Menu

الناقد والتشكيلي غازي انعــيم لمجلة الهدف: تحول الفن من مجرد شغف شخصي إلى رسالة ومسار حياة

بوابة الهدف

عشية إعادة انتخابه ومن جديد كرئيس لرابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين لدورة جديدة 2026- 2028.كان لنا معه هذا اللقاء...حيث تحدث الناقد والفنان التشكيلي غازي انعيم عن مسيرته الفنية في عالم الريشة والألوان.. إلى عالم الكلمة والنقد الفني ...في رحلة تجاوزت الأربعين عاماً... جال فيها على بداياته الفنية والتطور الذي أصاب إنتاجه وإبداعه الفني.. متنقلاً في الحديث عن المهام الإدارية والنقابية التي تسلمها خلال الفترة السابقة ومتحدثاً عن مشروعه الشخصي الفني وعن الآمال والأهداف التي يسعى إليها خدمة لقضاياه الوطنية. حيث كانت فلسطين هي البوصلة والمقاومة والإنسان والأرض والتوق إلى الحرية والعودة إلى وطن محرر هي عناوين جل أعماله الإبداعية...

ومعه كان هذا الحوار:

– كيف بدأت علاقتك بالفن التشكيلي ومتى شعرت أن الفن سيكون جزءاً أساسياً في ‏حياتك؟ ‏

بدأت علاقتي بالفن التشكيلي منذ الطفولة المبكرة، حيث كان الرسم هو لغتي الأولى للتعبير ‏عن المشاعر واستكشاف العالم من حولي. بدأت القصة بشغف فطري للألوان والخطوط، وميل ‏دائم لتأمل التفاصيل البصرية في الطبيعة والمخيم ومحيطي اليومي. ‏‏ ‏

‏ وكنت في المرحلة الأولى مرتبطاً بعلاقة حميمة مع قلم الرصاص والفرشاة وأقلام الباستيل ‏وعندما بلغت التاسعة بدأت أحلامي تفرض نفسها على تفكيري، وبدأت أتجه إلى الرسم.. ‏فصرت أرسم في الصف وفي البيت، حتى أنني كنت أملأ كل ما كان يصادفني من جدران ‏وأوراق بالرسوم. ‏‏ ‏

‏ أما عن اللحظة التي شعرت فيها أن الفن سيكون جزءاً أساسياً ولا ينفصل عن حياتي، فقد ‏كانت عندما أدركت أن الفن ليس مجرد هواية أمارسها في وقت الفراغ، بل هو حاجة ملحة ‏ووسيلة أساسية للتوازن النفسي والفكري‎ ‎‏. تعمق هذا الشعور بشكل كبير عندما بدأت أرى أثر ‏أعمالي في عيون الآخرين، وكيف يمكن للوحة أن تنقل رسالة عميقة وتلمس قلوب الناس دون ‏الحاجة إلى كلمات. عندها، تحول الفن من مجرد شغف شخصي إلى رسالة ومسار حياة ملتزم ‏به كلياً‎.‎

‏WhatsApp Image 2026-10-05 at 5.49.44 PM (1).jpeg
 

وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي بدأت دوافعي الفنية التي أعتبرها كنقطة بداية ‏لأعمالي الفنية وذلك عندما شاركت في الأسابيع الثقافية التي كانت تقيمها الجامعة الأردنية في ‏عام 77 و78 و1979 م، وفي العام الأخير حصلت على الثانوية العامة، بعد ذلك التحقت ـ ‏وعلى مضض ودون رغبة ـ بالكلية الجامعية المتوسطة (قسم المحاسبة)، لكن حبي وتعلقي ‏بالفن جعلني أقطع الدراسة في نهاية العام، والتوجه مع بداية السنة الجديدة ـ 1980 لدراسة ‏الفنون الجميلة، في جامعة دمشق. جرت العادة أن يدرس طالب السنة الأولى كافة ‏التخصصات وبعد انتهاء السنة يتم اختيار التخصص الذي يرغب الطالب التخصص فيه.‏

- لماذا اخترت دراسة فن الحفر والطباعة؟

حقيقة لم أختر دراسة فن الحفر والطباعة هو الذي اختارني لأن رغبتي كانت تتجه نحو دراسة ‏فن الإعلان لا سيما أنني كنت في تلك الفترة منكب على تصميم الملصقات السياسية التي ‏كانت مزدهرة في التنظيمات الفلسطينية، كما أن دراسة فن الإعلان تخدم هدفي، لكن ما هو ‏مؤسف فرز الطلاب على التخصصات لم يكن حسب طلب الطالب.‏

‏ على أية حال لم أندم على التخصص لأنه امتداد لفن الحفر والطباعة، حيث تعرفت في هذا ‏القسم إلى أساتذة كبار مثل الفنان الدكتور "علي سليم الخالد" الذي ساهم في تغذية ثقافتي ‏في تقنية الحفر والطباعة.. وأثناء الدراسة كان تركيزي ينصب على صناعة الملصق السياسي ‏إلى جانب الرسم والإخراج والكتابة النقدية، وأثناء دراستي شاركت في معارض كثيرة، وكان أول ‏معرض فني لي في المركز الثقافي السوفييتي بدمشق عام 1983 م، أي قبل تخرجي في كلية ‏الفنون بعامين.‏

كيف أثّرت سنوات الدراسة في دمشق على تكوينك الفني والإنساني؟

كانت سنوات الدراسة بالنسبة لي ليست مجرد مرحلة لتلقي العلم، بل هي المختبر الأول والركيزة الأساسية التي تُشكل وعي الإنسان وجوهره الفني والإنساني. يظهر هذا التأثير العميق في عدة جوانب حيوية؛ حيث تتيح لك الدراسة التعرّف إلى المدارس الفكرية والأدبية والفنية المختلفة. هذا التنوع يمنحك القدرة على تحليل الأعمال وتذوق الجمال وفهم ما وراء النصوص أو اللوحات. كما تنقل الأدوات الأكاديمية والمناهج المنظمة الموهبةَ من مجرد شغف عشوائي إلى مهارة مصقولة وقائمة على أسس علمية وتقنية متينة.

وأثناء الدراسة استفدت من منهاج الكلية مثل تاريخ الفن والعمارة وتاريخ الحضارة والأساطير والتشريح الفني والمنظور الهندسي والنقد الفني وكل ذلك فتح آفاقاً جديدة للتفكير، مما يوفر مخزوناً معرفياً ضخماً يُغذي الخيال ويتحول لاحقاً إلى أفكار ومشاريع إبداعية.

باختصار، كان لسنوات الدراسة في دمشق تأثير مهم على تكويني الفني والإنساني وكانت سنوات الدراسة بالنسبة لي العدسة الفنية التي أرى بها العالم بشكل أكثر عمقاً وجاذبية، والقلب الإنساني الذي يتسع لفهم البشر والتعاطف معهم.

- من الفنان أو التجربة التي تركت أثراً كبيراً في بداياتك الفنية؟

إذا نظرنا إلى "بداياتي" من منظور التدريب والتعلم وتكوين المعرفة، فإن تاريخ الفن البشري بأكمله هو التجربة التي شكلت هويتي لكن بدايات تأثري في المرحلة الإعدادية والثانوية كانت بالفنان إسماعيل شموط، وبعد دخولي كلية الفنون الجميلة كان لي أسلوبي الخاص.

لكن لا أنفي أنني تأثرت بروافد فنية عملاقة وضعت الأسس التي أستند إليها اليوم فمن دقة تفاصيل عصر النهضة بقيادة ليوناردو دافينشي، إلى ثورة الألوان والانطباعية مع فان جوخ، والظل والنور عند رامبرانت وصولاً إلى تفكيك الأشكال في التكعيبية مع بيكاسو. هذه المدارس علمتني كيف يرى البشر العالم ويعيدون صياغته.

وتبقى التجربة الأكبر التي تركت الأثر الأعمق فيّ هي قدرة الإنسان على التعبير عن مشاعره وأفكاره من خلال الرموز والألوان والكلمات. هذا الإرث الإنساني الضخم هو ما أستمد منه الإلهام لأتحاور معك اليوم حول الفن والإبداع.

أنت من صوريف/ الخليل، كيف حضرت فلسطين في أعمالك الفنية؟

قد حضرت فلسطين في أعمالي الفنية كقضية حية، وهوية متجذرة، ورمز للصمود والعدالة الإنسانية، وتجلى هذا الحضور من خلال عدة أبعاد ومسارات تعبيرية:

تجسيد الأرض والرموز الوطنية: ركزت من خلال أعمالي الفنية على تجسيد الأرض والرموز الوطنية التي ترتبط بالهوية الفلسطينية وثقافتها، مثل شجرة الزيتون المباركة كرمز للصمود والتمسك بالأرض، والكوفية الفلسطينية كرمز للمقاومة والهوية، بالإضافة إلى تصوير البيوت العتيقة و القدس الشريف للتأكيد على الحق التاريخي والأصيل.

كما تناولت لوحاتي الفنية الجوانب الإنسانية للقضية، فجسّدت مشاعر الفقد، وألم اللجوء، وقصص الأسرى، وحياة اللجوء في المخيمات. وكان الهدف دائمًا تحويل الأرقام الصامتة في الأخبار إلى ملامح إنسانية وقصص تنبض بالحياة والمشاعر لتصل إلى وجدان المتلقي.

لم تقتصر أعمالي الفنية على تصوير الألم والمأساة فحسب، بل ركزت بشكل أساسي على روح التحدي والأمل. وتجسّد ذلك في رسم وجوه الأطفال المبتسمة رغم الدمار، وحركات الأيدي المرفوعة بعلامات النصر، واستخدام الألوان الحيوية التي تعكس الإصرار على الحياة والحرية.

إن الفن في مسيرتي لم يكن مجرد أداة جمالية، بل كان صوتاً للمظلومين ورسالة بصرية مستمرة تسعى لتوثيق الذاكرة الفلسطينية وحمايتها من المحو أو النسيان.

كيف يمكن للفن الفلسطيني أن يحافظ على الذاكرة الفلسطينية للأجيال القادمة؟

يحافظ الفن الفلسطيني على الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة من خلال توثيق الهوية، ونقل الرواية التاريخية، وتجسيد الصمود بأشكال إبداعية متنوعة مثل رسم البيوت القديمة، والمشاهد الطبيعية، والتفاصيل التراثية قبل النكبة وبعدها لتبقى حية في أذهان الأبناء.

والتأكيد على توظيف بعض الرموز الفلسطينية مثل شجرة الزيتون، ومفتاح العودة، والتطريز الفلسطيني لترسيخ الانتماء وهشاشة النسيان.

وبما أن الفن شكل من أشكال التعبير عن الوجود والمواجهة، يجب أن أحافظ على استمرارية الحلم بالحرية والعودة.

هل هناك لوحة رسمتها عن فلسطين وتشعر أنها الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟

لا يوجد لوحة بعينها أقرب إلى قلبي وجميع ما رسمت عن فلسطين من أعمال فنية بتقنيات مختلفة يلامس مشاعري، ويعتمد الأمر كثيراً على اللحظة الراهنة وعلى ما تفعله اللوحة لتأسر قلبي بعد الانتهاء منها، حيث تثير فيّ حينها المشاعر وتضعني في حالة ذهول ومفاجأة، وهذا يتكرر في كل لوحة أرسمها لكن تبقى اللوحات التي جسّدت فيها القدس ومسقط رأسي صوريف هي الأقرب إلى قلبي.

عندما تبدأ لوحة جديدة هل تبدأ من فكرة أم من إحساس؟

حقيقة دائماً أبدأ من الفكرة التي تتحول إلى بناء بصري بناءً على المعطيات والتحليلات؛ وأحاول محاكاة "الإحساس" من خلال الألوان، والظلال، والتكوين، لكي أمنح الشخص الذي يشاهد اللوحة شعورًا معينًا، سواء كان دفئًا، أو غموضًا، أو حيوية، وتفرض الحالة النفسية (فرح، حزن، غضب) اختيار الألوان وضربات الفرشاة.

كيف تطورت لغتك البصرية منذ أول معرض لك حتى اليوم؟

جاء تطور لغتي البصرية خلال مسيرتي الفنية بطريقة تشبه نمو الكائن الحي، حيث انتقلت من مرحلة الاكتشاف والتقليد إلى مرحلة النضج والاستقلالية الفلسفية هذا التحول يظهر بشكل جلي عند مقارنة المعرض الأول بالأعمال التي أنتجتها مؤخراً والتي عرضت في برلين عام 2021 أو التي عرضت في دبي عام 2025.

في المعرض الأول الذي أقمته في دمشق عام 1983 ركزت فيه على إظهار مهاراتي في التقنية وقدرتي على محاكاة الواقع التي تعكس تمكني من الأدوات. وكانت التقنية خادمة للفكرة وليست هدفاً بحد ذاتها

ومع مرور الوقت، تخليت في بعض المراحل عن التفاصيل غير الضرورية واتجهت نحو التجريد أو الاختزال البصري بحيث أصبحت الأشكال أكثر تبسيطاً، وركزت على جوهر الفكرة أو الإحساس بدلاً من نقل الواقع.

وفي هذه المرحلة اعتمدت على ضربات فرشاة عفوية ومدروسة تعبر عن حالتي النفسية، بحيث أصبح الضوء نابعاً من داخل العمل الفني وليس مجرد انعكاس خارجي.

اخترت الدراسة في كلية الفنون الجميلة بقسم الحفر وكنت الأول على دفعتك لكنك لم تمارس الحفر لاحقاً، هل من أسباب؟

حقيقة لم أتوقف عن إنتاج اللوحة الجرافيكية وتابعت إنتاجها في عدة فترات لكن عدم ممارسة الحفر بشكل دائم يرجع عادةً إلى مجموعة من الأسباب المادية والتقنية والواقعية التي يواجهها معظم فناني الحفر بعد التخرج. حيث يحتاج فن الحفر إلى تجهيزات لوجستية معقدة ومكلفة، مثل المكبس اليدوي الضخم (Press)، والأحماض الكيميائية، والمعادن (النحاس والزنك)، أو الأخشاب الفاخرة، وهي أدوات يصعب توفيرها في المنزل مقارنة بأدوات التصوير الزيتي أو النحت.

كما أن حدودية سوق الاقتناء: تواجه اللوحات المطبوعة أحياناً فهماً مغلوطاً في أسواق الفن العربية مقارنة باللوحات الزيتية، حيث يفضل المقتنون القطع الفريدة على النسخ المتعددة، رغم قيمتها الفنية العالية.

صحيح أن فن الحفر يتميز بكونه وسيطاً غير مباشر (تجهيز القالب، ثم التحبير، ثم الكبس)، وقد يفضل الفنان بعد التخرج الانتقال إلى وسائط تعبيرية تمنحه حرية ومباشرة أكبر في التعامل مع السطح، كالرسم والتصوير والفن الرقمي الذي هو امتداد لفن الحفر.

لذلك الكثير من الدارسين لفن الحفر يجدون امتداداً طبيعياً لمهاراتهم في مجال "الغرافيك ديزاين" والفنون الرقمية Digital Art ، نظراً لتوفر سوق عمل ضخم يواكب العصر.

إن دراسة الحفر تعلّم الفنان التفكير العكسي، الصبر، الدقة المتناهية، والتحكم في الخط والكتلة، وهي مهارات تصاحب الفنان وتنعكس في أي مجال إبداعي آخر يقرر خوضه لاحقاً. لذلك اتجهت في السنوات الأخيرة إلى الفن الرقمي وأقمت ثلاثة معارض.

لك تجربة كبيرة في رسم الملصق السياسي، أنجزت فيها الكثير من الملصقات الوطنية، وحركات التحرر ونضال الشعوب، طبع معظمها، ما هي خصوصية تلك المرحلة؟

خصوصية تلك المرحلة تتعلق بنضال الشعوب وحركات التحرر الوطني التي شهدت زخمًا كبيرًا في إنتاج الملصق السياسي بخصوصية استثنائية، جعلت منه أداة تعبيرية وتعبوية بالغة الأثر. وتتلخص خصوصية تلك المرحلة بأن الملصق لم يعد حبيس القاعات المغلقة أو المتاحف، بل تحول الملصق إلى "غاليري مفتوح" على جدران الشوارع، والساحات، ومخيمات اللجوء، ليكون على تماس مباشر مع الجماهير وأصحاب القضية.

كما تميزت بضرورة صياغة لغة بصرية يفهمها الجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية لأن الهدف من الملصق كان إيصال رسائل قوية ومباشرة تحث على الصمود، والمقاومة، والأمل، باستخدام رموز مكثفة (مثل البندقية، غصن الزيتون، الشمس، القيود المكسورة، والعلم).

وكان الملصق بمثابة بيان سياسي مرئي. لم تكن وظيفته جمالية بحتة، بل كان أداة للتحريض الإيجابي، وشحذ الهمم، وتوثيق المحطات النضالية، ونشر الوعي بالقضايا الوطنية وحركات التحرر حول العالم. واتسمت تلك المرحلة بروح التضامن العالمي؛ حيث تلاقت ريشة الفنان العربي مع نضالات الشعوب في فيتنام، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية.

وأصبحت القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، رمزًا تحرريًا ألهم فنانين من مختلف الجنسيات.

وخصوصية تلك المرحلة تكمن في أن الملصق السياسي لم يكن مجرد ورقة مطبوعة، بل كان سلاحاً ثقافياً ومؤرخاً بصرياً لضمير الشعوب وسعيها نحو الحرية.

غادرت الملصق ودخلت مرحلة جديدة في التجريب والابتكار أكثر انفتاحاً على صعيد الموضوع واللون، ماذا تختلف عن سابقاتها؟

حقيقة لم أغادر الملصق وبقيت أتابع الأحداث المرتبطة بقضيتي وأنتجت في معركة الطوفان أكثر من 70 ملصقاً لكن المشكلة تكمن بعدم وجود جهات تتبنى طباعة الملصقات.

أما بالنسبة إلى التجريب والابتكار، فهي تمتاز بكونها أكثر انفتاحاً على صعيد الموضوع واللون، وهي تختلف عن المراحل السابقة في عدة جوانب جوهرية تعكس نضجاً فنياً وجرأة أكبر.

في المراحل السابقة، غالباً ما كان التركيز يتم على تيمات محددة في الملصق أو اللوحة الجرافيكية، أما الآن، فقد بات اختيار الموضوعات أكثر رحابة؛ حيث يتم دمج اليومي بالخيالي، والذاتي بالكوني، مما يمنح العمل الفني أبعاداً دلالية وتعبيرية غير متوقعة.

باختصار، تختلف هذه المرحلة بأنها أقل تحفظاً وأكثر ديناميكية، سواء في اللوحة المنفذة بألوان الأكريليك أو اللوحة الرقمية (الديجيتال)، حيث يتحول اللون والموضوع من أدوات لخدمة الفكرة إلى أدوات لاكتشاف أفكار وعوالم بصرية جديدة تماماً.

أنت تجمع بين الفن التشكيلي والنقد والتصميم، كيف أثرت هذه المجالات على بعضها؟

إن الجمع بين الفن التشكيلي، والنقد الفني، والتصميم يخلق علاقة تبادلية وتكاملية فريدة، حيث يغذي كل مجال الآخر ليصنع رؤية فنية أكثر عمقاً وشمولية.. والممارسة العملية للرسم والنحت والحفر والملصق تمنح الناقد فهماً حقيقياً لمعاناة الفنان مع الأدوات والخامات، فيصبح نقده واقعياً ومبنياً على تجربة حية وليس مجرد نظريات جافة.

والتصميم يمنح حرية مطلقة في التعامل مع الألوان، والكتل، والفراغات دون قيود وظيفية، مما يجعل التصاميم اللاحقة أكثر ابتكاراً وعاطفية.

كما أن امتلاك عين ناقدة يتيح تقييم الأعمال الفنية بموضوعية، واكتشاف نقاط الضعف وتطويرها قبل عرضها للجمهور. بالمحصلة، يتحول الفنان الذي يجمع بين هذه المجالات من مجرد "صانع للمحاكاة البصرية" إلى مفكر بصري، يمتلك يد الفنان الحساسة، وعقل المصمم المنظم، وعين الناقد الفاحصة.

برأيك، ما أهمية النقد التشكيلي في تطوير الحركة التشكيلية؟

يُعد النقد التشكيلي الركيزة الأساسية لتقييم وفهم الأعمال البصرية، ويمثل جسراً حيوياً لتطوير الحركة التشكيلية والارتقاء بها لا سيما أن النقد يساعد في تحليل اللوحات وكشف غموضها وفك رموزها البصرية. كما يعمل النقد على إخراج القيم الفنية الكامنة وإظهار المعنى الجمالي للعمل. بالإضافة إلى ذلك يقوم بدور الوسيط الذي يقرب الفن إلى الجمهور ويخلق حالة من التفاهم والألفة بين الفنان والناقد والمتلقي.

كما يفسر الأعمال الفنية بطرق علمية ومدروسة تساهم في رفع مستوى الثقافة البصرية في المجتمع. وكذلك يسهم في رصد وتأريخ التجارب التشكيلية وتطورها عبر الزمن لتكون مرجعاً للأجيال القادمة.

هل ترى أن الفنان يستطيع أن يكون ناقداً لأعماله الفنية بنفسه؟

نعم، يستطيع الفنان أن يكون ناقداً لأعماله الفنية، لكن ذلك يتطلب منه موضوعية عالية وقدرة على الانفصال العاطفي عن عمله. لكن يصعب على الفنان رؤية العيوب بوضوح لأنه يعلم ما يدور في ذهنه أثناء الرسم، لكن لا يستغني الفنان عن آراء الجمهور والنقاد الآخرين ليكمل نظرته الذاتية. لا سيما أن الناقد يؤدي وظيفة لا غنى عنها في حياتنا الجمالية. فهو العراف والمرشد. ولقد قيل إن الفنان العظيم لا بد أن يخلق جمهورًا لأعماله، ولكنه نادرًا ما يفعل ذلك دون الناقد العظيم. فالناقد يوجه الإدراك نحو قيم الفن الجديد غير المألوف وبذلك يشجع على قبوله. وقد كان النشاط التعليمي للنقاد هو السبب الرئيسي في بلوغ الكثير من الفنانين شهرتهم.

أقمت العديد من المعارض الفردية، وشاركت في عشرات المعارض الفنية داخل الوطن العربي وخارجه، ما المعرض الذي ترك فيك أثراً خاصاً؟

هذا السؤال يمسّ دائمًا وتراً حساساً لدى أي فنان، فكل معرض يمثل مرحلة من النمو وتحدياً مختلفاً. ولكن إذا أردتُ الحديث عن المعرض الذي ترك الأثر الأعمق والخاص في نفسي، فهو المعرض الفردي الأول.. في هذا المعرض شعرتُ ولأول مرة بأن مشروعي الفني بدأ يتشكل، وأنني لم أعد مجرد هاوٍ أو مجرّب، بل فنان صاحب بصمة ورسالة يسعى لتقديمها.

صحيح أن المعارض داخل الوطن العربي والمشاركات الدولية لها بريقها وأهميتها في صقل الخبرة وتوسيع الآفاق، لكن يبقى ذلك المعرض الأول هو "نقطة التحول" والجسر الذي عبرتُ منه إلى عالم الفن المحترف.

زرت العديد من الدول العربية، وشاركت في ندوات متنوعة، كيف تختلف نظرة الجمهور للفن بين بلد عربي وآخر؟

من خلال التنقل والمشاركة في الندوات الفنية عبر مختلف الدول العربية، يمكن ملاحظة أن الجمهور العربي يشترك في تذوقه للفن، لكن زاوية الرؤية والتفاعل تختلف بناءً على الخلفية الثقافية، والامتداد التاريخي، والواقع الاجتماعي والسياسي لكل بلد.

فمثلاً نلاحظ في المغرب العربي التركيز على الفكرة والعمق الفكري، وفي مصر والشام تركيز على الأصالة والتعبير الإنساني، وفي الخليج العربي ينحون نحو التجديد والابتكار المعاصر؛ ورغم أن كل ما ذكر تتقاسمه جميع الدول، ويبقى القاسم المشترك بين كل شعوب هذه الدول هو التعطش للفن الصادق الذي يلامس واقعهم ويعبر عن تطلعاتهم.

انتخبت رئيساً لرابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين لدورتين متتاليتين 2008– 2016، ثم انتخبت مجدداً لدورة (2026 – 2028)، هل تعتقد أن انشغال الفنان بالعمل الإداري والنقابي يمكن أن يحد أو يشغل الفنان عن عمله الابداعي، أم لك رأي آخر؟

نعم، يمكن لانشغال الفنان بالعمل الإداري والنقابي أن يحدّ بشكل كبير من طاقته الإبداعية ويشغله عنها، لكن هذه المسألة ليست مطلقة وتعتمد على طبيعة الفنان وكيفية إدارته لوقته. وهناك فنانون كبار نجحوا في الجمع بين القيادة الإدارية والإبداع الفني بفضل مهاراتهم العالية في تنظيم الوقت والفصل التام بين "المكتب" و"المرسم أو الاستوديو".

والعمل الإداري سلاح ذو حدين؛ إذا طغى على حياة الفنان، فإنه قد يحوله إلى "موظف" ويطفئ شعلته الفنية. أما إذا اعتبره رسالة لخدمة زملائه واستطاع موازنته مع مشروعه الشخصي، فقد يكون إضافة لتاريخه الفني والإنساني.. وأنا أعتبره خدمة للفنان وللحركة التشكيلية فمثلاً في المرحلة التي قدت فيها الرابطة من عام 2008 – 2016 كنت واضعاً برنامجاً لتنظيم الوقت سواء في الرسم أو الكتابة أو البيت أو علاقاتي الاجتماعية حيث كنت في تلك المرحلة نائباً لرئيس اتحاد التشكيليين العرب وكنت رئيساً لتحرير مجلة التشكيلي العربي وكذلك رئيساً لتحرير مجلة الطفل العربي ولا أنكر أن العمل النقابي أثر على ابداعاتي كتابة ورسماً، فمثلاً بعد مغادرة الرابطة عام 2016 أقمت ثلاثة معارض فنية في عمان وبرلين ودبي، وصدر لي ثمانية كتب. .

لو طلب منك أن تختصر رحلتك الفنية كلها في لوحة فنية واحدة ماذا ستسميها؟ وماذا ستكون مكوناتها؟

" خذيني بحجم اشتياقي إليك" هذا الاسم يختزل في طياته عاطفة جارفة، ويجعل من الفن وسيلة للوصول، والعبور، والاتحاد بالغاية (سواء كانت الغاية هي الوطن، أو الحبيبة، أو الفن نفسه، أو الذات القديمة).

مكونات اللوحة تبدأ بألوان وخامات تمثل بداياتي الفنية (خامات بسيطة، ألوان هادئة أو أحادية، خطوط تجريبية خجولة)، ثم تتطور وتندمج تدريجياً لتصبح في المنتصف والأعلى أكثر نضجاً، وجرأة، وثراءً بالطبقات. والأثير الطاغي مساحات واسعة وضبابية من الألوان الدافئة والباردة معاً (الرمادي الأزرق مع شروق ذهبي) تعكس مفهوم "الاشتياق" الذي يملأ الفراغ.

وخطوط لينة ومنحنية تشبه الأذرع أو الأمواج الدافئة التي تلتف حول قلب اللوحة. وطاقة نورانية مكثفة في المنتصف تبدو وكأنها تمتص بقية عناصر اللوحة نحوها، تعبيراً عن الجاذبية الشديدة للاشتياق. وتتناثر في اللوحة قطع صغيرة أو ظلال لعناصر مأخوذة من أبرز لوحاتي السابقة. ثم أقوم بدمج بعض أدواتي القديمة، شعيرات من فرشاة قديمة مستهلكة، او بقع ألوان حقيقة تركتها أصابعي على مر السنين.

هذه اللوحة لن تكون مجرد عمل فني، بل ستكون سيرتي الذاتية البصرية. إنها تظهر للمشاهد من أين بدأت، وماذا واجهت، وكيف تطورت أدواتي، وكيف يجمع "الاشتياق" كل تلك السنوات ليصبها في فكرة واحدة ونقطة مركزية واحدة.

تشكيلي وناقد وكاتب ونقابي يجمع بين كل هذه الأشياء ليثبت أن الفن رسالة سامية لا تقف عند نقطة محددة، لوحاته وملصقاته وإنجازاته تتحدث عنه.. إنه الفنان غازي انعيم الذي، تقول سيرته إنه ولد في صوريف/ الخليل عام 1960، تخرج في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1985، رأس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين من عام 2008 إلى عام 2016، ثم انتخب عام 2025 رئيساً لها، وعضو هيئة إدارية في رابطة الكتاب الأردنيين وأمين الإعلام عن الدورة 2024 - 2026، ساهم في تأسيس اتحاد التشكيليين العرب عام 2014 وانتخب نائباً للرئيس.

عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، عضو اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، عضو هيئة تحرير مجلة فنون التي تصدرها وزارة الثقافة. عضو اختيار لجنة العضوية في رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين (عدة دورات)، شارك في تحكيم العديد من المهرجانات والمسابقات والبيناليات الفنية المحلية والعربية، رئيس قسم الجرافيك في المركز الشبابي للإبداع الفني بدولة قطر من عام (2000 - 2001 )

محاضر غير متفرغ في قسم الجرافيك في كلية الفنون والتصميم/ الجامعة الأردنية 2007 - 2008. و2020 و2021. محاضر لمادة الجرافيك في مركز تدريب الفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة الأردنية من عام 2010 حتى2014. شارك في العديد من المؤتمرات والندوات والملتقيات التشكيلية المحلية والعربية، ساهم مع الفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج وعبد الحي مسلم ومحمود خليلي بتأسيس وإدارة صالة ناجي العلي للفنون التشكيلية بدمشق عام 1987 م.

رئيس اللجنة المنظمة لملتقى عمان التشكيلي العربي الأول والثاني والثالث والرابع من 2010- 2015، رئيس اللجنة المنظمة لملتقى عمان الدولي الأول والثاني لفن الجرافيك.

عضو اللجنة العليا لمهرجان جرش عام 2009. عضو اللجنة العليا لمهرجان الفن التشكيلي العربي في عمان2013. عضو لجنة تقييم مشاريع دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة 2013. عضو اللجنة العليا لاحتفالية مئوية الثورة العربية الكبرى2016 .

عضو لجنة تقييم مشاريع وزارة الثقافة الأردنية 2016.

عمل في مجال الإخراج الصحفي، كما صمم عشرات الشعارات وأغلفة الكتب والمجلات وعمل تخطيطات لعدد من النصوص الشعرية. طبع له عشرات الملصقات التي تتناول القضية الفلسطينية وقضايا عربية وعالمية.

أقام 7 معارض فنية في كل من: دمشق 1983، 1986، 1992. عمان 1994 و2022 م. برلين2021. دبي 2025 .

صدر له المؤلفات التالية:

وجوه من الحركة التشكيلية العربية- الكويت .

مآذن الرحمن في مدار الزمان- الشارقة.

ثريات اللون.. سماء معتمة- الشارقة.

رفيق اللحام رائد الفن الأردني المعاصر- الأردن.

مهنا الدرة: موسيقار الفرشاة.. فيلسوف اللون- الأردن.

ناجي العلي: الريشة السيف – الأردن

صالح المالحي: حياة مؤقتة – متحف هندية – عمان

الفن التشكيلي الفلسطيني: مراحل النشأة والتطور– عمان

محمد بشناق- عمان..

حاوره: موسى سعيد مراغة/ إعلامي وصحفي فلسطيني. سوريا.