Menu

ماذا لو نطق الشهداء؟

مروان عبدالعال

ماذا يقول لنا الشهداء؟ ربما يقولون أولاً: توقفوا عن التعداد. لا تجعلونا مجرد أرقام. لسنا الشهداء الثلاثة، أو الخمسة، أو العشرة، أو الألف، أو الخمسة والخمسين ألفاً، أو المئة ألف شهيد؛ لندرك أن لكل واحد منا اسمه الذي كانت أمه تناديه به، ووجهه الذي تحفظه العائلة حتى في غيابه، وصوته الذي لا يشبه صوتاً آخر. كان أحدنا يضحك بصوت عالٍ حين يفرح، وآخر يترك فنجانه نصف ممتلئاً وينسى أين وضع مفاتيحه، وثالث يحمل في جيبه ورقة عليها موعد، أو رقم هاتف، أو فكرة لم تكتمل. بقيت أشياؤهم الصغيرة بعدهم: مفتاح في درج، وقميص معلّق خلف الباب، وصورة في هاتف، ورسالة لم تجد طريقها إلى صاحبها.

ماذا لو نطق الشهداء؟ ربما يقولون: لا تحوّلوا ذكرياتنا إلى طقوس سنوية، ولا تجعلوا أعوامنا الأولى والثانية والعاشرة مهرجاناً خطابياً يتكرر ثم ينتهي. فالحياة التي تركناها لم تكن منفصلة عن موتنا؛ كنا بشراً نعيش أيامنا العادية، نحب ونخطط ونخطئ، ونؤجل أحلامنا إلى الغد، ونحسب السنوات والشهور والأيام التي تفصلنا عن تحقيقها. لكن الحياة العادية نفسها كانت تتبدل من حولنا: المخيم المألوف قد يصبح حالة استثنائية، والطريق المعتاد قد يتحول إلى مساحة محاصرة، والأرض التي ارتبطنا بها منذ الطفولة تبتلعها أنياب الوحش.

في مثل هذا السياق، يتغير السؤال تدريجياً، بمشروعية حماية ما تبقى: موسم الزيتون، والأرض، والبيت، والأهل، والمكان الذي ننتمي إليه. ومن هنا لا يأتي الانتماء الوطني "بفرمان" رسمي، ولا تكون المقاومة اختياراً منفصلاً عن سياقها؛ فهي، بالنسبة إلى كثيرين، ثمرة مسار طويل من الاحتلال، والاقتلاع، والقهر، والفقدان. وتتداخل آثار النكبة والإبادة القديمة والجديدة؛ وما دفع الرجال الحقيقين إلى التقدم في الصفوف هو عشق الوطن، ذاكرة الشهداء الميامين، وتجربة الأسرى في زنازين الموت، وتوق شعبنا إلى الحرية.

ماذا يقول لنا الشهداء؟ يقولون: نحن شهداء فلسطين. سرنا على درب الحق، في مواجهة التطهير والتقتيل والنزيف الممتد على كامل أرضها، وفي شتاتها الذي يحمل، رغم كل شيء، حلم فلسطين الأعظم. لذلك، في اللحظة التي يسقط فيها الإنسان شهيدًا، تتراجع الألقاب والرتب والمراتب، كما يتراجع الانتماء التنظيمي والحزبي، أمام الاسم الأبهى الذي يختصر كل ذلك: شهيد فلسطين. اسمٌ لا يلغي خصوصية كل شهيد، بل يضمّها إلى معنى أوسع؛ فلكل واحدٍ منهم اسمه ووجهه وحكايته، لكنهم يلتقون في الفكرة التي بذلوا زهرة أعمارهم من أجلها. وهكذا يصبح «شهيد فلسطين» اسمًا يتسع لأسمائهم جميعًا، وتلتقي فيه أرواحهم عند قلب القضية التي وهبوها حياتهم.

هذا ما يقوله لنا الشهداء قبل أن نعاهدهم بأنهم سيبقون في ذاكرتنا وألا ننساهم: لا تستعيدوا موتنا وحده، بل استعيدوا ما كان في حياتنا من قيم ومعانٍ يجري تهميشها. استعيدوا الإنسان الذي بقي شامخاً، واليد التي رفعت الراية عالياً ولم تنكسها، والموقف الذي لم يفتح الباب للغزاة. انظروا إلينا لا كصور مكتملة النهاية، بل كأحلام توقفت قبل أن تعرف نهايتها. فكل شهيد كان حياة كاملة، لا لحظة موت فقط؛ وكان له طريقه الخاص إلى تلك اللحظة، ولهذا لا يشبه شهيدٌ شهيداً آخر، حتى حين تجمعهم القضية الواحدة.

فماذا لو نطق الشهداء؟ لقالوا: لا تذكرونا ثم تعودوا كما كنتم. إن كنتم عاجزين عن حفظ أحلامنا، فلا تدّعوا أنكم حفظتم أسماءنا. نحن أمانةٌ تركناها في أعناقكم، وحلمٌ لم يكتمل إلا ليحملَه من بقي. ولعلّ هذا هو المعنى الذي يلتقطه مظفر النواب حين يقول: «الذئبة حتى الذئبة تحرس نطفتها، والنملة تعتز بثبّ الأرض»؛ فحين يكون الشيء جزءًا من وجودك، لا تحتاج إلى من يذكّرك بحراسته. والشهداء لم يتركوا لنا أسماءهم فقط، بل وصيتهم ان البلاد لا تأتي لأحد؛ علينا أن نذهب إليها، مهما كان الثمن. وإن غبنا، فازرعوا أسماءنا في الذاكرة، لعلّ فلسطين تعرف يومًا كم أحببناها.

نحن لسنا أرقامًا في سجلّ الموتى؛ لكل واحدٍ منا وصيّةٌ تركها في وجوه الذين بقوا. فلا تجعلوا من أسماء الشهداء ذاكرةً للمناسبات ومادة للخطابات وزخرفة للبيانات، بل مسؤوليةً تُختبر فيما تفعلونه بعدهم. لقد ماتوا لنحيا، كانوا نسور الفكرة النبيلة، وسؤال القضية الذي دفعهم إلى التضحية: كيف تبقى فلسطين حيّةً فينا.