تقف المجتمعات الإنسانية الآن على أعتاب تحوّل تاريخي هام مع صعود الذكاء الاصطناعي (AGI)، وقد تكون المرحلة الزمنية الراهنة هي الأصعب في التاريخ البشري ربطاً بما تحققه القفزة التقنية من إنجازات علمية متقدمة على كافة الأصعدة.
فنحن أمام طوفان تكنولوجي مرعب يغيّر أنظمة التعليم والإعلام والطب والسياسة والاقتصاد والثقافة والتجارة والزراعة والقوانين.. ويجرف معه كل شيء: الوظائف، الإبداع، وطرق التفكير.. مكبّلاً الأنشطة البشرية ومخترقاً مساحة النفس الإنسانية بكل تفاصيلها وخصوصياتها الروحية والعاطفية والعقلية بما فيها الأفكار والمشاعر والأحاسيس!!
التحوّل الأخطر
ومع هذا الحضور التقني المتصاعد في تفاصيل الحياة اليومية ووسط دعوات أمريكية إلى إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، ورؤية صينية تقول إن هذه هدف تلك الدعوات هو "تثبيت التفوق الأمريكي", مازال السباق التكنولوجي يحقق قفزات مذهلة على حساب الإنسان وقدراته في الإبداع والتفكير والحركة والعمل والقرار.
وتحت شعار (التقدم العلمي) يواصل التغوّل التقدم إلى مواقع المسؤولية، والاندماج في كل الجوانب المتعلقة بشؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وبلا هوادة: (سوق العمل، التعليم، الوزارات، الطب والصحة، القوانين، الرياضة، التجارة، الزراعة، الفن، الأدب..).
ولا شك أن هذه القوة التقنية تشوّه الفطرة السليمة دون اكتراث للجوهر الإنساني الحقيقي، ولقدسية النفس الإنسانية المكرّمة والمفضلّة على سائر المخلوقات، ولها سُخّرَّ الكون بكل ما فيه كما جاء في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾.
وليس من المبالغة القول بأن الذكاء الاصطناعي يعبث عملياً بالمستقبل البشري وحياة المجتمعات التي قامت منذ بدء الخلق على حركة الإنسان وقدرته على استكشاف الطاقات الكونية وتسخيرها لخدمته وتطوّر وعيه.
فالتقنيات الرقمية لم تفقد عشرات الملايين من الناس وظائفهم فقط، بل تكرّس السلوكيات الفردية وتعزز الشعور بالانغلاق على الذات والعزلة والأنانية.
(الإرضاع الترفيهي)
في هذا السياق من الضروري الانتباه إلى ما يحدث في كواليس المشهد العام، حيث يتم تداول مصطلح "الإرضاع الترفيهي" الذي ظهر في نقاشات القادة العالميين في السنوات الأخيرة، ووثّقه كتاب (فخ العولمة) لمؤلفيه (هانس بيتر مارتين وهارالد شومان).
فالمصطلح الخطير -الذي صاغه (بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق) حول مستقبل العالم في ظل التكنولوجيا والعولمة- أتى ككفرة أساسية على السؤال المطروح:
إذا كانت التكنولوجيا والأتمتة ستقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من العاملين، وإذا كان الاقتصاد العالمي لن يحتاج إلّا لنسبة 20% من سكان العالم لإنتاج كل شيء.. فكيف يمكن التعامل مع النسبة الباقية منهم؟!!
والجواب جاء صادماً كالتالي:
يجب إشغال وقت واهتمامات 80% من سكان العالم الذين سيصبحون خارج دائرة التأثير والإنتاج والفائضين عن الحاجة الاقتصادية بجذب انتباههم بجرعات مستمرة من الترفيه السطحي والتسلية والمتعة (الرياضة، الفن، الطبخ، مباريات، أخبار.. إلخ)، بحيث يصبح وقوعهم في هذا الفخّ وسيلة لتخديرهم واستهلاك طاقتهم، وشلّ قدرتهم على التفكير والتساؤل، ومنعهم من امتلاك المهارات الإبداعية والمهنية أو التخطيط لمستقبلهم بالشكل السليم!!
وبالطبع إن سرقة وعي الإنسان وإضاعة وقته، وتشتيته عن أهدافه، ومنعه من التفكير بهذه الأساليب هي أخطر أنواع السيطرة، لأنه يسلبه الغاية الأسمى من خلقه.
نحن فعلياً في مرحلة فارقة ومفصلية، والحال، أن الهوية الإنسانية باتت في خطر وجودي شديد مع استمرار الترويج الغربي لنظرية: (الآلة السيدة، الآلة الإنسان)، وفلسفة "نهاية عصر الإنسان وبداية عصر ما بعد الإنسانية"، ولا ينبغي التغافل عن أن هذا الترويج يأتي بعد مرور ثلاثة عقود على نظرية (المليار الذهبي) المتطرفة التي نادت بضرورة سيطرة النخبة على مصادر الطاقة والغذاء بشكل دائم من خلال تقليل سكان العالم "غير الضروريين" إلى "المليار الذهبي" بافتعال المجاعات والأوبئة والأسلحة البيولوجية المطوّرة والفيروسات والحروب.. وغيرها باعتبارها الوسائل الحتمية لتحقيق هذا الهدف!!
في هذا السياق تشير التقديرات الأخيرة للخبراء والمختصين بأنه من الممكن أن يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي إلى تقويض (القدرات، الإمكانيات، الإرادات) لدى البشر، وبالتالي لن يكون بإمكان أحد من الناس اتخاذ القرارات المصيرية والمستقلة بحلول العام 2030، ما يشكّل تهديداً حقيقياً للوجود الإنساني والروابط الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية والمفاهيم الجامعة للوعي العام والتي بُنيت على أساسها المجتمعات منذ الأزل: (التعاون، التضامن، التشارك، التعاضد، التكافل، التراحم.. إلخ)..
إذاً.. كيف نواجه هذا التحدي ونحمي هويتنا الإنسانية من الاندثار والتشظي مع مواكبة العصر الرقمي ومتطلباته وسط المخاوف من فقدان السيطرة على الأنظمة الذكية؟!
وكيف نستثمر تلك الأنظمة في بناء المجتمعات كأداة مساعدة في العلم والمعرفة دون أن تفكّر بالنيابة عنا؟!
ويبقى السؤال الأهم: كيف نصحح البوصلة ونسيطر على الآلة قبل أن تسيطر علينا؟!!
إنها أسئلة المصير الإنساني التي تحتاج إلى إجابات عملية شافية في عالم يتحرك بسرعة الذكاء الاصطناعي.
حتى لا تقودنا الآلة..
من المؤكد أن البشرية في العصر الراهن لم تعد تملك ترف رفض أو قبول الذكاء الاصطناعي لأنه أصبح أمراً واقعاً لا مفرّ منه، لكن مع كل ما تقدّم لا يجب النظر إلى التكنولوجيا الذكية على أنها شرّ مطلق أو خير مطلق.. ولا ينبغي الخوف منها بل فهمها واستيعابها والتعامل معها بوعي وإدراك وتوازن ومسؤولية.
فهي أداة موجّهة ومسيسة وليست حيادية، أي أنها غير عاقلة ولا تفرّق بين الصواب والخطأ وتنحاز للمعلومات والبيانات المدخلة إليها، وبالتالي تتخذ موقف الدول المصنعة لها ومبرمجة للعمل وفق مصلحتها.
وبالنتيجة نحن في مواجهة فكرية مع قوة رقمية تفتقر للفهم الأخلاقي العميق، وتبلوِّر قيمّاً مستهجنة وغريبة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتسرق إنسانيته ضمن إيقاع زمني متسارع وفضاء رقمي لا محدود من المعلومات والأوهام والزيف والصور والمشاهدات والألوان والأفكار والمشاريع والاقتراحات..
ومن هنا تظهر الحاجة إلى التثقيف والتوعية بالمتغيّرات، والمسألة تستلزم بحثاً جدياً في قضية الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا الذكية، إذ لا يكفي أن نتعلم مهارات توجيه الآلة لنرتاح من أعباء الحياة في العمل والمنزل والمدرسة والجامعة.. إذ يجب أن نتعلم أولاً كيف نسيطر عليها ونستثمرها بشكل آمن، ولا ننساق خلفها بوصفها وسيلة وليست غاية بحدّ ذاتها حتى لا نسمح لها بسحق إنسانيتنا ودورنا وإرادتنا المستقلة.
هل ننجو؟!
تواجه البشرية جمعاء تحدياً غير مسبوق مع تطور الذكاء الاصطناعي، والمجتمعات العربية والإسلامية ليست بمنأى عن تأثيرات هذه المواجهة لكنها قد تكون الأقل ضرراً لكونها محمية بالموروث الديني الذي يُعلي من شأن الإنسان وقدره باعتباره غاية للوجود وله قيمة عليا وحقوق وواجبات ومكانة وإمكانيات عقلية وروحية وإرادة حرّة مقدسة.
لذلك من المهم بالنسبة لهذه المجتمعات أولاً إعادة الإنسان إلى الواجهة، والتركيز على أن التقنية وسيلة لخدمته وليست بديلاً عنه.
ومواجهة الغزو الرقمي يبدأ من خلال استهداف جميع شرائح المجتمع، فالجميع معني بالتثقيف الفعّال الذي يجمع بين (المعرفة التقنية، الوعي الأخلاقي، المهارة العلمية)، وثمة ضرورة قصوى لتنوير الوعي العام بالتقنيات الذكية (حدودها، مخاطرها، فائدتها، التحكم في أدواتها، التكيّف معها، كيفية تحجيم دورها وطرق الاستفادة منها..).
ويمكن أن تصنع حملات التوعية المستمرة فرقاً كبيراً بهذا الخصوص، والخطوة الأساسية في بناء الوعي تتم عبر دمج البعد الأخلاقي والقيمي مع البعد العلمي في عمليات التدريب انطلاقاً من البيت والأسرة، مروراً بالمناهج الدراسية والمدارس والجامعات، والمؤسسات الحكومية والقوانين والإعلام والمراكز الثقافية ودور العبادة ووسائل التواصل ومواقع العمل..
وفي إطار هذه المواجهة لا بدّ من إعادة صياغة العلاقة مع التقنية لتوظيفها في خدمة الإنسان، وهذا الأمر يتطلب:
الاستثمار في تعليم العلوم والتقنية.
بناء استراتيجيات وطنية وسياسات هادفة لبناء قدرات خاصة بهذا المجال.
عدم الاكتفاء باستهلاك وتقليد النماذج الأجنبية للذكاء الاصطناعي، والانخراط والمشاركة في عمليات تطوير وابتكار نماذج جديدة بأنظمة تقنية تتناسب مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والدينية لشعوب المنطقة، ووفق معايير إنسانية بحتة كالعدالة والاحترام والرعاية، بحيث يكون محورها الإنسان بدلاً من التقنيات الغربية النفعية التي تختزل قيمة الدور الإنساني في الكفاءة الإنتاجية والمصالح التجارية الضيقة.
والخلاصة: إن النجاة من طوفان التكنولوجيا ستكون من نصيب أصحاب الوعي المبكر والإدراك العميق لطبيعة المرحلة الراهنة، والقدرة على التحكم فيها قبل أن يحكم الذكاء الاصطناعي قبضته على البشر.

