Menu

مثقف الشتات الفلسطيني في زمن التحولات

وليد محمد

لم يكن الشتات الفلسطيني مجرد جغرافيا قسرية فرضتها النكبة الكبرى وإنما تحول بمرور الوقت إلى خزان بشري وثقافي أعطى لفلسطين معناها السياسي والتحرري وبرز دور المثقف ليس بوصفه حارساً للذاكرة فحسب بل باعتباره مقاوماً لمحاولات التذويب وطمس الهوية ومدافعاً عن السردية الفلسطينية وسفيراً لها إلى العالم وتحوله إلى أحد أهم روافع الثورة الفلسطينية المعاصرة حيث أسهم في صياغة خطابها فكانت القصيدة والرواية واللوحة والصحافة والكتاب والأبحاث والصوت والصورة وكان جبرا إبراهيم جبرا و غسان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي وإسماعيل شموط وإدوارد سعيد وفيصل دراج وحسن حميد وإبراهيم نصرالله ومع تبدل الخرائط السياسية والتحولات الكبرى الني شهدتها القضية الفلسطينية ووصولها إلى هذه المرحلة المعقدة واختلاف أدوات الصراع ومع انحسار دور الثقافة وجد المثقف الفلسطيني في الشتات نفسه أمام تحديات كبيرة تفرض عليه أن يقف بجرأة أمام مسؤولياته الأخلاقية والتاريخية في التأثير والتغيير والدفاع عن القضية .

إن السؤال المهم المطلوب الإجابة عنه هو سبب تراجع دور المثقف الفلسطيني في الشتات وحجم حضوره وتأثيره في هذه اللحظات التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية والتي تتعرض لاختبار وجودي وحرب مفتوحة على كافة المستويات وهذا ما يفرض عليه تحويل مخزونه المعرفي والثقافي والإعلامي والأدبي إلى قوة مادية واجتماعية وسياسية وإعلامية للتأثير في الواقع الداخلي ومخاطبة العالم الخارجي بلغة يفهمها، و لن يكتمل ذلك إلا عندما يصبح إنتاجه جزءاً من عملية بناء الوعي وتشخيص الواقع وفتح آفاق للإجابة عن أسئلة المستقبل، وكما قال غرامشي: ليس المثقف كائناً معلقاً فوق الواقع ولا شخصية مستقلة تماماً عن الشروط الاجتماعية والسياسية التي أنتجته وإنما هو جزء من البنية الاجتماعية يتشكل داخلها ويؤثر فيها في الوقت نفسه وهو ليس مجرد مراقب للواقع بل هو طرف في الصراع على تشكيل الوعي الاجتماعي، والصراع السياسي لا يجري فقط في المؤسسات ومواقع السلطة وإنما يجري أيضاً في مجال الأفكار والثقافة والإعلام والتعليم واللغة والخطاب وهنا يلعب المثقف دوراً أساسياً في إنتاج المعاني التي يفهم المجتمع من خلالها ذاته وواقعه ومستقبله .

إن تراجع دور المثقف الفلسطيني في الشتات ليس بسبب غيابه فهو موجود وإنما بسبب غياب فاعليته وتأثيره في الفضاء الفلسطيني العام وانتقاله إلى مراقب يكتفي بوصف الأحداث دون المساهمة في إنتاج الفعل الذي يغير مسارها ويطرح الأسئلة حولها وقد تجلى ذلك بوضوح بعد التحولات الكبيرة في مسار القضية ولا سيما حرب الإبادة على غزة وما رافقها وما تبعها ولا يمكن الحديث عن ذلك دون التطرق إلى التحول الكبير في مسار القضية الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني في العام 1993 وما شكله من منعطف كبير في التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي الفلسطيني وخاصة أنه نقل مركز الفعل السياسي والثقافي من الشتات إلى الداخل الأمر الذي أدى إلى تراجع الدور التاريخي لمثقفي الشتات وانتقال بعضهم من خطاب التحرر الوطني إلى الخطاب التسووي والبراغماتي مما أدى إلى تفكك المجال الثقافي الوطني الجامع حيث كان أهم أدوار المثقف الفلسطيني قبل أوسلو تجاوز الجغرافيا من المخيمات في الشتات إلى الضفة وغزة وفلسطين 1948 فيما حول أوسلو هذا المجال إلى مساحات سياسية واجتماعية وثقافية متباعدة وذات أولويات واهتمامات مختلفة وانعكس ذلك بشكل كبير على اللغة التي يستخدمونها فبعد أن كانت الثقافة محكومة بشكل كبير بمفردات التحرر والمقاومة والعودة والمخيم والاقتلاع والنكبة والمنفى والهوية لتظهر بعد أوسلو مفردات أخرى كالدولة والسلام والمفاوضات والتنمية والأمن والمؤسسات والحكم والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والقانون والإصلاح الإداري وهذا ما جعل مثقف الشتات يشعر بحالة إقصاء تدريجي للغته التي يعتبرها مكوناً أساسياً من هويته السياسية والثقافية والفكرية، ثم جاءت حالة الانقسام السياسي والجغرافي 2007 لتزيد من حالة الإرباك في الساحة الفلسطينية وتعيد تشكيل الفضاءات الفلسطينية ومنها الفضاء الثقافي وخاصة لدى مثقفي الشتات لأن الانقسام أعاد ترتيب الأولويات السياسية والمؤسساتية وأدى إلى تشظي المؤسسات الوطنية الجامعة وتراجع الأطر القادرة على استيعاب طاقات الشتات ومثقفيه والذين وجدوا أنفسهم أمام أفق ضيق للحركة والتأثير وبدلاً من أن تكون الثقافة منصة جامعة تحولت إلى أحد أسوأ أوجه الانقسام وبدلاً من أن تكون مجالاً لبناء المشترك الوطني أصبحت انعكاساً للواقع السياسي والمناكفة والشيطنة في أحيان كثيرة .

كما برزت مظاهر عديدة وسمت المشهد الثقافي وحركة المثقف في الشتات ومنها فقدانه قدرته على المبادرة وأصبح نشاطه الثقافي يرتبط بدعوة إلى ندوة هنا وأمسية هناك بعد أن كان دوره وحضوره فاعلاً في مراحل تاريخية سابقة بتجاوز حدود الكتابة إلى المبادرة والتنظيم والتأثير في المجال العام وتحول النشاط الثقافي في أحيان كثيرة إلى عمل فردي أو موسمي أو مناسباتي (وهذا ليس تقليلاً من أهمية المناسبات الوطنية والثقافية فهي ضرورية لإحياء الذاكرة والهوية) وأصبح المثقف وكأنه يعمل في بيئة منعزلة عن محيطه السياسي والاجتماعي وبلا شك فإن غياب المؤسسات الوطنية الثقافية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في تفكك الجهود وتبعثرها وغياب مشروع ثقافي وطني ومنظم. كما يلاحظ أن مثقف الشتات الفلسطيني وبدلاً من التوجه إلى البيئة الاجتماعية بكل فئاتها حصر نشاطه في دائرة ضيقة قوامها المثقفون أنفسهم مما يفقده جزءاً كبيراً من دوره وبدل أن يستفيد من التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لكسر العزلة الجغرافية والوصول إلى أكبر قدر ممكن من فئات المجتمع في المخيم والمدينة والمدرسة والمعمل والمهجر ومع الأجيال الجديدة استمر في مخاطبة شريحة محدودة تشاركه الموقف والرأي والاهتمامات ذاتها.

وأمام انتقال المثقف من زمن كانت الصحيفة والكتاب والمجلة والمنبر الثقافي هي الوسائط الأساسية لتقديم إنتاجه إلى أدوات إنتاج جديدة في فضاء رقمي مفتوح ومنصات إلكترونية ووسائل تواصل اجتماعي يبدو أن المثقف لم ينجح بعد في توظيف هذه الأدوات في خدمة مشروعه وذلك ليس لجهله بالتكنولوجيا وإنما لطريقة التعامل معها فالمنصات الرقمية لا تحتاج حضور المثقف وحسب وإنما تحتاج إلى خطاب وطريقة سرد وتقديم ولغة جديدة وسرعة في التفاعل ومعرفة بالأدوات وهذا لا يعني التخلي عن الكتاب أو المقال أو البحث بل يعني توسيع أدواته بحيث يصبح الكتاب أساساً للمعرفة والمقال أداة للتحليل والمنصة وسيلة للوصول والفيديو والرسوم جسوراً للوصول إلى الأجيال الجديدة .

وجد المثقف الفلسطيني في الشتات أيضاً نفسه أمام مؤسسات ثقافية وسياسية واجتماعية محدودة الإمكانيات وترتبط بصورة أو بأخرى بالبنية السياسية والتنظيمية الفلسطينية مما جعل العلاقة ملتبسة بين المثقف والمؤسسة فهو من جهة يحتاج المؤسسة كي تتبنى إنتاجه ومن جهة أخرى تحتاج المؤسسة إلى المثقف كي تعطي لنفسها بعداً معرفياً وثقافياً وتكمن المشكلة حين تفرض المؤسسة حدوداً وأطراً تتناسب مع سياساتها على المثقف وتفقده استقلاليته، أما عن علاقته بالسياسي وللإنصاف فإن الفصائل الفلسطينية لعبت دوراً مهماً في إنتاج النخب الثقافية والمثقفين وصقلت كثيراً من المواهب ومن الظلم النظر إلى علاقة المثقف بالسياسي من باب التبعية فقط والمشكلة تكمن في تحول السياسي إلى مرجعية للمثقف تحدد له ماذا ينتج وماذا يقول بحيث يفقد المثقف دوره النقدي إذ إن المطلوب ليس الفصل بين المثقف والسياسي ولا أن يبتعد المثقف عن مؤسسات شعبه وتنظيماته وإنما بناء علاقة تقوم على الاستقلال والشفافية وأن ينطلق من مثقف تنظيمي إلى الفضاء الثقافي الوطني العام مع احتفاظه بحقه بالنقد والمساءلة وتشريج الظواهر كما هي .

ولا يمكن الحديث عن تراجع دور المثقف الفلسطيني في الشتات دون النظر إلى البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيش فيها فهو مثل غيره يتأثر باستقرارها أو باضطرابها وبهوامش الحرية المتاحة فيها، ولقد أثرت البيئات السياسية والاقتصادية الهشة والتي شهدت حروباً وصراعات ونزاعات مسلحة وتوترات أمنية خلال العقدين الماضيين على الحالة الثقافية الفلسطينية في الشتات وانكفأ المثقف لتأمين لوازم الحياة والبقاء والأمان أكثر من التفاته إلى الإنتاج الثقافي إضافة إلى فقدانه حرية التعبير وإقامة الفعاليات وإنتاج المعرفة وهو لا يلام عندما تكون الضغوط المعيشية كبيرة والاحتياجات أكبر في ظل فقدان الموارد إذ لا يمكن الحديث عن الوضع الاقتصادي للمثقف باعتباره شأناً شخصياً منفصلاً عن الشأن الثقافي فالفقر والبطالة والضغط المعيشي والأمني وتراجع الدخل تؤثر على المثقف وتعيقه .

لا يتحمل المثقف الفلسطيني في الشتات المسؤولية وحده في ظل ضعف وغياب المؤسسات الثقافية الفلسطينية المستقلة إضافة إلى ضعف الموارد والإمكانات المتاحة للعمل الثقافي المستقل وغياب المشاريع الثقافية طويلة الأمد وتراجع مكانة الكتاب والقراءة وانتشار الثقافة الشفوية والموجزات وكذلك سطوة وسائل التواصل الاجتماعي على معظم النشاط الثقافي، ومن الظلم أن تطالب المثقف الفلسطيني في الشتات أن يكون مؤسسة ثقافية كاملة بمفرده كاتباً وصحفياً وباحثاً وناشطاً وممولاً لمشروعاته في الوقت نفسه، فاستعادته لدوره ووظيفته يحتاج إلى مشروع متكامل وليس إلى دعوات أخلاقية فقط وهذا يتطلب بناء شبكة فلسطينية للمثقفين بجميع اختصاصاتهم وإنتاجاتهم في فلسطين والشتات إضافة إلى توظيف أدوات العصر بما يخدم دور ووظيفة المثقف لأن المرحلة الراهنة تحتاج إلى مثقف مختلف مثقف يدرك أن المعركة هي معركة معرفة ووعي ورواية وتكنولوجيا ورأي عام كما يدرك أن فلسطين تحتاج إلى مثقف يحرس الحقيقة ويحمي الذاكرة ويطرح الأسئلة عند الأزمات، مثقف يحول المعاناة الفلسطينية إلى معرفة والمعرفة إلى وعي والوعي إلى مشروع.