Menu

تقريرزيتون غزة.. موسمٌ تحت وطأة الدمار والخوف

كريمة شهاب

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

يأتي موسم الزيتون في قطاع غزة للعام الثالث منذ اندلاع الحرب، وسط دمار واسع طال الأشجار والأراضي الزراعية ومصادر المياه، وصعوبات كبيرة في الوصول إلى الحقول، خصوصًا في المناطق الشمالية والمناطق المحاذية لما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، بفعل إجراءات الاحتلال والقيود المفروضة على الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

وكان موسم الزيتون مناسبة سنوية تجتمع فيها العائلات والأقارب في الحقول منذ ساعات الصباح، ويتقاسمون أعمال القطاف على وقع الأهازيج والأغاني التراثية، قبل أن تجمعهم موائد الشاي والزعتر والطعام.

أما هذا العام، فلم يعد الموسم يشبه ما عرفه المزارعون في السابق. فبينما يحاول بعضهم الوصول إلى ما تبقى من أشجارهم، يواجه آخرون أراضي لم تعد متاحة لهم بسبب قيود الاحتلال، أو أشجارًا دمّرتها الحرب وأفقدتها قدرتها على الإنتاج، أو مصادر مياه خرجت من الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب.

وتكشف البيانات حجم الضرر الذي أصاب القطاع الزراعي. ففي تموز/يوليو 2026، أعلنت وزارة الزراعة الفلسطينية أن نحو 1.6 مليون شجرة دُمّرت في قطاع غزة خلال الحرب.

وفي تقييم حديث نشرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية «يونوسات» في آب/أغسطس 2026، تبيّن أن 3% فقط من الأراضي الزراعية في القطاع بقيت متاحة وغير متضررة، فيما يواجه المزارعون نقصًا حادًّا في البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود ومواد الإنتاج الأخرى.

أرضٌ كانت مصدر رزقنا.. اليوم خلف «الخط الأصفر»

تقول ريهام العطار (66 عامًا) من بيت لاهيا، في حديثها لـ«بوابة الهدف»، إن كثيرًا من طقوس موسم الزيتون لم يعد موجودًا كما كان، وإن لم تدمّر الحرب الأشجار والأرض فقط، بل فرّقت العائلات التي كانت تجتمع حولها.

وتضيف: في مثل هذه الأوقات من كل عام نقضي أيامنا من الصباح الباكر وحتى ساعات المساء بين أشجار الزيتون، نتشارك الغناء والضحكات، فأين من كانوا يشاركوننا هذه الأفراح؟ الحرب دمرتنا وفرقت شملنا.

وتشير العطار إلى أن مساحات واسعة من الأراضي تعرضت للتجريف والتدمير، فيما تشتت المزارعون بين النزوح والفقد والإصابة، موضحةً أن الأرض التي كانت مصدر طعام العائلات ودخلها أصبحت اليوم بعيدة عن متناول أصحابها، بعدما باتت ضمن المناطق الواقعة خلف «الخط الأصفر».

وتقول: هذه الأرض كانت تطعمنا، نأخذ منها حاجتنا من الزيتون والزيت، ونبيع جزءًا من محصولها لنؤمّن احتياجاتنا. اليوم لا نستطيع الوصول إليها كما كنا، وأصبحت ضمن المناطق التي يصعب الوصول إليها خلف «الخط الأصفر»، وكأننا فقدنا الأرض ومصدر رزقنا معها.

«هل يعقل أن هذا إنتاج 50 شجرة؟»

في بلدة عبسان شرق خان يونس، يحاول المزارع محمد قرقع جمع محصوله من أشجار الزيتون، في موسم يختلف كثيرًا عن المواسم التي اعتادها.

وفي حديثه لـ«بوابة الهدف»، يقول قرقع إن آثار التراجع تبدو واضحة في كمية الثمار وجودتها، مقارنة بما كانت تنتجه أرضه في السنوات الماضية.

ينظر قرقع إلى ما جمعه من ثمار، قبل أن يعبّر عن صدمته من حجم المحصول قائلًا: هل يعقل أن هذا إنتاج 50 شجرة زيتون؟

وبالنسبة إلى قرقع، لا تختصر الخسارة في كمية الزيتون التي يجمعها هذا الموسم، بل تمتد إلى ما أصاب الأشجار والأرض من تراجع في القدرة على الإنتاج، بعد سنوات من الحرب والدمار وصعوبة الوصول إلى الحقول وخدمتها.

ويقول إن نقص المياه يمثل مشكلة إضافية للمزارعين، إذ لم تعد الأشجار تحصل على احتياجاتها من الري كما في السابق، فيما تضررت مصادر المياه وارتفعت صعوبة تشغيل ما تبقى منها في ظل نقص الوقود ومستلزمات الزراعة، مشيرًا إلى أن تتداخل مشكلة المياه مع صعوبة الوصول إلى الأرض؛ فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول بانتظام إلى حقله لا يستطيع مراقبة الأشجار أو ريها أو معالجة ما يصيبها، ما يجعل تراجع الإنتاج نتيجة تراكمية لعدة عوامل، وليس نتيجة موسم واحد فقط.

ويشير إلى أن الشجرة، حتى إن بقيت واقفة، لا تستطيع أن تعطي إنتاجها المعتاد من دون مياه وخدمة زراعية منتظمة، الأمر الذي ينعكس على حجم الثمار ونوعية المحصول في موسم القطاف.

وتؤكد بيانات «فاو» و«يونوسات» حجم أزمة المياه الزراعية في القطاع؛ فقد أظهر تقييم سابق أن أكثر من ثلثي الآبار الزراعية، وعددها 1531 بئرًا، أصبحت غير عاملة، فيما أظهرت تقييمات لاحقة أن نحو 87% من الأراضي الزراعية بقيت متضررة، وأن أنظمة الري والبنية التحتية الزراعية تعرضت لخسائر واسعة.

لم يعد السؤال متى ينضج الزيتون.. بل هل سنتمكن من قطفه؟

في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، يمتلك المزارع توفيق عصفور أربعة دونمات مزروعة بأشجار الزيتون. يقول في حديثه لـ«بوابة الهدف» إن موسم القطاف هذا العام لم يعد مرتبطًا بموعد نضج الثمار، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة المزارع على الوصول إلى أرضه في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال على الوصول إلى الأراضي الزراعية، ولا سيما في المناطق القريبة من «الخط الأصفر».

ويقول عصفور: «كنا ننتظر موسم الزيتون بفارغ الصبر، ونراقب الثمار حتى تكبر وتنضج، ثم نبدأ القطاف في موعده. اليوم، وفي ظل ما يفرضه الاحتلال، أصبح همّنا الأول هو أن نصل إلى أشجارنا وأن ننقذ ثمارها قبل أن نفقد القدرة على الوصول إليها. ولم يعد السؤال متى ينضج الزيتون، بل هل سنتمكن من قطفه أصلًا؟».

ويشير إلى أن القطاف المبكر أصبح اضطرارًا تفرضه الظروف، موضحًا أن الثمرة عندما تأخذ وقتها حتى تنضج تكون أفضل للزيت، لكن المزارع لا يستطيع دائمًا الانتظار.

ويضيف: نعرف أن الثمرة عندما تأخذ وقتها حتى تنضج تكون أفضل للزيت، لكننا نعيش في ظروف لا تسمح لنا دائمًا بالانتظار. إذا تركنا الزيتون على الشجر، فقد نخسره كله، خصوصًا مع صعوبة الوصول إلى الأراضي بسبب إجراءات الاحتلال. لذلك نحاول أن نأخذ ما نستطيع في الوقت الذي نستطيع فيه الوصول إلى الأرض.

وتزداد صعوبة الوصول إلى الأراضي في المناطق الشمالية والمناطق القريبة من «الخط الأصفر»، ما يجعل إنقاذ المحصول مرتبطًا بالوقت والقدرة على الوصول إلى الأشجار، في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال على حركة المزارعين ووصولهم إلى أراضيهم.

وفي هذه الظروف، يجد المزارع نفسه أمام مفارقة قاسية: الانتظار قد يمنح الثمرة وقتًا أكبر للنضج، لكنه قد يعني خسارة المحصول إذا تعذر الوصول إلى الأرض لاحقًا؛ بينما يضمن القطاف المبكر إنقاذ جزء من المحصول، لكنه قد ينعكس على كمية الزيت وجودته.

خسائر تتجاوز الأشجار

يقول المدير العام لمجلس الزيتون الفلسطيني، فياض فياض، في حديثه لـ«بوابة الهدف»، إن خسائر قطاع الزيتون لم تقتصر على تدمير الأشجار والأراضي الزراعية، بل امتدت إلى المعاصر، التي تشكل حلقة أساسية في سلسلة الإنتاج، في ظل ما خلّفه الاحتلال من أضرار طالت مختلف مقومات القطاع الزراعي.

ويشير فياض إلى أن قطاع غزة كان يضم نحو 40 معصرة حديثة، لم يتبقَّ منها سوى عدد محدود، ما يضيف عبئًا جديدًا على المزارعين الذين يتمكنون من الوصول إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم.

ويضيف أن المزارع، بعد وصوله إلى أرضه وتمكنه من إنقاذ الثمار، يواجه تحديًا آخر يتمثل في نقل المحصول إلى معصرة عاملة وعصره في الوقت المناسب، موضحًا أن تأخر هذه العملية قد يؤثر في جودة الزيت وكمية الإنتاج.

ويلفت فياض إلى أن صعوبة الوصول التي يفرضها الاحتلال على مناطق واسعة من الأراضي الزراعية لا تنتهي عند مرحلة القطاف، إذ تمتد إلى عملية نقل المحصول والوصول إلى المعاصر العاملة، ما يزيد الأعباء والتكاليف على المزارعين.

ويوضح أن خسائر موسم الزيتون لا تتوقف عند حدود الشجرة أو الأرض، وإنما تمتد على امتداد سلسلة الإنتاج كاملة؛ من تضرر الأشجار والمساحات الزراعية، إلى نقص المياه ومستلزمات الزراعة، ثم صعوبة الوصول والقطاف، وصولًا إلى النقل والعصر والتخزين والتسويق.

وبذلك، يواجه قطاع الزيتون خسائر متراكمة تضرب مختلف مراحل الإنتاج، فيما يجد المزارع نفسه أمام سلسلة من العقبات تبدأ من الوصول إلى الأرض وتنتهي بمحاولة إيصال المحصول إلى المعصرة ثم تسويق الزيت.

موسمٌ لإنقاذ ما تبقّى

ينتهي موسم الزيتون هذا العام بإنتاج أقل وخسائر أكبر، لكن تداعياته لن تنتهي بانتهاء القطاف والعصر. فاستعادة قطاع الزيتون في غزة تحتاج إلى إعادة تأهيل الأراضي، وإصلاح مصادر المياه، وإعادة تشغيل المعاصر، وتوفير الشتلات والمستلزمات الزراعية، وضمان توفر معدات الري والوقود، والأهم ضمان قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم والعمل فيها.

وبالنسبة للمزارعين، لا يقاس نجاح الموسم الحالي بحجم المحصول الذي استطاعوا جمعه فقط، بل بقدرتهم على إنقاذ ما تبقى من أشجارهم وثمارهم، والحفاظ على إمكانية العودة إلى الأرض في المواسم المقبلة.

ويبقى مستقبل الزيتون في غزة مرتبطًا باستعادة مقومات الزراعة الأساسية: أرض يمكن الوصول إليها، ومياه متاحة، وأشجار قابلة للحياة، ومزارع قادر على العودة إلى حقله.

أما السؤال الذي يتركه هذا الموسم خلفه، فلا يتعلق فقط بكمية الزيت التي ستخرج من معاصر غزة، بل بعدد الأشجار التي ستبقى واقفة، وبمساحة الأرض التي سيتمكن أصحابها من استعادتها وزراعتها من جديد.

زيتون غزة.jpeg
زيتون غزة 1.jpeg
زيتون غزة 3.jpeg