تخشى الليبرالية الأوروبية المنفتحة من عدة عوامل وعناصر تهدد حقبة الاستقرار والازدهار التي عاشتها بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت نموذجاً وملاذاً وموئلاً للذين يطمحون للعيش الرغيد، وعامل جذب للاستثمارات والإيداعات البنكية، وزيادة على ذلك احترام سيادة القانون الذي بموجبه يبعث على الطمأنينة.
يعتبر زحف أحزاب اليمين المتطرف والشعبوي في أوروبا، ظاهرة سياسية مقلقة، أعادت رسم ملامح المشهد الحزبي والانتخابي في العديد من دول القارة.
هناك أسباب وعوامل رئيسية، أدت إلى هذا الزحف "والنجاح"، وأهمها أزمة الهجرة، إذ استغلت هذه الأحزاب المخاوف المرتبطة باللاجئين والمهاجرين لتصويرهم كتهديد للهوية والثقافة الوطنية، بالإضافة إلى تراجع الدخل العام للمواطن الأوروبي بالرغم من التقارير التي تقول العكس.
أيضاً، خطاب الكراهية، والتركيز على القومية العرقية والدفاع عن الهوية المحلية ضد أعداء الداخل والتنوع الثقافي والخوف على مستقبل البلاد والعباد، وهذا ما يعيدنا لفكرة
بناء الحضارة من خلال الصروح والمنشآت وكبرى الصناعات وتجاهل العامل الرئيس هو الإنسان الذي بناؤه أهم من كل ما ذكرنا.. كما أن توظيف الأزمات المعيشية وتراجع مستويات الدخل لكسب أصوات الطبقات المتضررة من العولمة والسياسات الأوروبية وجموح غالبيتها إلى الشوفينية المتغلغلة بجذور الشعوب التي ترفض فكرة بوتقة الانصهار والتعايش مع الآخر.
من العناصر المهمة للظاهرة، التشكيك في نجاعة الاتحاد الأوروبي، حيث لا ينقطع الانتقاد لسياساته وبرامجه الإندماجية مما أضعف الروح الوطنية عند المواطن الأوروبي، وبالتالي وجدت هذه الدعوات بيئة خصبة وسط الدعم الأمريكي اللامتناهي وتقاطعه حول اللاجئين والمهاجرين.
زلزال حقيقي أصاب القارة الأوروبية، بعد التحويل المفاجئ لهذه التيارات التي قبعت في أسفل الهامش السياسي، إلى منافس قوي على السلطة او شريك في ائتلافات محلية ووطنية، مثل حزب "البديل من أجل ألمانيا" وحزب "الحرية الهولندي" و"التجمع الوطني في فرنسا".
يعتبر تأثير اليمين المتطرف، تأثيراً أكثر راديكالية تجاه ملفات اللجوء والهجرة والحدود.. يؤدي هذا الصعود إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للقارة، مهددا ًوحدة واستقرار الاتحاد الأوروبي برمته.
التكامل الأوروبي بدروه يتعرض للمخاطر، في سعي الأحزاب المتطرفة إلى تقليص صلاحيات المؤسسات المركزية في بروكسل لصالح تقوية الحكومات الوطنية.. مما يعيد القارة إلى عهدها السابق من خلافات واختلافات وربما العودة للحروب وفتح الملفات القديمة والصراعات على الأرض والعرق.. أي السكسونية التي بذرت بذور الحرب العالمية الأولى والثانية.
الكارثة الكبرى تتجسد بالتكتلات القوية، وتشكيلها كتل وطنية من أجل أوروبا، هذه القوة وجدت بيئتها في رحم البرلمان الأوروبي بعد حصد الأحزاب القومية نحو ربع الأصوات. إذن نحن إزاء ظاهرة عامة قد تجرف في مواقفها، حلف الناتو والإنفاق العسكري والتعامل مع الأزمة في أوكرانيا مما يعوق اتخاذ قرارات أوروبية موحدة. هذا التباين في السياسات الخارجية له تداعيات اجتماعية قبل السياسية.
إن تشديد سياسات اللجوء الذي هو لب وجوهر الفكر المتطرف الذي يعتبر سياسة الأبواب المفتوحة انتهت، وتتجه نحو فرض قيود صارمة وتدقيق قانوني مكثف على المهاجرين والجاليات العربية والإسلامية.
وهنا تكمن الخطورة، إذ يضع اليمين المتطرف نصب عينه، التمييز والكراهية للأجانب والإسلاموفوبيا، لذلك تتحضر القارة الأوروبية لموجات من العنف والقوانين الجائرة التي تحرم اللاجئ العربي والإسلامي من حقوقه وبالتالي الضغط عليه وعلى عائلته حتى يقرر العودة لبلاده.
آلياته في مظاهر التمييز وكراهية الآخر كثيرة ومنها تقليص برامج الاندماج وتراجع التمويل الحكومي المخصص لدمج المهاجرين، حيث سبق هذه الآليات دعوات لخروج بعض الدول من الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو.
في الوقت ذاته هناك بعض القيادات اليمينية مثل رئيسة إيطاليا جورجيا ميلوني تميل إلى التعاون مع المؤسسات الأوروبية للحفاظ على الاستقرار المالي والسياسي، لأنها استشعرت الخطر لذلك كان لا بد من خطاب براغماتي.
تتطلع القوى الفاعلة السياسية بالتعاون مع المجتمعات في أوروبا، للتعامل مع صعود اليمين المتطرف وفق ثلاثة مسارات استراتيجية رئيسية تتأرجح بين الإقصاء، الاحتواء، أو الدمج، في حين يشهد المشهد السياسي الأوروبي تحولا ً جذرياً في آليات التعامل مع الأحزاب، فبعد عقود من فرض جدار حماية لعزلها، فرض الصعود الانتخابي المستمر لتيارات اليمين المتطرف واقعاً جديداً يجبر الأحزاب التقليدية على إعادة حساباتها.
لذلك وجدت الأحزاب التقليدية أبعاد وآفاق التعامل مع هذه الظاهرة، وانقسمت ردود أفعال هذه الأحزاب (التقليدية) يمين الوسط ويسار الوسط إلى ثلاثة خيارات، الأول سياسة عزل وتهميش الأحزاب المتطرفة (جدار حماية) تتمثل في رفض الأحزاب التقليدية التحالف مع اليمين المتطرف أو إشراكه في الحكومات، مع ملاحظة التراجع في هذه السياسة بشكل كبير، لكنها ما تزال تصارع في بعض الدول مثل ألمانيا تجاه حزب البديل من أجل ألمانيا AfD وفرنسا في التنسيق الانتخابي ضد حزب التجمع الوطني.
ثاني الإجراءات، الانتقال من العزل إلى الشراكة، إذ أصبح اليمين المتطرف جزءاً رئيسيا ً من حكومات ائتلافية أو داعماً لها في عدة دول مثل، إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني، وهولندا، فنلندا، السويد.
الإجراء الثالث، تبني الأجندة أي الاحتواء عبر المحاكاة، إذ تلجأ أحزاب اليمين المتطرف خاصة في ملفات الهجرة واللجوء والأمن بهدف استعادة الناخبين، وهو ما يراه الخبراء تطبيعاً غير مباشر لأفكار هذا التيار.
آفاق ومآلات صعود اليمين المتطرف في أوروبا، حيث ترسم المعطيات السياسية الحالية سيناريوهات متباينة، وله أبعاد سياسية في الأثر والاتجاه المتوقع في المؤسسات الأوروبية، كما نوهنا تشكيل كتل قوية داخل البرلمان الأوروبي تضغط لتعديل سياسات «الميثاق الأخضر» وتشديد الرقابة على الحدود الخارجية، دون تفكيك الاتحاد من الداخل بل تغييره من عمق مؤسساته، وخطورة التكتل تكمن في فرض قيود صارمة على الهجرة وترحيل المهاجرين غير النظاميين، وإعادة تقييم معايير اللجوء والاندماج الاجتماعي. التركيز على حمائية اقتصادية محلية تحت شعار (أولوية المواطن) وتعزيز الخطاب الهوياتي الثقافي المحافظ ضد العولمة والتحولات الليبرالية الحديثة.
لا بد من مواجهة اليمين المتطرف في أوروبا، وذلك ضمن استراتيجيات سياسية وقانونية ومجتمعية متكاملة تهدف إلى الحد من تغلغل خطابه وتأثيره في المؤسسات ووأده في مهده قبل أن يكبر ويتجذر.. من خلال مقاطعة التحالفات، ورفض الأحزاب التقليدية الوسطية منها واليسارية رفض عقد أي ائتلاف حكومي أو شراكة رسمية مع أحزاب أقصى اليمين. منع تمرير سياسات عنصرية أو معاداة المهاجرين عبر توحيد صفوف الكتل الديمقراطية داخل البرلمانات المحلية والأوروبية وحصانتها من الاختراق. أيضا ً تفكيك الخطاب الشعبوي وتقديم بدائل اقتصادية، مواجهة التجييش العاطفي، والرد على الخطابات المناهضة للأجانب بلغة الأرقام والحقائق وإبراز الدور الإيجابي للمهاجرين في دعم الاقتصاد والبنى التحتية.
أعتقد أن سياسة سحب البساط من تحت أقدام اليمين المتطرف أفضل السياسات وذلك عبر حل مشاكل البطالة، والسكن، والتضخم، التي يستغلها لخطب ود الطبقات المتضررة، وتفعيل الأدوات القانونية والحقوقية، وتجريم خطاب الكراهية بتطبيق قوانين صارمة ضد التمييز والعنصرية والإسلاموفوبيا في الشارع وعبر منصات التواصل الاجتماعي، ومراقبة التمويل الخارجي، وتتبع مصادر تمويل الحركات الشعبوية والمتطرفة لضمان عدم تلقيها دعماً خارجياً يهدد السلم الأهلي والديمقراطية. بالإضافة إلى تعزيز برامج الاندماج المجتمعي وحماية الأقليات، ودعم المؤسسات المدنية والمحلية المدافعة عن حقوق المهاجرين والأقليات لتقليل شعورهم بالاستهداف والاغتراب. وتطوير سياسات الاندماج بالاستثمار الحقيقي في دمج الوافدين الجدد ثقافياً ولغوياً واقتصادياً.. بما يزيل المخاوف المصطنعة ويحصن النسيج المجتمعي، ومنع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في أوروبا يتطلب استراتيجيات شاملة تجمع بين الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
إن الحقيقة الساطعة التي لا مجال لطمسها أو حجبها، تعود أوروبا إلى سابق عهدها، والتاريخ يعيد نفسه، والمأساة هذه المرة عن طريق تسلل الأفكار الشوفينية التي بقيت تحارب في قواميس المتغنين بالحضارة الأوروبية، واعتبارها نموذج ناجح يمكن الانسحاب منه والاستفادة من التجربة التي حولت قارة بعد مقتل حوالي 100 مليون في حربين دمويين، إلى حالة من الوئام والتجانس والترفع عن الأفكار الهدامة، للأسف تعود للأناركية البغيضة وانقسامات عامودية وأفقية مجتمعية وسياسية حادّة، الأمر الذي يتطلب المراجعة الفورية والوقوف عند بواطن الخلل الذي أدى إلى هذا التحول الخطير.
"ليس أمام أوروبا إلا طريق واحد"، إذا أرادت أن تبقى النموذج الناجح. التذكير بالفواجع التي ألمت بالقارة الأوروبية حين استسلمت للأفكار الشوفينية العدمية، وعن الأرقام المفزعة من القتلى والجرحى، وحجم الدمار الهائل، وكيف انتقلت القوة من يدها وذهبت للولايات المتحدة الأمريكية التي لها اليد الطولى بما يحدث في القارة العجوز.. أما إذا بقيت في وضع المتفرج وتسهيل الطريق أمام اليمين المتطرف، ستخسر القارة مستقبلها وربما تعود الحرب الأهلية.

