Menu

النزعة الاستعلائية الصهيونية تختلق صراع الحضارات لتسويق العنصرية

جمال كنج

بوابة الهدف

معاداة السامية عنصرية، ويجب إدانتها دون قيد أو شرط. لكن ثمة فرقًا هائلًا بين مواجهة معاداة السامية وبين تحويلها إلى بطاقة حصانة سياسية: تُستخدم لإسكات منتقدي دولة الاحتلال، ثم يُستثمر الخوف منها في نشر كراهية دين آخر.

هذه ليست مكافحة للعنصرية.

إنها إعادة تدوير للعنصرية تحت راية مكافحة العنصرية.

حين يصبح انتقاد سياسات دولة الاحتلال “معاداة للسامية”، وحين يصبح المسلم في الغرب مشبوهًا لمجرد كونه مسلمًا، وحين يجري تقديم الإسلام نفسه بوصفه تهديدًا للحضارة الغربية، فنحن لا نتحدث عن حماية اليهود من الكراهية. نحن أمام مشروع سياسي يحتاج إلى عدو دائم كي يستمر.

والعدو هذه المرة ليس ما يسمى  “الإسلام الراديكالي”.

العدو هو الإسلام نفسه.

في قمة التجمع اليهودي الجمهوري التي عُقدت مؤخرًا في لاس فيغاس، قال عضو الكونغرس عن فلوريدا راندي فاين إن المشكلة ليست الإسلام “الراديكالي”، بل الإسلام نفسه. وفي مقابلة منفصلة، ذهب أبعد من ذلك، ملمحًا إلى أن بعض الحضارات أرقى ببساطة من غيرها.

ما الذي يبقى بعد إزالة كلمة “راديكالي”؟

لا شيء تقريبًا سوى الدين نفسه.

وهنا تظهر الفكرة التي يحاول خطاب “الصراع الحضاري” إخفاءها: حين تصبح هوية دينية كاملة هي المشكلة، لم يعد الحديث عن التطرف؛ بل عن ما يدعونه التفوق العنصري.

أما عضو الكونغرس عن تكساس براندون غيل، فاستشهد باستطلاع لمؤسسة هيريتيج يزعم أن 40 في المئة من المسلمين الأمريكيين يؤيدون الشريعة.

لكن السؤال الذي لم يُطرح هو السؤال الأكثر بداهة: ماذا يعني المسلمون بـ”الشريعة”؟

فالاستطلاع ترك المصطلح غامضًا، ولم يميز بوضوح بين الشريعة باعتبارها منظومة دينية وأخلاقية يعيش المسلم وفقها، وبين تحويلها إلى قانون دولة.

ولماذا لا يُطبّق هذا المنطق على الآخرين؟

الكاثوليكي الذي يلتزم بتعاليم كنيسته لا يُتهم تلقائيًا بالسعي إلى تحويل أمريكا إلى دولة يحكمها القانون الكنسي. واليهودي المتدين الذي ينظم حياته وفق الشريعة اليهودية لا يُقدَّم تلقائيًا باعتباره مشروعًا سياسيًا لتغيير النظام الدستوري الأمريكي.

لكن عندما يكون الشخص مسلمًا، يتحول الالتزام الديني فجأة إلى دليل اتهام.

المشكلة ليست في احكام الشريعة. المشكلة في المسلم الذي يُقال له إن التزامه الديني يجعله خطرًا.

وهكذا تُصنع صورة “المسلم المخيف” قطعةً قطعة.

الأرقام تكشف أن هذه الصورة ليست بلا أثر. فقد ارتفع مؤشر معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم لقياس كراهية الإسلام من 25 في عام 2022 إلى 33 في عام 2025. ويجد مركز بيو للأبحاث أن 51 في المئة من الأمريكيين يعتقدون أن الإسلام أكثر ميلًا من الأديان الأخرى إلى التحريض على العنف، وهي نسبة تزيد على ضعف تلك المسجلة بعد ستة أشهر من أحداث 11 أيلول/سبتمبر.

وفي غضون أسبوع من فوز الدكتور عبد العليم السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس شيوخ ولاية ميشيغان، قفزت المنشورات المعادية للإسلام التي تستهدفه بالاسم بنحو 1900 في المئة.

لم يكن النقاش يدور حول برنامجه الإنتخابي او الضرائب أو الرعاية الصحية أو التعليم أو السياسة الخارجية.

كان اسمه مسلمًا.

فأصبح “جهاديًا”.

وأصبح المسؤول المسلم المنتخب “حصان طروادة”.

هكذا تعمل العنصرية الحديثة: لا تحتاج إلى أن تقول إن المسلم أقل إنسانية؛ يكفي أن تقول إنه خطر.

ثم يأتي المال ليكمل المهمة.

أثرياء يضعون دولة الاحتلال في المقام الأول موّلوا جماعات ضغط موالية لها، مثل “أيباك”، التي أنفقت نحو 30 مليون دولار في محاولة لهزيمة السيد. وبعد فشل تلك المحاولة في انتخابات الحزب الديمقراطي، تحولت الأموال إلى دعم المرشح الجمهوري مايك روجرز.

لا يتعلق الأمر هنا بيهود مقابل مسلمين، ولا بجمهوريين مقابل ديمقراطيين.

إنه يتعلق بمنظومة نفوذ سياسي تستطيع ضخ عشرات الملايين في الانتخابات الأمريكية بهدف حماية أجندة دولة أجنبية.

والأخطر هو أن هذه المنظومة لا تكتفي بالتأثير في السياسة الخارجية.

إنها تساعد في تحديد من يُسمح له بأن يكون أمريكيًا طبيعيًا، ومن يُطلب منه أن يثبت براءته بسبب دينه.

ما يجمع هؤلاء ليس دينهم، بل أجندة سياسية لخدمه دولة الاحتلال.

وهنا يصبح المسلم الأمريكي رهينة صراع لم يختره.

يُطلب منه أن يجيب عن أفعال حكومات وتنظيمات في الشرق الأوسط لمجرد أنه مسلم. ويُطلب من المرشح المسلم أن يثبت أنه ليس “حصان طروادة”. ويُطلب من المواطن المسلم أن يدين جرائم لم يرتكبها، بينما لا يُطلب من المواطن اليهودي أن يبرر سياسات دولة الاحتلال لمجرد أنه يهودي.

هذه ليست مساواة في المعايير. إنها عنصرية سياسية.

هذا الخطاب ليس وليد الأمس.

على مدى سنوات، بُنيت شبكة كاملة من المؤسسات والمنابر التي جعلت من الخوف من الإسلام صناعة سياسية وإعلامية.

هناك مؤسسات خيرية معفاة من الضرائب تملك موارد بملايين الدولارات، ارتبط بعضها بشخصيات أنتجت موادًا التحريض على كراهية المسلمين.

وهناك “صندوق كلاريون”، الذي أسسه شقيقان إسرائيليان-كنديان وأنفق أكثر من 17 مليون دولار لتوزيع 28 مليون قرص DVD لفيلم معادٍ للمسلمين في الولايات المتأرجحة قبل انتخابات 2008.

وهناك ما يسمى “مؤسسة حقيقة الشرق الأوسط”، التي تضم إلى مجلسها الاستشاري شخصيات مثل دانيال بايبس وفرانك غافني، المعروفين بخطاب عدائي تجاه الإسلام، إلى جانب سفير صهيوني سابق لدى الولايات المتحدة.

وفي عام 2026، ظهر أيضًا فيلم خيالي معادٍ للإسلام أنتجه بن شابيرو.

الأسماء تتغير.

الأدوات تتغير.

لكن الرسالة واحدة:

المسلم هو المشكلة.

كل هذا من اجل إنجاح اكبر الخدع السياسية: تحويل الاحتلال إلى صراع حضارات.

الدول والمجتمعات التي يصفها فاين وشابيرو ولورا لومر بأنها تهديدات حضارية ليست، في معظمها، في حالة عداء مع الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا.

إنها، في كثير من الحالات، تعارض سياسات دولة الكيان، وتقاطعها، وتحتج على حرب الاباده في غزة وحرب التشريد في الضفة الغربية.

وهنا يجب أن نسأل: متى أصبح الاعتراض على دولة الاحتلال عداءً للغرب؟

ومتى أصبح دعم حقوق الفلسطينيين دليلًا على كراهية الحضارة الغربية؟

ومتى أصبح المسلم الذي يعترض على حروب امريكا في الشرق الأوسط طابور خامس؟

هذه الأسئلة تكشف جوهر الحيلة.

يُعاد تعريف الصراع السياسي بوصفه صراعًا دينيًا، ثم يُعاد تعريف الصراع الديني بوصفه صراعًا حضاريًا، ثم يُطلب من الأمريكي أن يخوض حربًا ليست حربه.

هكذا يمكن تسويق حرب أخرى.

هكذا يمكن تحويل العدوان على إيران إلى “جبهة” في حرب حضارية.

وهكذا يمكن إقناع الأمريكي بأن ما تفعله دولة الاحتلال في الشرق الأوسط ليس شأنًا إسرائيليًا، بل معركة دفاع عن الغرب نفسه.

إنها وصفة قديمة:

اختر عدوًا.

اجعله مخيفًا.

انزع عنه إنسانيته.

اربطه بدين كامل.

ثم اطلب من الجمهور أن يدفع ثمن الحرب.

والغريب أن هذه الحيلة لا تأتي دائمًا من اليمين.

بيل ماهر، على سبيل المثال، بنى جزءًا كبيرًا من خطابه الإعلامي على فكرة أن انتقاد الإسلام يمثل دفاعًا عن الليبرالية، وأن المسلمين يهددون حرية التعبير وحقوق المرأة بصورة استثنائية.

لا أحد يحتاج إلى إنكار وجود تطرف في بعض المجتمعات الإسلامية كما هو عند اتباع الأديان الأخرى.

لكن السؤال الحقيقي مختلف:

لماذا يصبح الإسلام وحده، في هذا الخطاب، متهمًا بأنه غير قابل للتوفيق مع الحداثة؟

لماذا لا يُفحص التاريخ الديني للآخرين بالمنظار نفسه؟

ففي صلاه بركات الصباح اليهودية، “بيركوت هشحر”، ترد عبارات مثل “شيلو عساني إيشاه”، أي الشكر لله على أنه لم يخلق المرء امرأة، و”شيلو عساني غوي”، أي الشكر على أنه لم يخلق المرء من غير اليهود، إلى جانب البركة المتعلقة بعدم خلق المرء عبدًا.

هذه نصوص موجودة في التراث الديني.

ومع ذلك، لا تُستخدم لبناء صناعة إعلامية كاملة تقول إن اليهودية غير متوافقة مع الحضارة الغربية.

لأن المعيار لا يُطبّق بالتساوي.

وعندما يتعلق الأمر بالإسلام، يصبح النص التاريخي دليلًا على طبيعة المسلم المعاصر.

وهذه مغالطة لا علاقة لها بالتحليل التاريخي.

فالإسلام، في سياقه التاريخي، أدخل تغييرات جوهرية في وضع المرأة، وأقر لها مكانة إنسانية وروحية مساوية للرجل، ومنحها حقوقًا قانونية، من بينها الميراث وحق اختيار الزوج.

السيده خديجة لم تكن مجرد زوجة للنبي محمد؛ كانت صاحبة عمله قبل زواجهما.

وبلال، الأفريقي الأسود الذي كان مستعبدًا قبل إعتاقه، أصبح أول مؤذن في الإسلام.

هذه ليست تفاصيل هامشية.

لقد حدثت في مجتمع قبل نحو 1400 عام، في وقت كانت فيه المرأة والمستعبد يحتلان موقعًا اجتماعيًا مختلفًا جذريًا في الغرب.

يمكن نقد الإسلام.

يمكن نقد تفسيراته.

يمكن نقد المجتمعات الإسلامية.

لكن تحويل الإسلام إلى استثناء حضاري دائم يحتاج إلى شيء آخر غير التاريخ:

يحتاج إلى أيديولوجيا.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

كراهية الإسلام ليست نتيجة طبيعية لاختلاف ديني.

إنها تُنتج.

تُنتج في الخطاب السياسي.

تُنتج في الإعلام.

تُنتج بالمال.

تُنتج بالانتخابات.

وتُنتج عندما يجري إقناع الأمريكي بأن المسلم الذي يعيش في الحي المجاور له مرتبط، بحكم دينه، بصراع يقع على بعد آلاف الأميال.

والثمن يدفعه بشر حقيقيون.

طالب مسلم يدخل الجامعة وهو يعرف أن اسمه قد يجعله موضع شبهة.

مصلٍّ يذهب إلى المسجد يوم الجمعة وهو يفكر في احتمال وجود مسلح خارج المبنى.

أم تخشى أن يصبح حجاب ابنتها سببًا للتنمر.

وأمريكي يهودي عادي تُستغل مخاوفه من معاداة السامية لتبرير سياسات اجراميه لدوله اجنبيه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

حين تُستخدم معاداة السامية لتبرير كراهية المسلمين، فإن معاداة السامية نفسها تصبح ضحية لهذا التوظيف السياسي.

لا يحتاج اليهود الأمريكي إلى كراهية المسلم كي يكون يهوديًا.

ولا يحتاج المسلم الأمريكي إلى التخلي عن دينه كي يكون أمريكيًا.

ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى اختراع “عدو إسلامي” كي تبرر حروب الشرق الأوسط.

لكن هناك من يحتاج إلى كل ذلك.

يحتاج إلى الخوف.

يحتاج إلى العدو.

يحتاج إلى خلط اليهودية بالصهيونية، والإسلام بالإرهاب، وانتقاد دولة الاحتلال بمعاداة السامية، حتى تصبح كل الحدود بين الدين والسياسة والهوية والحرب مشوشة بما يكفي لتمرير أجندته.

لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والغرب.

وليست بين اليهود والمسلمين.

وليست بين الحضارات.

إنها معركة على من يملك حق تعريف العدو.

ومن يملك حق تعريف العدو، يملك في النهاية القدرة على تسويق الحرب.

وهذا هو السبب في أن “صراع الحضارات” يجب أن يُعامل بما يستحقه: ليس باعتباره حقيقة تاريخية، بل باعتباره أداة سياسية لصناعة الخوف وتعبئة الجمهور لخدمة حروب ومصالح لا تخصه.

فحين يقولون لك إن المسلم هو الخطر، اسألهم عن السياسة التي يريدون منك ألا تناقشها.

وحين يقولون إن انتقاد دولة الاحتلال هو معاداة للسامية، اسألهم لماذا يريدون تحويل دولة إلى دين، والدين إلى دولة.

وحين يقولون إن الحرب في الشرق الأوسط دفاع عن الحضارة، اسأل السؤال الذي يخشاه أصحاب هذه الرواية أكثر من غيره:

من الذي يستفيد من أن يصدق الأمريكي أن حرب دولة الاحتلال هي حربه هو؟.