Menu

تقريربعد توقف 3 أعوام.. زراعة القوقعة تعيد أطفال غزة إلى عالم الصوت

أحمد زقوت

أطباء غزة يجرون زراعة القوقعة لـ50 طفلًا بعد توقف 3 أعوام..

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

على سرير في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، بدأت الطفلة ليان العقاد، البالغة عامين ونصف العام، أولى خطواتها نحو استعادة السمع، بعدما خضعت لعملية زراعة القوقعة الإلكترونية التي انتظرتها والدتها سنوات، في وقت توقفت فيه هذه العمليات داخل القطاع لأكثر من ثلاثة أعوام.

ترقد ليان بعد العملية ورأسها ملفوف بالشاش، فيما تترقب والدتها انتهاء مرحلة التعافي وبدء رحلة التأهيل السمعي والتدريب على النطق، على أمل أن يأتي اليوم الذي تسمع فيه صوتها وتناديها بكلمة "ماما".

تقول سماح، والدة ليان، إنّ فقدان ابنتها للسمع بدأ عندما كانت في عمر سبعة أشهر، إثر قصف عنيف وقع بالقرب من مكان وجود العائلة خلال الحرب، موضحة أنّ الطفلة فقدت قدرتها على سماع الأصوات والنطق بالكلمات التي بدأت ترددها مثل "بابا" و"ماما".

وتضيف في حديثها إلى "بوابة الهدف" أنّ أكثر ما كان يؤلمها هو مناداة ابنتها دون أن تجد استجابة منها، أو رؤيتها أطفالًا آخرين يلاعبونها بينما تعجز عن التفاعل معهم، مشيرة إلى أنها كانت تضطر في كل مرة إلى إخبار الآخرين بحالتها.

وتتابع الأم: "كان حلمي الأكبر أن تسمع ليان صوتي وتناديني ماما، وأن أراها تتفاعل مع الأطفال من حولها وتعيش طفولتها كما ينبغي لكل طفل".

عودة الخدمة بعد توقفها لثلاث سنوات 

تأتي عملية ليان ضمن عودة خدمة زراعة القوقعة السمعية إلى قطاع غزة، بعد توقفها لأكثر من ثلاثة أعوام نتيجة تداعيات الحرب والأضرار التي لحقت بالمنظومة الصحية، إلى جانب صعوبة سفر المرضى لإجراء العمليات خارج القطاع.

وبالشراكة مع وزارة الصحة الفلسطينية، ينفذ مجمع ناصر الطبي المرحلة الأولى من مشروع يستهدف زراعة 50 قوقعة سمعية خلال 15 يومًا، ضمن برنامج متعدد المراحل يهدف إلى إعادة تفعيل الخدمة والتوسع في إجراء العمليات خلال الفترة المقبلة.

وتقدر وزارة الصحة عدد حالات الصمم الكامل في قطاع غزة بنحو 200 حالة، بينهم أطفال ولدوا وهم يعانون فقدان السمع، وآخرون فقدوا السمع لاحقًا نتيجة أمراض أو إصابات أو التعرض للأصوات المرتفعة والانفجارات خلال الحرب.

أطفال آخرون على قائمة الانتظار

وسط هذه الحالات، يعيش الطفل محمد العكلوك، البالغ خمسة أعوام، رحلة علاج بدأت منذ ولادته بإعاقة سمعية، قبل أن تزداد صعوبتها خلال الحرب، مع نقص مستلزمات العلاج والتأهيل وتراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات المتخصصة.

ومع انقطاع البطاريات وصعوبة الانتظام في جلسات التأهيل، واجهت أسرته تحدّيًا مستمرًا للحفاظ على قدرته على السمع والتواصل، في مرحلة عمرية يحتاج فيها الطفل إلى متابعة منتظمة ودعم متواصل، فيما زادت ظروف الحرب من صعوبة توفير المستلزمات والخدمات التي يحتاجها.

ويؤكد والده سامي لـ "بوابة الهدف" أنّ الأسرة سعت للحصول على تحويلة طبية لإجراء زراعة القوقعة خارج قطاع غزة، بعدما أصبحت فرص الحصول على العلاج المتخصص داخل القطاع محدودة، إلا أنّ صعوبات السفر وتعقيدات العلاج خارج القطاع دفعتها إلى التمسك بفرصة العلاج محليًّا.

ويلفت إلى أنّ تسجيل محمد ضمن الأطفال المستفيدين من برنامج زراعة القوقعة شكّل فرصة جديدة أمامه لاستكمال رحلة العلاج، آملًا أن تساعده العملية ومراحل التأهيل اللاحقة على تطوير قدرته على السمع والكلام والتواصل والتفاعل مع محيطه.

القوقعة بداية رحلة لا نهايتها

بالنسبة إلى الأطفال الذين يعانون فقدان السمع الشديد، لا تنتهي رحلة القوقعة داخل غرفة العمليات، وإنما تبدأ بعدها مرحلة طويلة من المتابعة والتأهيل.

ويحتاج الطفل بعد إجراء الزراعة إلى تشغيل الجهاز وبرمجته، ثم الخضوع لجلسات التأهيل السمعي واللغوي والتدريب على الكلام، وهي مراحل ضرورية لمساعدته على تطوير قدرته على الاستماع وفهم الأصوات واستخدام اللغة والتواصل مع أسرته ومحيطه.

وتساعد القوقعة الأطفال الذين يعانون فقدان السمع الشديد على تطوير السمع والكلام والتواصل، بما يعزز فرص اندماجهم في المدرسة والمجتمع، ويساعدهم على إدراك الأصوات والمخاطر المحيطة بهم، وهو ما يجعل نجاح العملية مرتبطًا كذلك بقدرة الطفل على الوصول إلى التأهيل والبرمجة والمتابعة بعد الجراحة.

معاناة لا تنتهي عند غرفة العمليات

وبالنسبة إلى أسر الأطفال مستخدمي القوقعة، لا تتوقف التحديات عند الوصول إلى غرفة العمليات، فالجهاز يحتاج إلى مستلزمات وصيانة وبرمجة وتأهيل مستمر، وهي احتياجات يصعب توفيرها في ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة.

بدوره، يقول إبراهيم علي، والد الطفلة منال التي خضعت لزراعة القوقعة عام 2016 في مستشفى "هداسا عين كارم" ب القدس ، إنّ العملية شكّلت بداية رحلة طويلة، احتاجت خلالها ابنته إلى تأهيل سمعي ولغوي متواصل، إلى جانب التدريب على النطق والكلام والتخاطب، حتى تتمكن من الاستفادة من الجهاز وتطوير قدرتها على السمع والتواصل مع من حولها.

ويبين علي لـ "بوابة الهدف" أنّ زراعة القوقعة تحتاج إلى متابعة مستمرة وبرامج تأهيلية متخصصة، تشمل جلسات دورية في مراكز خاصة أو لدى جمعيات تقدم خدمات التأهيل، وهو ما يضيف أعباء مالية على الأسر، خصوصًا مع استمرار الحاجة إلى مستلزمات الجهاز وصيانته ومتابعته.

ويوضح أنّ هذه الاحتياجات تجعل رحلة الطفل طويلة ومكلفة، وتحتاج إلى توفير خدمات التأهيل والبرمجة والمتابعة بصورة منتظمة حتى تحقق العملية أهدافها وتساعد الطفل على تطوير السمع والكلام والاندماج في محيطه.

وتشمل هذه المستلزمات البطاريات والأسلاك والمغناطيس، إضافة إلى المعالج الخارجي الذي يعتمد عليه الطفل في استخدام القوقعة يوميًّا، فيما قد يؤدي فقدان أي من هذه القطع أو تعطلها إلى توقف الطفل عن الاستفادة من الجهاز.

كما تحتاج أجهزة القوقعة إلى برمجة دورية وفق احتياجات الطفل وتطور قدراته السمعية، غير أنّ بعض الأجهزة تحتاج إلى خدمات برمجة خارج قطاع غزة، ما يزيد صعوبة المتابعة ويرفع الأعباء المالية على الأسر.

تخفف عن الأسر مشقة السفر والتكلفة

من جهته، يؤكد مدير عام مجمع ناصر الطبي، الدكتور عاطف الحوت، حرص وزارة الصحة على دعم مشروع زراعة القوقعة واستعادة هذه الخدمة التخصصية في مستشفيات القطاع، موضحًا أنّ عودة العمليات تمثل خطوة مهمة لتوفير خدمات طبية حُرم منها الأطفال فاقدو السمع خلال السنوات الماضية.

ويشير الحوت لـ "بوابة الهدف" إلى أنّ أهمية المشروع تتجاوز إجراء العمليات، إذ تمنح الأطفال فرصة لتطوير السمع والنطق والتواصل والاندماج في محيطهم الأسري والتعليمي والاجتماعي، كما تخفف عن الأسر مشقة السفر والتكاليف والانتظار للحصول على العلاج خارج القطاع.

ويؤكد أنّ المرحلة الحالية تمثل بداية لإعادة بناء منظومة متكاملة لخدمات السمع، تشمل زراعة القوقعة والتأهيل والبرمجة والمتابعة، مع استمرار التعاون بين وزارة الصحة والمؤسسات الطبية والجهات الداعمة لتوسيع الخدمة والوصول إلى أكبر عدد من الأطفال المحتاجين إليها.

50 عملية في المرحلة الأولى

بدوره، يبين مدير مشروع زراعة القوقعة وممثل شركة "استيميد" للحلول الطبية والسمعية، محمود اليعقوبي، لـ "بوابة الهدف"، أنّ الحرب وما رافقها من أضرار سمعية زادت الحاجة إلى خدمات زراعة القوقعة والتأهيل، مبينًا أنّ القوقعة تساعد الأطفال على تطوير السمع والكلام والتواصل والاندماج في المدرسة والمجتمع، فيما تتطلب العملية مراحل لاحقة تشمل البرمجة والتأهيل والمتابعة.

ويشير في حديثه إلى أنّ المشروع تنفذه شركة "استيميد" بالشراكة مع وزارة الصحة، وبمشاركة وفد طبي روسي وكوادر محلية، مؤكدًا أنّ استمراره يتطلب إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية، وتسهيل وصول الفرق الطبية، والعمل على توطين خدمات زراعة القوقعة والتأهيل والمتابعة داخل قطاع غزة.

خدمة تحتاج إلى استمرارية

وتبقى عودة زراعة القوقعة إلى قطاع غزة خطوة أولى تحتاج إلى استمرارية، في ظل حاجة الأطفال إلى التأهيل والبرمجة والمتابعة وتوفير المستلزمات الطبية بعد العملية.

ومع إعادة تفعيل الخدمة تدريجيًّا، تبرز أهمية إدخال الأجهزة والقواقع الإلكترونية وتسهيل وصول الوفود الطبية وتطوير الكوادر والخدمات المتخصصة محليًّا، حتى تتحول زراعة القوقعة من تدخل طبي مؤقت إلى مسار متكامل يمنح الأطفال فرصة أفضل للسمع والكلام والتعلم والتواصل والاندماج في محيطهم.