Menu

ما الذي كان يدور في عقل نتنياهو بتجاهل التحذيرات؟ وماذا دار فيه بعد انهيار مخططاته؟

جمال زقوت

إذا صحّت الرواية التي نشرتها «هآرتس» عن الأسابيع الأخيرة التي سبقت السابع من أكتوبر، فإنّ السؤال لم يعد فقط: هل كانت إسرائيل تملك معلومات عن خطر وشيك؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الذي كان يدور في عقل نتنياهو حين وصلت إليه هذه التحذيرات، وكيف أمكنه ألا يرى فيها ما كان ينبغي أن يشعل الضوء الأحمر؟

الصورة الذهنية طغت على التحذيرات

بحسب التحقيق، لم تكن الإشارات محصورة في معلومة واحدة أو مصدر واحد. كانت هناك تحذيرات من استعدادات القسام، واتصالات غير مباشرة، ونقاشات داخل الأجهزة الأمنية، ثم، وفق الرواية المنشورة، تحذير مباشر من الرئيس الإماراتي محمد بن زايد لنتنياهو قبل نحو عشرة أيام من الهجوم، مفاده أن يحيى السنوار يعد لعملية كبيرة يمكن أن تهز المنطقة وتهدد استقرارها. مكتب نتنياهو ينفي وقوع الاتصال. لكن حتى إذا وضعنا هذه الرواية جانبًا، يبقى السؤال قائمًا أمام سلسلة التحذيرات الأخرى.

إذا افترضنا أن الرواية قريبة من الحقيقة، ويبدو أنها كذلك، فإن البحث عن تفسير لا يبدأ من أن نتنياهو لم يكن يعرف، بل من السؤال: ما الصورة التي كان يحملها عن حماس وجعلته قادرًا على استقبال التحذير دون أن يغيّر تقديره للموقف؟

ربما كان منطقه أن حماس مردوعة، ولديها ما تخسره، ومعنية بالحفاظ على حكمها في غزة، وبالحصول على التسهيلات الاقتصادية وتصاريح العمل، وتعرف أن حربًا شاملة ستكلفها أكثر مما تستطيع تحمله. وإذا كانت تستعد لعملية، فمن المرجح أن تكون محدودة، أو جزءًا من لعبة الضغط والمساومة، لا قرارًا استراتيجيًّا لقلب الطاولة. أما الخطر الأكثر قابلية للانفجار، فيمكن أن يكون في الضفة الغربية حيث يتصاعد الاحتكاك وتتوسع قوة المستوطنين. هذه ليست معرفة بما كان يدور فعلًا في رأس نتنياهو، بل محاولة لإعادة بناء منطقه. لكنها تفسر شيئًا أساسيًّا: ربما لم يتجاهل المعلومات بقدر ما أخضعها لنموذج ذهني كان قد حسمه مسبقًا.

وهنا تكمن إحدى أخطر صور الفشل. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب المعلومة، بل في وجود نموذج يصبح أقوى من المعلومة نفسها. عندما تكون مقتنعًا بأن خصمك مردوع، فإن التحذير من هجوم كبير يمكن أن يبدو مبالغة، أو محاولة ضغط، أو استعدادًا لعملية محدودة يمكن احتواؤها. وكان هذا التصور جزءًا من استراتيجية سياسية أوسع؛ إدارة غزة بدلًا من معالجة قضيتها، شراء الهدوء بالتسهيلات، إبقاء غزة تحت حكم حماس منفصلة عن الضفة، واستخدام الانقسام الفلسطيني لإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، فيما توفر التكنولوجيا والحاجز والتفوق الاستخباري شعورًا بأن المفاجآت الكبرى أصبحت من الماضي.

السنوار لم يصنع صورة حماس.. بل استغل الصورة التي صنعتها إسرائيل

وربما هنا تحديدًا نجح السنوار في الخداع. لم يكن عليه أن يصنع لإسرائيل صورة زائفة عن حماس، بقدر ما كان عليه أن يثبت الصورة التي صنعتها إسرائيل عنها. فالتفاوض بدا رغبة في التهدئة، والمطالبة بالتسهيلات أولوية اقتصادية، والحفاظ على حكم غزة دليلًا على الردع. وكلما بدت حماس منشغلة بتفاصيل الحياة اليومية، ازداد استعداد إسرائيل للاعتقاد بأنها لا تستعد لقلب المعادلة.

السابع من أكتوبر يقلب الصورة

لا يمكن الجزم بما كان يفكر فيه السنوار، ولا بما إذا كان قد تصور بدقة حجم وطبيعة الرد الإسرائيلي ومآلاته. لكن يمكن قراءة العملية باعتبارها محاولة لكسر قواعد الصراع، لا مجرد اختراق للجدار. فإذا كان الخصم قد اقتنع بأنك مردوع، وأنك لا تستطيع تحمل كلفة المواجهة، فإن الفعل الاستثنائي يصبح وسيلة لإجباره على إعادة تعريف قدرتك. غير أن كسر المعادلة لا يعني امتلاك البديل. فقد استطاعت حماس أن تفاجئ إسرائيل وتحطم جزءًا كبيرًا من صورتها عن نفسها وعن خصمها، لكنها لم تكن تستطيع ضمان شكل الحرب التي ستلي ذلك، ولا حجم أثمانها، ولا مآلاتها السياسية. وهنا تبدأ مسؤولية الطرف الآخر.

حين انهارت المعادلة

السابع من أكتوبر لم يهدم منظومة أمنية فقط، لقد هدم أمام نتنياهو تصورًا سياسيًّا كاملًا. فقد سقطت فرضية إمكان فصل غزة عن الضفة وإدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وعادت القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد، وعادت فكرة الدولة الفلسطينية إلى جدول الأعمال الدولي. وما كان نتنياهو يعتقد أنه نجح في إبعاده عن مركز الصراع عاد بقوة أكبر، ولكن عبر بوابة الانهيار الأمني.

ماذا دار في عقل نتنياهو بعد ذلك؟

ربما أدرك أن العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر لم تعد ممكنة، وأن الفشل لم يكن استخباريًّا فقط، بل سياسيًّا واستراتيجيًّا. وهنا يمكن فهم التحول من استعادة الردع إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الذي أنتج الانهيار. فإذا كان السابع من أكتوبر قد أعاد وصل غزة والضفة في الوعي الفلسطيني والدولي، فإن تدمير غزة، وتهجير سكانها، وتحويل شروط الحياة فيها إلى كارثة إنسانية بلا حدود، يصبح أكثر من أهداف عسكرية. إنه محاولة لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية التي انهارت، وربما لمنع أن يتحول انهيار نظرية التفوق، وفصل غزة عن الضفة إلى خطوة باتجاه قيام دولة فلسطينية.

هل دخل نتنياهو الحرب منذ لحظتها الأولى بمخطط مكتمل للإبادة والتهجير؟ ربما يكون ذلك هو الاستنتاج الأولي. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الفشل الأمني الهائل فتح أمام نتنياهو منطقًا سياسيًّا جديدًا. إذا كان خيار إدارة الصراع قد انهار، فإن الحسم بالقوة الغاشمة بدا وكأنه البديل. وهنا تظهر المفارقة الأخطر. فقد حاول نتنياهو تغطية فشله الاستخباري بفعل عسكري وسياسي، فانتهى إلى إنتاج فشل استراتيجي أكبر.

من استعادة الردع إلى العزلة الدولية

فالحرب التي كان يفترض أن تعيد لإسرائيل «هيبتها وردعها»، ساهمت في إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب العالم، وفي تعميق عزلة إسرائيل، وفي تحويل سلوكها في غزة والضفة إلى قضية تواجهها حتى مع بعض حلفائها الغربيين.

الفشل الثاني أخطر من الأول

الفشل الاستخباري أسقط صورة إسرائيل عن نفسها بوصفها دولة لا تُفاجأ ولا تُخترق. أما الفشل السياسي الاستراتيجي، فيبدأ بضرب موقعها الدولي. فاستعادة إسرائيل لقدرتها العسكرية، لم تمكّنها من استعادة الصورة التي كانت تظهر عليها قبل السابع من أكتوبر. وكلما طال أمد الحرب، أصبح على حلفائها أنفسهم أن يواجهوا سؤالًا لم يعد من السهل الالتفاف عليه؛ إلى أي حد يمكن حماية إسرائيل سياسيًّا ودبلوماسيًّا بينما تتحول حربها إلى مصدر متزايد للاتهامات بانتهاك فظيع للقانون الدولي، وإلى قضية تفرض على حلفائها اتخاذ مواقف وإجراءات ضد سياساتها التي باتت تشمل اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية؟ وهنا لا يعود السؤال إسرائيليًّا فقط. لماذا اندفعت العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن، في الأيام الأولى للحرب إلى مستوى من المساندة تجاوز حتى توقعات إسرائيل؟ هل كانت ترى بالفعل أن السابع من أكتوبر يمثل خطرًا وجوديًّا على إسرائيل، كما وصفه قادتها من الحكومة والمعارضة؟ أم أنها رأت أن انهيار الردع الإسرائيلي سيهدد ترتيبًا إقليميًّا استثمر الغرب فيه لعقود؟ والسؤال الأكثر إزعاجًا؛ كيف أمكن للعالم الغربي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية وهو يحمل ذاكرة الإبادة وجرائم الحرب، والذي ساهم في بناء منظومة قانونية دولية لمنع تكرارها، أن يسمح تدريجيًّا بأن يتحول ما يُسمى «بالخطر الوجودي» إلى مبرر لحرب إبادة جماعية مفتوحة، وتذكّر بفظائع الحرب العالمية الثانية؟

مسؤوليات لا تتساوى

وسط ذلك كله، لا يجوز جمع المسؤوليات في ميزان واحد، وإن تشابكت نتائجها. فإسرائيل تتحمل المسؤولية الأولى عن فشلها في قراءة التحذيرات، وعن حرب الإبادة الجماعية التي أدت إلى تدمير غزة وتجويع سكانها وتهجيرهم. وتتحمل حماس مسؤولية فشل تقدير ما قد يترتب على السابع من أكتوبر، وإن كان ذلك لا يلغي سياق الاحتلال والحصار. أما السلطة الفلسطينية، فمسؤوليتها سياسية بنيوية، حيث عجز النظام السياسي عن توحيد غزة والضفة في إطار واحد، ثم أدارت ظهرها لمأساة غزة، الأمر الذي أخرجها من ترتيبات ما بعد الحرب.

الفشلان

إذا أردنا اختزال القصة كلها، فإنها ليست قصة تحذير لم يُسمع فقط. إنها قصة فشلين متصلين.

الأول: هو فشل الثقة المفرطة وعنجهية القوة، والاستخفاف بالتحذيرات، والاعتقاد بأن حماس مردوعة وأن غزة قابلة للإدارة، وأن التفوق الأمني يجعل المفاجأة الكبرى مستحيلة. والثاني: أخطر. فبدلًا من أن يقود انهيار السابع من أكتوبر إلى مراجعة عميقة للاستراتيجية، جرى التعامل معه بالقوة الغاشمة القصوى، في محاولة لاستعادة المعادلة التي انهارت. وهكذا تحولت محاولة تغطية الفشل الاستخباري إلى فشل سياسي واستراتيجي أكبر.

لقد حاول نتنياهو، على ما يبدو، أن يخرج من كماشة الفشل بالقوة. لكنه وجد نفسه أمام كماشة أخرى. فغزة من جهة، والعزلة الدولية من جهة أخرى. وكلما حاول الخروج من الأولى بمزيد من القوة، أحكمت الثانية قبضتها. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: السابع من أكتوبر أسقط صورة إسرائيل عن مناعتها الأمنية، لكن الحرب التي تلت ذلك بدأت تسقط شيئًا آخر أكثر عمقًا، وهو قدرتها على تسويق وفرض روايتها وشروطها على العالم.

التاريخ لا يعود إلى الوراء

ما انهار في ذلك اليوم لم يكن جدارًا أمنيًّا فحسب، بل معادلة سياسية كاملة. وكل محاولة لإعادة بنائها بالقوة قد تجعل انهيارها النهائي أقرب. وربما يكون هذا هو السؤال، الذي سيحاكم نتنياهو وإسرائيل لاحقًا، وهو ليس لماذا لم يستمعوا إلى التحذيرات، وإنما لماذا، بعد أن أثبتت الوقائع خطأهم، اختاروا الاستمرار في الطريق ذاته، وكأن المشكلة كانت في الواقع لا في التصور الذي حكم قراءتهم له.

فقد يكون أخطر ما في الفشل ليس أن تخطئ في تقدير خصمك، وإنما أن ترفض، بعد انكشاف الخطأ، إعادة النظر في مسارك. وهنا تحديدًا يصبح السابع من أكتوبر فاصلًا تاريخيًّا، قبله كانت إسرائيل تعتقد أنها تستطيع إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وبعده بات عليها أن تواجه حقيقة أن الصراع، بكل أثمانه ومخاطره، عاد ليطرق باب الحل السياسي من جديد. أما السؤال الذي لم يُجب عنه بعد، فهو؛ هل ستتعلم إسرائيل من انهيار المعادلة، أم ستواصل محاولة الانتقام منها؟