تمهيد: ليست المسألة انتخابات... بل أيُّ نظام وطني نريد
تأتي مبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، المعروفة بعنوان «خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني»، في لحظة فلسطينية استثنائية تتقاطع فيها الحرب والدمار والاستيطان والتهجير ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني مع أزمة عميقة في النظام السياسي الفلسطيني ذاته. وقد طرحت الجبهة الشعبية مبادرتها باعتبارها ورقة وطنية مفتوحة للنقاش والتعديل والإثراء، تنطلق من تقديم المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفصائلية والحزبية، وتدعو إلى حوار وطني شامل، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والتعددية والديمقراطية.
ومن هنا، فإن القراءة الصحيحة للمبادرة لا ينبغي أن تختزلها في سؤال: هل تريد الجبهة تأجيل الانتخابات أم إجراءها؟
فهذا السؤال، على أهميته، يبقى سؤالًا إجرائيًا أمام سؤال أكبر بكثير:
أيُّ فلسطين نريد أن نبني؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يمثل شعبها؟ وما هي المؤسسة الوطنية التي ينبغي أن تحمل هذا القرار؟
إن جوهر المأزق الفلسطيني اليوم لا يكمن فقط في غياب الانتخابات، ولا في انتهاء مدد بعض المؤسسات، ولا في الخلاف على تشكيل المجلس الوطني أو المجلس التشريعي، وإنما في الخلل الذي أصاب العلاقة بين الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، وبين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وبين الداخل والشتات، وبين القرار السياسي الرسمي وأشكال المقاومة والنضال الوطني.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تبدو مبادرة الجبهة الشعبية جديرة بقراءة وطنية تتجاوز الحسابات الفصائلية والانتخابية؛ لأنها تطرح، بصورة مباشرة، فكرة الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة جذوره وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
أولًا: لماذا تأتي المبادرة الآن؟
لم تأتِ المبادرة في فراغ سياسي، فالجبهة الشعبية تصف المرحلة الراهنة بأنها مرحلة مفصلية يواجه فيها الشعب الفلسطيني حربًا ودمارًا وحصارًا في قطاع غزة، بالتوازي مع الاستيطان والضم والتهجير في الضفة الغربية و القدس ، ومحاولات إضعاف قضية اللاجئين، إلى جانب استمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار الفلسطيني.
وفي الوقت نفسه، يجري التحضير لاستحقاقات انتخابية فلسطينية جديدة. وقد صودق في حزيران/ يونيو 2026 على نظام انتخابي للمجلس الوطني حدد عضويته بـ350 عضوًا، منهم 200 عن الأراضي الفلسطينية و150 عن الخارج والشتات، ونص على الاقتراع المباشر والتمثيل النسبي الكامل حيثما أمكن، وعلى اللجوء إلى المجمعات الانتخابية أو التوافق في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات. كما حُدد الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2026 موعدًا لانتخابات المجلس الوطني.
وهنا تظهر أهمية السؤال الذي أثارته الجبهة:
هل يمكن إجراء الانتخابات بمعزل عن الأزمة الوطنية التي يفترض أن تعالجها؟
أم أن الانتخابات ينبغي أن تكون ثمرة توافق وطني سابق، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام داخل مؤسسات جديدة؟ هذه هي النقطة التي تمنح المبادرة أهميتها.
فالجبهة لا تطرح، وفق نصها الرسمي، الانتخابات بوصفها أمرًا مرفوضًا، بل تؤكد أن الانتخابات حق ديمقراطي أصيل ووسيلة لتجديد الشرعيات، لكنها ترى أن المرحلة الانتقالية التوافقية ينبغي أن تكون مدخلًا ضروريًا للانتخابات وليست بديلًا عنها أو تأجيلًا مفتوحًا لها. وهذا التفريق جوهري.
ثانيًا: من «انتخابات لتجديد المؤسسات» إلى «توافق لإعادة بناء النظام»
في الوضع الفلسطيني الطبيعي يمكن أن تكون المعادلة:
انتخابات ← نتائج ← مؤسسات جديدة.
لكن الواقع الفلسطيني أكثر تعقيدًا.
فنحن أمام شعب موزع بين الوطن والشتات، واحتلال قائم، وانقسام جغرافي وسياسي، وقوى رئيسية خارج بعض مؤسسات منظمة التحرير، ومراكز قرار متعددة، وسلطة محدودة الصلاحيات، ومنظمة تحرير يفترض أن تمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده.
لذلك تقترح الجبهة، عمليًا، إعادة ترتيب التسلسل: حوار وطني شامل ← توافق على البرنامج والقواعد ← مرحلة انتقالية ← إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير ← انتخابات شاملة.
وهذا ليس مجرد تغيير في الترتيب الزمني إنه تغيير في فلسفة العملية السياسية نفسها. فالانتخابات لا تصبح هنا غاية مستقلة، وإنما تصبح أداة لتجديد الشرعية بعد الاتفاق على طبيعة النظام الوطني الذي ستعمل داخله.
وهذا ينسجم مع النص الرسمي للمبادرة الذي يدعو إلى حوار ثنائي وجماعي، وصولًا إلى اجتماع للأمناء العامين للفصائل، للبحث في احتياجات الشعب الفلسطيني، وإدارة الصراع مع الاحتلال، وأشكال المقاومة والنضال، وقواعد الشراكة الوطنية، ثم الاتفاق على استراتيجية وبرنامج سياسي وطني مشترك.
وهنا أرى أن أهم ما ينبغي التقاطه هو أن الجبهة لا تقول:
»لا انتخابات«. بل تقول: لا تجعلوا الانتخابات ساحة جديدة للانقسام.
وهذا فارق سياسي كبير.
ثالثًا: منظمة التحرير هي مركز القضية
إذا كان للمبادرة محور مركزي، فهو في تقديري إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية.
فالمنظمة لم تنشأ باعتبارها مؤسسة محلية للضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما تأسست عام 1964 إطارًا لتمثيل الفلسطينيين، وصادق المجلس الوطني الأول على الميثاق والنظام الأساسي للمنظمة وانتخب اللجنة التنفيذية. ثم شهدت المنظمة لاحقًا تحولات كبرى، كان من أبرزها انضمام الفصائل الفدائية إليها في دورة المجلس الوطني الخامسة عام 1969.
وهذه التجربة التاريخية تحمل درسًا مهمًا: منظمة التحرير نجحت عندما استطاعت أن تتسع للتعدد الفلسطيني، لا عندما حاول طرف واحد اختزال فلسطين في نفسه.
ولهذا فإن إعادة بناء المنظمة لا تعني إلغاء تاريخها، ولا هدم مؤسساتها، ولا خلق إطار فلسطيني بديل عنها. بل تعني إعادة المنظمة إلى وظيفتها الوطنية الجامعة.
فالمنظمة ينبغي أن تكون البيت السياسي الذي تتسع داخله الاختلافات، لا المؤسسة التي تُقصى منها القوى المختلفة.
والسؤال هنا ليس: هل تتفق فتح مع حماس؟ أو: هل تتفق الجبهة الشعبية مع الجهاد؟ أو: هل تتفق الفصائل اليسارية والإسلامية؟ بل السؤال: هل تستطيع هذه القوى جميعًا أن تتفق على قواعد وطنية مشتركة تحكم اختلافها؟
إذا كان الجواب نعم، فإن منظمة التحرير تستطيع أن تصبح من جديد إطارًا جامعًا.
أما إذا بقيت المنظمة انعكاسًا لانقسام القوى الفلسطينية، فإنها ستظل عاجزة عن أداء وظيفتها التاريخية.
المقاومة والسياسة... كيف ننتقل من التناقض إلى التكامل؟
هذه من أكثر القضايا حساسية في أي حوار فلسطيني مقبل.
فالمبادرة الرسمية للجبهة الشعبية لا تتجاهل هذه المسألة؛ بل تدعو اجتماع الأمناء العامين إلى البحث في إدارة الصراع مع الاحتلال وأشكال المقاومة والنضال، وتدعو إلى توحيد أشكال العمل السياسي والشعبي والقانوني والدبلوماسي والمقاومة ضمن استراتيجية وطنية موحدة.
وهذا يفتح بابًا مهمًا للحوار.
ما هي المرحلة الانتقالية؟
إذا كانت المرحلة الانتقالية مجرد وسيلة لتأجيل الانتخابات، فسوف تفقد المبادرة جزءًا أساسيًا من معناها.
أما إذا كانت مرحلة محددة المدة، محددة المهام، محددة الصلاحيات، وتخضع للرقابة والمساءلة، وتنتهي حتمًا بانتخابات شاملة، فإنها يمكن أن تكون جسرًا للخروج من المأزق.
والجبهة نفسها تؤكد أن المرحلة الانتقالية ليست بديلًا عن الانتخابات، وإنما مدخل ضروري لها. ولهذا أقترح أن تتحول هذه الفكرة إلى صيغة أكثر وضوحًا:
المرحلة الانتقالية ينبغي أن تقوم على ستة شروط: سقف زمني واضح وغير قابل للتمديد إلا بتوافق وطني معلن. هيئة انتقالية توافقية لا يهيمن عليها فصيل واحد. مهام محددة تشمل توحيد المؤسسات، دعم صمود الشعب، إعادة بناء منظمة التحرير، وإعداد البيئة الانتخابية. برنامج سياسي وطني مكتوب يوافق عليه المشاركون. آلية رقابة ومساءلة مستقلة تراقب تنفيذ الاتفاق. موعد انتخابي محدد مسبقًا لا يبقى رهينة التقديرات السياسية المتغيرة. وبهذا تصبح المرحلة الانتقالية أداة للانتقال، لا بديلًا دائمًا عن الديمقراطية.
التحالفات الانتخابية لا ينبغي أن تسبق الاتفاق الوطني
المرحلة الحالية تشهد نقاشًا واسعًا حول التحالفات الانتخابية المحتملة. لكن هناك فرقًا بين: تحالف انتخابي وتحالف وطني استراتيجي.
التحالف الانتخابي قد ينشأ من تقاطع مصالح مرحلي. أما التحالف الوطني فيحتاج إلى برنامج واضح وقواعد معلنة. ومن هنا فإن المعيار الذي ينبغي اعتماده ليس أسماء الأشخاص فقط، ولا التاريخ السياسي فقط، ولا الحسابات الانتخابية وحدها.
المعيار هو: ما البرنامج الذي سيجمع الأطراف؟ هل يحمي القرار الوطني؟
هل يضمن حق تقرير المصير؟ هل يحمي حق العودة؟ هل يحافظ على القدس؟
هل يرفض التهجير والضم والاستيطان؟ هل يعيد بناء منظمة التحرير؟ هل يضمن الشراكة؟ هل يقبل التداول الديمقراطي؟ هل يرفض الإقصاء؟ هل يضع القرار الوطني فوق الحسابات الخارجية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحكم أي تحالف فلسطيني.
مقترحات:
1. تشكيل لجنة وطنية تحضيرية موسعة
تضم ممثلين عن الفصائل والقوى السياسية والمستقلين والشخصيات الوطنية والاتحادات والجاليات والمجتمع المدني والشباب والمرأة.
2. عقد حوارات ثنائية وجماعية سريعة
ليس بهدف تبادل البيانات، وإنما لتحديد نقاط الاتفاق والخلاف.
3. عقد اجتماع للأمناء العامين
على أن يكون اجتماعًا مقررًا لا احتفاليًا، وأن يخرج بقرارات واضحة.
4. صياغة وثيقة وطنية جامعة
تحدد الثوابت والأهداف والحقوق وآليات إدارة الخلاف.
5. تشكيل هيئة انتقالية وطنية
محددة الصلاحيات والمدة والمهام.
6. إعادة بناء منظمة التحرير
على أساس الشراكة والتعددية والتمثيل الديمقراطي.
7. إعادة بناء المجلس الوطني
وفق انتخابات مباشرة حيثما أمكن، وآليات توافقية شفافة حيث يتعذر الاقتراع، مع ضمان تمثيل الشتات.
8. تشكيل حكومة توافق وطنية انتقالية
مهمتها توحيد المؤسسات ودعم صمود الشعب والتحضير للانتخابات.
9. إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني
في أقرب إطار زمني متفق عليه، وبصورة متزامنة حيث يكون ذلك ممكنًا.
10. توقيع ميثاق شرف وطني
وهذا بند ورد صراحة في المبادرة، التي تدعو بعد الحوار الوطني الشامل إلى توقيع ميثاق يضمن التزام الكل الوطني بمخرجات الحوار.
ما الذي يجب أن يحميه الميثاق الوطني الجديد؟
أي توافق فلسطيني جديد يحتاج إلى قاعدة مرجعية.
والمرجعية لا ينبغي أن تكون اتفاقًا ظرفيًا بين قيادات، بل مجموعة مبادئ وطنية ثابتة .ومن أهمها:
أولًا: فلسطين قضية شعب، وليست قضية سلطة أو حكومة.
ثانيًا: الشعب الفلسطيني واحد في الوطن والشتات.
ثالثًا: حق تقرير المصير حق أصيل للشعب الفلسطيني.
رابعًا: حق العودة حق وطني لا يسقط بالتقادم.
خامسًا: القدس جزء أساسي من القضية الوطنية الفلسطينية.
سادسًا: مقاومة الاحتلال والنضال الوطني يجب أن يناقشا ضمن استراتيجية وطنية جامعة.
سابعًا: القرار الوطني الفلسطيني يجب أن يكون مستقلًا عن أي وصاية خارجية.
ثامنًا: لا إقصاء سياسيًا لأي قوة فلسطينية تقبل بالقواعد الوطنية المشتركة.
تاسعًا: لا يجوز لأي فصيل احتكار القرار الوطني.
عاشرًا: لا يجوز لأي شخص أو عائلة أو مجموعة تحويل الموقع الوطني إلى إرث سياسي.
حادي عشر: الانتخابات حق وطني، لكنها أداة لتجديد الشرعية وليست بديلًا عن المشروع الوطني.
ثاني عشر: منظمة التحرير هي الإطار الوطني الجامع، وإعادة بنائها تكون من خلال توسيع تمثيلها لا تفريغها من مضمونها.
ثالث عشر: ما الذي ينبغي أن تحمله الجبهة الشعبية إلى الحوار؟
إذا أرادت الجبهة أن تحافظ على قوة مبادرتها، فإن مسؤوليتها لا تنتهي بطرحها.
المبادرة أصبحت الآن ملكًا للنقاش الوطني. وهذا في حد ذاته عنصر قوة. لكن عليها أن تساعد في حماية جوهرها من احتمالين متناقضين:
الأول: أن تُرفض المبادرة لمجرد أنها صادرة عن الجبهة الشعبية.
والثاني: أن تُقبل شكليًا ثم يجري تفريغها من مضمونها عبر المحاصصة والمقاعد والمواقع. ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن تفعله الجبهة هو أن تقول بوضوح: نحن لا نطلب من الآخرين أن يتبنوا برنامج الجبهة الشعبية. نحن نطلب أن نتفق على برنامج الشعب الفلسطيني. وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالمبادرة التي تنجح هي التي تستطيع أن تنتقل من: »مبادرة الجبهة الشعبية»
إلى: أرضية وطنية فلسطينية». وهنا يصبح دور الجبهة أكبر من حجمها التنظيمي والانتخابي. إنها تستطيع أن تكون طرفًا في بناء الجسر بين القوى المختلفة.
رابع عشر: المطلوب ليس «طرفًا ثالثًا» بل «مساحة وطنية ثالثة».
ربما يكون هذا من أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من المبادرة. الفلسطينيون لا يحتاجون بالضرورة إلى فصيل ثالث ينافس فتح وحماس. هم بحاجة إلى مساحة وطنية تتجاوز الاستقطاب الثنائي.
مساحة تقول: لسنا مع فتح ضد حماس. ولسنا مع حماس ضد فتح. ولسنا مع هذا الشخص ضد ذاك الشخص. لسنا مع السلطة ضد المقاومة. ولا مع المقاومة ضد المؤسسات. بل نحن مع: فلسطين. ومع: وحدة الشعب. ومع: استقلال القرار. ومع: الحرية والعودة وتقرير المصير. ومع: منظمة تحرير تستوعب الجميع. هذه هي المساحة التي يمكن أن تسمح بتحويل الخلاف الفلسطيني من صراع على السلطة إلى تنافس داخل مشروع وطني واحد.
خامس عشر: نحو عقد وطني فلسطيني جديد
لقد آن الأوان للانتقال من اتفاقات المصالحة المؤقتة إلى ما يمكن تسميته:
«العقد الوطني الفلسطيني» وهذا العقد ينبغي ألا يكون اتفاقًا على تقاسم السلطة.
بل اتفاقًا على: من نحن؟ ما قضيتنا؟ من يمثلنا؟ ما حقوقنا؟ ما شكل مؤسساتنا؟
كيف نختلف؟ كيف ننتخب؟ كيف نحاسب القيادة؟ كيف نضمن مشاركة الشتات؟ كيف نحمي القرار الوطني؟ كيف نوحد العمل السياسي والمقاوم والشعبي والقانوني والدبلوماسي؟ وكيف نحافظ على وحدة الشعب الفلسطيني في مواجهة مشاريع الاحتلال والضم والتهجير وتصفية القضية؟
هذا العقد هو الذي يجب أن يسبق أي معركة انتخابية كبرى. فالانتخابات يمكن أن تنتج برلمانًا. لكن العقد الوطني هو الذي ينتج نظامًا سياسيًا.
سادس عشر: هل المبادرة قابلة للنجاح؟
لا ينبغي التعامل مع نجاح المبادرة أو فشلها بمنطق التمنيات.
هناك عقبات حقيقية: اختلاف البرامج السياسية. انعدام الثقة بين القوى. تاريخ طويل من الانقسام. تضارب المصالح. تدخلات إقليمية. ضغط دولي. واقع الاحتلال. تباين الرؤية حول المقاومة. الخلاف على السلطة. الخلاف على منظمة التحرير. والخشية المتبادلة من أن يستخدم أي طرف التوافق مرحلةً للانقضاض على الطرف الآخر. لكن هذه الصعوبات لا تلغي الحاجة إلى المبادرة. بل تؤكدها. فالخلاف الفلسطيني لن يختفي. والسؤال الواقعي ليس:
كيف نجعل الفلسطينيين متفقين في كل شيء؟ بل: كيف نجعل الفلسطينيين مختلفين داخل إطار وطني واحد؟ وهذا هو جوهر السياسة الديمقراطية.
الخلاصة: من «من يملك المقاعد؟» إلى «من يملك فلسطين في القرار؟».
أعتقد أن القيمة الحقيقية لمبادرة الجبهة الشعبية لا تكمن في أنها تقترح تأخير الانتخابات أو تنظيمها، ولا في أنها تقدم صيغة انتخابية بعينها.
القيمة الأعمق أنها تعيد طرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلًا: كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني قبل أن يصبح النظام الانتخابي مجرد وسيلة لإعادة إنتاجه؟ إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى تغيير أسماء فقط. ولا يحتاج إلى إعادة توزيع المقاعد فقط. ولا يحتاج إلى تغيير حكومة بحكومة. ولا إلى رئيس برئيس. إنه يحتاج إلى استعادة المعنى الوطني للمؤسسة. يحتاج إلى منظمة تحرير تستوعب شعبه كله. ومجلس وطني يشارك فيه الداخل والشتات. وقيادة لا تقوم على التوريث أو الاحتكار. وتمثيل ديمقراطي حقيقي. وبرنامج وطني يحمي الحقوق غير القابلة للتصرف. وآلية لاتخاذ القرار لا تسمح لفصيل واحد، أو شخص واحد، أو مجموعة واحدة، باختزال الشعب كله.
ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة، أياً كان موعدها النهائي وترتيباتها، ينبغي ألا تكون نهاية النقاش، بل ثمرة لنقاش وطني أعمق.
إن الانتخابات مهمة. لكنها ليست فلسطين. والسلطة مهمة. لكنها ليست فلسطين.
والفصائل مهمة. لكنها ليست فلسطين. حتى منظمة التحرير نفسها، رغم مكانتها التاريخية، ليست غاية في ذاتها؛ فهي أداة الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية لحماية حقوقه وتمثيله وقيادة نضاله من أجل الحرية. أما فلسطين فهي أكبر من الجميع. ولهذا فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة هو: هل نعيد بناء مؤسسة تخدم الشعب، أم نعيد بناء الشعب حول مؤسسة؟
والإجابة الوطنية الصحيحة، في تقديري، واضحة:
الشعب أولًا.
ومن هنا يمكن قراءة مبادرة الجبهة الشعبية باعتبارها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات: من الانتخابات إلى التوافق، ومن التوافق إلى العقد الوطني، ومن العقد الوطني إلى إعادة بناء منظمة التحرير، ومن إعادة البناء إلى انتخابات شاملة، ومن الانتخابات إلى شرعية وطنية متجددة، ومن الشرعية إلى استراتيجية وطنية موحدة. إنها دائرة ينبغي أن تنتهي في مكان واحد: استعادة القرار الوطني الفلسطيني. فالقرار الوطني ليس ملكًا لفصيل. ولا لرئيس. ولا لحكومة. ولا لسلطة. ولا للجنة تنفيذية. ولا لمجلس وطني يُشكّل بعيدًا عن إرادة الناس. إنه حق الشعب الفلسطيني كله. حق الفلسطيني في غزة والضفة والقدس. وحق الفلسطيني في مخيمات اللجوء. وحق الفلسطيني في الأردن وسورية ولبنان. وحق الفلسطيني في الخليج وأوروبا والأمريكيتين وسائر الشتات.
إنه حق الفلسطيني الذي يحمل وطنه في بيته، وفي ذاكرته، وفي اسمه، وفي أبنائه. ولهذا فإن استعادة القرار الوطني لا تبدأ بالسؤال: من سيأخذ كم مقعدًا؟
بل تبدأ بالسؤال: كيف يستعيد الشعب الفلسطيني حقه في أن يكون صاحب القرار في قضيته؟ وهنا بالضبط تكمن القيمة التي يمكن أن تتحول إليها مبادرة الجبهة الشعبية: أن تنتقل من خارطة طريق قدمتها جبهة إلى مسار وطني تتبناه القوى الفلسطينية مجتمعة؛ ومن ورقة سياسية إلى عقد وطني؛ ومن اعتراض على انتخابات أو آليات تشكيل مجلس إلى مشروع متكامل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؛ ومن بيانات الرفض إلى خطوات عملية؛ ومن إدارة الانقسام إلى إنهاء أسبابه السياسية والمؤسسية؛ ومن التنافس على مواقع القيادة إلى إعادة القيادة للشعب. وإذا نجح الفلسطينيون في الوصول إلى هذه الصيغة، فإن الانتخابات تصبح عندها ما ينبغي أن تكونه فعلًا: وسيلة ديمقراطية لتجديد الشرعية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام. وتصبح منظمة التحرير ما ينبغي أن تكونه: بيتًا وطنيًا جامعًا، لا ساحة نفوذ. وتصبح السلطة ما ينبغي أن تكونه: مؤسسة في خدمة المشروع الوطني، لا بديلًا عنه. وتصبح الفصائل ما ينبغي أن تكونه: أدوات في خدمة الشعب، لا أوصياء عليه. ويصبح الاختلاف السياسي: تعددًا داخل الوحدة، لا انقسامًا ضد الوحدة. ويبقى السقف الذي لا ينبغي أن ينخفض عنه أي توافق فلسطيني: الحرية، والكرامة، والعودة، والاستقلال، والقدس، وحق تقرير المصير، ووحدة الشعب الفلسطيني، وصيانة قراره الوطني المستقل. إن فلسطين ليست سلطة نبحث عمن يديرها. وليست مقاعد نبحث عمن يشغلها. وليست منظمة نبحث عمن يملك مفاتيحها. فلسطين وطنٌ وقضيةٌ وشعبٌ وحق. ومن أجل هذا الوطن، وهذه القضية، وهذا الشعب، وهذا الحق، ينبغي أن تكون الأولوية الآن: أن نعيد بناء البيت الوطني قبل أن نتقاتل على مفاتيحه.

