن هذا المنطلق، عبّرت الجبهة وبعض القوى الأخرى بوضوح عن رفضها للإجراءات المتبعة في إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وما رافقها من ممارسات لا تنسجم مع أسس الشراكة الوطنية والديمقراطية، خاصة ما جرى في عدد من الدول العربية من تعيين أعضاء في المجلس من خلال مجمعات انتخابية محدودة، لا تعبّر عن الإرادة العامة لأبناء شعبنا الفلسطيني، ولا توفر أسساً حقيقية لتمثيل مختلف مكونات شعبنا وقواه السياسية والمجتمعية.
لا ديمقراطية من دون ثقة
الديمقراطية أوسع من صناديق الاقتراع؛ فالصندوق لحظة أساسية في العملية الديمقراطية، لكنه جزء من منظومة تقوم على الثقة بالقواعد والمؤسسات والنتائج، وهذه الثقة لا تُبنى إذا شعر المواطن بأن النتائج محسومة قبل بدء المنافسة، أو أن بعض القوى تتمتع بامتيازات لا تتوافر لغيرها، أو أن المشاركة مفتوحة للجميع بينما يبقى القرار محصوراً في أيدي قلة؛ لهذا تحتاج الحياة السياسية الفلسطينية إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين القوى السياسية بعضها مع بعض، وبين الجمهور وكل من يطرح نفسه ممثلاً لمصالحه. والشراكة هنا تصبح وسيلة لاستعادة الثقة، والتعددية تصبح ضمانة لاستمرارها، وشمولية التمثيل تصبح شرطاً لحمايتها.
المطلوب تغيير في الثقافة السياسية
المطلوب يتجاوز تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع مواقع القوى، ويتصل أساساً بتغيير الثقافة السياسية وطريقة إدارة الشأن الوطني؛ بحيث ننتقل من سؤال "من يملك القرار؟" إلى "كيف يُصنع القرار؟"، ومن البحث عن حصة كل طرف إلى بناء قواعد تضمن حق الجميع في المشاركة والتأثير، ومن النظر إلى المنافس السياسي باعتباره خصماً ينبغي إضعافه إلى التعامل معه باعتباره شريكاً في وطن واحد، ومن انتظار الأزمات حتى تقع إلى بناء مؤسسات وقواعد واضحة تساعد على منع تكرارها ومعالجة أسبابها من جذورها. وهنا يمكن للشراكة والتعددية وشمولية التمثيل أن تتحوّل من شعارات سياسية إلى ممارسة يومية تساهم في تغيير الوعي الجمعي، وتعيد الاعتبار لفكرة العمل الوطني المشترك، وتفتح الطريق أمام ترميم العقد الاجتماعي الفلسطيني.
وهذه مهمة ثقيلة، لأن الفشل فيها ينعكس على المؤسسات، ويمتد أثره عميقاً إلى ثقة الناس بفكرة العمل الوطني الديمقراطي، وبالقوى التي ترفع هذه الشعارات وتدافع عنها.
فلسطين بحاجة إلى نظام يستوعب شعبها كله
في مرحلة التحرر الوطني، لا يمكن التعامل مع التعددية باعتبارها ترفاً سياسياً، ولا مع الشراكة باعتبارها صفقة بين القوى، ولا مع التمثيل باعتباره أرقاماً ومقاعد؛ فنحن أمام شعب موزع بين الضفة وغزة و القدس والداخل المحتل والشتات، يعيش ظروفاً سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة التعقيد، ويواجه احتلالاً ومشروعاً منظماً لتصفية حقوقه ووجوده. وفي مثل هذه الظروف تصبح الوحدة الوطنية القائمة على الشراكة والتعددية وشمولية التمثيل شرطاً من شروط الصمود والمواجهة، وليست مجرد صيغة لإدارة المؤسسات.
ولهذا فإن أي نظام سياسي فلسطيني جديد يحتاج إلى أن يستوعب شعبنا بكل مكوناته، وأن يحمي حق الاختلاف، وأن يمنع التفرد، وأن يفتح المجال أمام التنافس الديمقراطي، وأن يضمن تداول المسؤولية، وأن يجعل المؤسسات خادمة للمجتمع لا أدوات للهيمنة عليه.
الشراكة التي نريدها
الشراكة التي نريدها ليست شراكة الضرورة المؤقتة، ولا شراكة المحاصصة، ولا ترتيباً لتوازنات القوى. إنها شراكة تقوم على قاعدة أن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن النظام السياسي ملك للشعب، وأن التمثيل حق للمواطن قبل أن يكون امتيازاً للقوى السياسية، ولذلك فإننا:
· نريد تعددية تحمي الاختلاف ولا تسمح بتحويله إلى انقسام.
· نريد شراكة تنظم التباين ولا تلغي التنافس.
· نريد تمثيلاً شاملاً يفتح الطريق أمام الجميع ولا يحسم مواقعهم مسبقاً.
· نريد انتخابات تُعبّر عن الإرادة الشعبية، لا انتخابات يجري التفاوض على نتائجها قبل وصول الناس إلى صناديق الاقتراع.
· ونريد مؤسسات وطنية تستمد شرعيتها من الناس، وتعمل وفق القانون، وتخضع للمساءلة، وتستطيع أن تجمع الفلسطينيين حول مشروع وطني جامع.
هذا هو المعنى الحقيقي للإنقاذ الوطني: أن نعيد بناء السياسة الفلسطينية على قاعدة المشاركة لا الهيمنة، وعلى قاعدة التعدد لا الإقصاء، وعلى قاعدة الشراكة لا المحاصصة، وعلى قاعدة التمثيل العادل والشامل لا احتكار القرار؛ فحين تصبح الشراكة ممارسة، والتعددية ثقافة، وشمولية التمثيل قاعدة، يمكن للانتخابات أن تؤدي دورها الحقيقي في تجديد الشرعية، واستعادة ثقة الناس، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح الطريق أمام مرحلةٍ فلسطينية جديدة قوامها الوحدة الوطنية والديمقراطية والقدرة على مواجهة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية.
وأخيراً، إن الشراكة من دون عدالة في التمثيل تتحول إلى خدعة سياسية، تستنزف أصحابها وتعرّضهم لاهتزازات عميقة داخل حاضنتهم الشعبية، وتضعف ثقة الجماهير بهم. كما أن التعددية من دون شمولية التمثيل تتحول إلى ديكور سياسي، يمنح غطاءً للإقصاء والتفرد والهيمنة، ومايترتب عليها من مظالم ومعاناة لشعبنا، ويضرب جوهر التمثيل الوطني وشرعيته، ويقوّض مبدأ وحدة التمثيل الفلسطيني.
نُشر في شبكة قدس

