Menu

أيلول الفلسطيني ليس كأي شهر

موسى جرادات

ليس أيلول الفلسطيني هذا العام شهراً كسائر الأشهر. فالحرب التي انهت عامها الثالث لم تعد تُقاس فقط بما يسقط من الشهداء في غزة، ولا بما يجري من اقتحامات واعتقالات في الضفة الغربية، وإنما بما تفعله الحرب في معنى الحياة نفسها: في بيت لا يصلح للسكن، ومدرسة تعود إلى العمل داخل خيمة، وعائلة لا تعرف إن كانت ستنجو من الشتاء المقبل، وقرية في الضفة تُدفع خطوة إضافية نحو العزلة والاقتلاع.

وفي الوقت نفسه، لم يكن ما يجري خارج فلسطين منفصلاً عن المشهد داخل الكيان. ففي تل أبيب و القدس دخلت دولة الاحتلال مرحلة الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول، بينما حمل نتنياهو إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك رواية الكيان عن الحرب، في وقت كانت فيه وفود دولية تغادر القاعة مع بدء خطابه.

هكذا بدا أيلول كأنه شهر واحد بوجهين: فلسطين تنزف على الأرض، ودولة الاحتلال تخوض معركتها السياسية فوق هذه الأرض وفي مواجهة العالم.

أولاً: الشأن الفلسطيني ــ غزة والضفة ومناطق الـ48

غزة: حين يصبح البقاء خبراً يومياً

بعد نحو عام من وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025، كان يفترض أن تبدأ غزة مرحلة مختلفة. لكن أيلول كشف أن انتهاء الحرب واسعة النطاق لا يعني انتهاء الحرب على حياة الفلسطينيين.

فالضربات يقوم بها جيش الاحتلال والقصف والعمليات الأرضية استمرت، فيما بقي نحو ثلثي القطاع غير متاح أو خاضعاً لقيود شديدة. ويقول تقرير منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام إن الغارات والقصف والطائرات المسيّرة والعمليات البرية تواصلت رغم وقف إطلاق النار، بينما بقي المدنيون محصورين في مناطق مكتظة وغير آمنة.

وكان انهيار مبنى سكني متضرر في حي تل الهوى بمدينة غزة في 16 أيلول واحداً من أكثر مشاهد الشهر دلالة. قتل الانهيار 21 شخصاً، بينهم أطفال، فيما بقيت مبانٍ كثيرة أخرى معرضة للخطر. ولم يكن بالإمكان التعامل مع هذه الأبنية بسهولة، لأن عمليات الإنقاذ وإزالة الركام تواجه نقصاً في الآليات الثقيلة والوقود وقطع الغيار والمعدات.

في غزة، لا يتوقف وجع الحرب عند لحظة القصف. هناك ما بعد القصف: الركام، والمفقودون، والمباني الآيلة للسقوط، وشبكات المياه والصرف الصحي المدمرة، والنفايات المتراكمة، والمرض.

وبحسب الأمم المتحدة، جرى انتشال أكثر من 630 جثماناً وبقايا بشرية من تحت المباني المدمرة بين تشرين الثاني 2025 وأيلول 2026، بينما تقدر الدفاع المدني في غزة عدد المفقودين تحت الركام بأكثر من ثمانية آلاف شخص.

وفي أيلول ظهر وجه آخر للمأساة: عودة الأطفال إلى المدرسة.

عاد مئات آلاف الأطفال إلى التعليم الحضوري للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات، لكن العودة لم تكن إلى مدارس طبيعية. فبحسب اليونيسف، تضررت أو دمرت نحو 98% من مدارس غزة، فيما حُرم نحو 660 ألف طالب من التعليم المنتظم. ولهذا أقيمت مساحات تعليم مؤقتة في الخيام والمواقع المتاحة.

حتى المدرسة، التي يفترض أن تكون رمزاً للحياة الطبيعية، باتت في غزة فعلاً استثنائياً.

وتزداد قسوة الصورة مع اقتراب الشتاء. فمعظم سكان القطاع ما زالوا نازحين، وكثيرون يعيشون في خيام ومساكن مؤقتة معرضة للفيضانات والبرد. وفي الوقت نفسه تتواصل أزمة المياه والصرف الصحي والأمراض. وسجلت أكثر من 45 ألف حالة وباء بين 2 آب/ و12 أيلول، إلى جانب انتشار التهابات الجهاز التنفسي والإسهال المائي وأمراض جلدية أخرى.

لهذا يمكن فهم «وجع غزة» في أيلول بوصفه وجعاً يتجاوز عدد الشهداء: إنه وجع مجتمع يحاول أن يعيد إنتاج حياته فوق أنقاض لم تُرفع بعد.

الضفة الغربية: المستوطنون والاقتلاع البطيء

إذا كانت غزة تعيش مأساة الحرب المباشرة، فإن الضفة الغربية تعيش مأساة مختلفة في أدواتها، لكنها متصلة بالنتيجة: تضييق مساحة الوجود الفلسطيني على الأرض.

في الأشهر الثمانية الأولى من 2026، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أدى إلى إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات، بمعدل 6.7 هجمات يومياً، مقابل خمسة هجمات يومياً خلال 2025. وطالت الهجمات 275 تجمعاً فلسطينياً، أي ما يقارب عدد التجمعات التي تعرضت لهجمات طوال عام 2025 بأكمله.

هذه الأرقام لا تحكي وحدها القصة.

فالهجوم على الفلسطيني في الضفة لا يعني بالضرورة إطلاق النار عليه. قد يكون اقتلاع شجرة، أو إحراق مزرعة، أو تدمير شبكة مياه وكهرباء، أو منع مزارع من الوصول إلى أرضه، أو إقامة بوابة جديدة تقطع الطريق أمام عائلة، أو إقامة بؤرة استيطانية تجعل القرية محاصرة تدريجياً.

وفي قرية قُصرة، بقيت ثلاث عائلات فلسطينية معزولة إلى حد كبير لأكثر من خمسة أسابيع بعد إقامة بؤرة استيطانية قريبة، بينما أدت القيود إلى عرقلة الوصول إلى التعليم والمساعدات. وفي قرية أم صفا، أدت توسعة بؤرة استيطانية وبوابة جديدة إلى عزل عائلة فلسطينية عن بقية القرية وسط اعتداءات وترهيب متكرر.

وفي النصف الأول من أيلول وحده، أدت عمليات هدم في مسافر يطا إلى تهجير 57 فلسطينياً، بينهم 27 طفلاً. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ عدد الفلسطينيين الذين هُجروا بسبب عمليات الهدم في الضفة خلال 2026 نحو 1500 شخص بحلول أيلول.

وفي تقرير آخر للأمم المتحدة، ارتفع عدد المهجرين في الضفة خلال العام نتيجة عنف وارهاب المستوطنين والهدم والإخلاء إلى نحو 3800 شخص، يقارب نصفهم من الأطفال. كما وثقت الأمم المتحدة منذ 2023 تعرض 127 تجمعاً فلسطينياً لنزوح كلي أو جزئي.

ولذلك فإن ما يحدث في الضفة ليس مجرد ارتفاع في عدد الاعتداءات؛ إنه تغيير تدريجي في شروط الحياة الفلسطينية: الأرض تصبح أصعب وصولاً، والطريق يصبح أخطر، والماء يصبح أقل أمناً، والقرية تصبح أكثر عزلة.

ولم يكن أيلول خالياً من المواجهات والعمليات المسلحة لرجال المقاومة . ففي 20 أيلول قتل مقاوما فلسطينيا جندي من قوات الاحتلال قرب مستوطنة نيفي تسوف، بينما قتلت قوات الاحتلال فلسطينياً قرب مستوطنة جانيم، بعدما قالت إنه حاول تنفيذ عملية دهس، وهي رواية قالت رويترز إنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة.

وفي هذا السياق، حذر الأمين العام للأمم المتحدة في 22 أيلول من تسارع الاستيطان وعنف المستوطنين والهدم والإخلاء والتهجير ومصادرة الأراضي، قائلاً إن الشروط اللازمة لقيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة تتآكل.

مناطق الـ48: الجريمة تحصد الفلسطينيين في الداخل

في مناطق الـ48، اتخذ الألم شكلاً آخر.

فالمجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الاخضر دخل أيلول وهو يحمل حصيلة ثقيلة من جرائم القتل والعنف المسلح. ومع بداية الشهر كان عدد ضحايا الجريمة والعنف منذ مطلع العام قد بلغ 154 ضحية، وفق موقع «عرب 48»، بعد مقتل سبعة أشخاص خلال آب وحده.

ثم جاء أيلول نفسه محملاً بسلسلة من الجرائم: أربعة قتلى في الناصرة خلال 24 ساعة في بداية الشهر، ثم جرائم إطلاق نار في طمرة والطيبة وأم الفحم ويافا والناصرة، وصولاً إلى مقتل ثلاثة من جلجولية عُثر على جثامينهم داخل سيارة محترقة في 13 أيلول.

ولم تقتصر الأزمة على الجريمة المنظمة. فقد أشارت «عرب 48» في 2 أيلول إلى مقتل ثمانية مواطنين عرب برصاص اشرطة الاحتلال منذ بداية العام، وسط مطالبات من عائلات الضحايا بتحقيقات مستقلة وشفافة.

وهكذا بدا الفلسطينيون في أيلول أمام ثلاث ساحات مختلفة للألم: غزة حيث الدمار والنزوح، والضفة حيث الاستيطان وعنف المستوطنين والاقتلاع، والداخل حيث الجريمة والعنف المسلح.

لكن الساحات الثلاث، رغم اختلاف أسبابها المباشرة، اجتمعت في شيء واحد: الفلسطيني يدفع ثمن واقع أمني وسياسي يزداد قسوة.

من الميدان الفلسطيني إلى دولة الكيان: حين تتحول الوقائع إلى معركة سياسية

لكن هذا المشهد الفلسطيني لا يبقى خارج دولة الاحتلال. فما يجري في غزة والضفة ومناطق الـ48 يدخل مباشرة في النقاش الصهيوني حول الأمن، والحرب، والاستيطان، ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.

وبقدر ما كان أيلول شهراً ثقيلاً على الفلسطينيين، كان أيضاً شهراً سياسياً بالغ الحساسية في دولة الاحتلال . فالحرب أصبحت جزءاً من الحملة الانتخابية، والاستيطان والضفة وغزة والعلاقة مع العالم كلها دخلت في الحسابات التي ستُحسم في صناديق الاقتراع.

ومن هنا يبدأ القسم الثاني من صورة أيلول: دولة الاحتلال التي تدير الحرب في الخارج، وتخوض انتخابات في الداخل، وتحاول في الأمم المتحدة الدفاع عن صورتها وروايتها.الانتخابات ونتنياهو في الأمم المتحدة

انتخابات 27 تشرين الأول: سباق بلا حسم

تتجه دولة الاحتلال إلى انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول، وهي الانتخابات العامة الأولى منذ السابع من أكتوبر 2023. وقد أقر الكنيست في حزيران مشروع حل الكنيست، مع تثبيت الإطار الانتخابي الذي ينتهي بالاقتراع في 27 تشرين الأول.

لكن أيلول لم يقدم صورة انتخابية محسومة.

الاستطلاعات المنشورة خلال الشهر أظهرت تقارباً كبيراً بين معسكر نتنياهو والقوى المعارضة له، مع بقاء الأحزاب العربية رقماً مهماً في الحسابات البرلمانية.

ففي استطلاع نشرته «تايمز أوف إسرائيل» في 24 أيلول، حصل كل من المعسكر المؤيد لنتنياهو والمعسكر المعارض له على 53 مقعداً، بينما حصلت الأحزاب العربية على 14 مقعداً؛ أي أن كلا المعسكرين بقي بعيداً عن عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة.

وفي استطلاع «معاريف» الذي نُشر في 25 أيلول، تغيرت الصورة إلى 49 مقعداً لمعسكر الحكومة و55 للمعارضة الصهيونية، إضافة إلى 12 مقعداً للأحزاب العربية.

وتكشف هذه النتائج شيئاً أساسياً عن الانتخابات : المعركة ليست فقط بين حزبين كبيرين، وإنما حول كيفية تركيب ائتلاف من 61 نائباً.

ولهذا تصبح الأحزاب الصغيرة ذات أهمية كبيرة، كما تصبح نتيجة الأحزاب العربية ذات تأثير محتمل في الحسابات البرلمانية، من دون أن يعني ذلك مسبقاً أي صيغة حكومية ستتشكل بعد الانتخابات.

كما أظهرت الاستطلاعات تقارباً بين الليكود وحزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت. وفي استطلاع 25 أيلول حصل كل منهما على 22 مقعداً في متوسط استطلاعات حديثة أوردها موقع تتبع الانتخابات «The Petek».

الصورة إذن ليست صورة حسم، بل صورة برلمان محتمل شديد التجزؤ، حيث يمكن لأحزاب صغيرة وقرارات ائتلافية أن تغير شكل الحكومة المقبلة.

نتنياهو في الأمم المتحدة: الخطاب والقاعة

في 24 أيلول وصل المشهد الإسرائيلي إلى نيويورك.

وقف بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للدفاع عن سياسة حكومته وحربها، لكن المشهد الذي رافق الخطاب كان لافتاً: عشرات الوفود غادرت القاعة مع بدء كلمته.

كان نتنياهو قد أعلن قبل توجهه إلى نيويورك أنه سيستخدم المنبر الدولي للدفاع عن الكيان والرد على منتقديها، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب في غزة.

لكن مغادرة الوفود لم تكن مجرد تفصيل بروتوكولي. لقد قدمت صورة بصرية عن المسافة المتزايدة بين الخطاب الاحتلالي الرسمي وبين جزء كبيرمن المجتمع الدولي في ملف غزة.

وكان نتنياهو يخاطب الأمم المتحدة في الوقت نفسه الذي كانت فيه تقارير المنظمة الدولية نفسها تتحدث عن غزة التي لم تتعافَ، وعن استمرار العنف والقيود، وعن الضفة التي يتصاعد فيها عنف المستوطنين والتهجير.

وفي 22 أيلول، قال الأمين العام للأمم المتحدة إن الاستيطان يتسارع، وإن العنف والتهجير ومصادرة الأراضي تقوض بصورة متزايدة إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

وفي 24 أيلول، صدر تقرير المنسق الخاص للأمم المتحدة يقول إن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمر بضغوط إنسانية واقتصادية وسياسية شديدة، وإن عنف المستوطنين في الضفة بلغ مستويات غير مسبوقة، فيما بقي نحو ثلثي غزة خاضعاً لقيود وصول شديدة.

وهنا تتضح مفارقة أيلول كلها.

نتنياهو كان يتحدث في نيويورك عن إسرائيل والعالم، بينما كانت غزة تتحدث عن نفسها بالركام، وكانت الضفة تتحدث بأشجار اقتُلعت وبيوت هُدمت وقرى عُزلت، وكان الداخل الفلسطيني يتحدث بأرقام القتلى.

أيلول: شهر واحد وثلاثة وجوه للفلسطينيين

ربما لهذا السبب تحديداً لا يمكن قراءة أيلول الفلسطيني باعتباره مجرد شهر آخر في الحرب.

في غزة، كان السؤال هو: كيف يعيش الفلسطيني بعد أن دُمرت شروط الحياة؟

وفي الضفة، كان السؤال: كيف يبقى الفلسطيني على أرضه بينما تتوسع المستوطنات وتزداد هجمات المستوطنين والقيود؟

وفي مناطق الـ48، كان السؤال: كيف يحمي الفلسطيني حياته في مجتمع تحصد فيه الجريمة أرواحاً بصورة متكررة؟

وفي دولة الاحتلال، كان السؤال السياسي: ماذا ستفعل صناديق الاقتراع بحكومة نتنياهو، وبالمعسكرات التي تتنافس على تشكيل الحكومة المقبلة؟

أما في نيويورك، فكان السؤال الأوسع: إلى أي مدى تستطيع دولة الاحتلال أن تواصل الدفاع عن روايتها أمام عالم يرى يومياً صور غزة وأرقامها وتقارير الأمم المتحدة عن الضفة؟

لهذا ليس أيلول الفلسطيني كأي شهر.

إنه شهر تتجاور فيه مأساة غزة، واقتلاع الضفة، وجريمة الداخل، وانتخابات الكيان، ومشهد نتنياهو في الأمم المتحدة.

شهرٌ لا تبدو فيه فلسطين جبهة واحدة، بل ثلاث ساحات متباعدة في الشكل ومتصلة في المصير؛ ولا تبدو دولة الاحتلال تواجه حرباً خارجية فقط، بل مجتمعاً يدخل انتخابات وهو يحمل على كتفيه نتائج حرب لم تُغلق ملفاتها بعد.

ولعل الصورة السؤال لأيلول كله تكمن في مفارقة بسيطة: في الوقت الذي كانت فيه دولة الاحتلال تستعد لاختيار كنيست جديد، كان الفلسطينيون يكافحون من أجل شيء أكثر بدائية من الانتخابات والسياسة: أن يجدوا مكاناً آمناً ينامون فيه، وطريقاً يصلون عبره إلى بيوتهم، ومدرسة يعود إليها أطفالهم، وأرضاً يستطيعون الوصول إليها.

وهنا تحديداً يصبح أيلول أكثر من مجرد شهر في التقويم الفلسطيني.

إنه شهر اختصر، في أسابيع قليلة، مأساة فلسطين وأزمة الكيان معاً.