Menu

اليمن: فصول الحرب لم تنتهِ بعد

موسى جرادات

بوابة الهدف

من السابق لأوانه الحديث عن انتهاء الحرب اليمنية، فهي لم تجتز بعد خطوط النهاية، ولم تصل إلى اللحظة التي يمكن معها القول إن أحد أطرافها استطاع فرض شروطه بصورة نهائية. فالحرب في اليمن، وعلى اليمن، تسير اليوم وفق خطوط متوازية، يتداخل فيها العامل المحلي مع الإقليمي والدولي، بحيث أصبحت جزءًا أساسيًا من الصراع المفتوح على مصراعيه في المنطقة.

لكن لابد من وضع ملاحظات أساسية تتعلق بالحالة الراهنة، فقد وصلت تعقيدات الحرب إلى مستوى غير مسبوق. أنصار الله من جهة، وبقايا القوى اليمنية المدعومة سعوديًا من جهة أخرى، دخلا في مرحلة جديدة من المواجهة، يعلن فيها كل طرف أنه يريد الحسم، أو على الأقل يريد تحسين موقعه إلى الحد الذي يجعله قادرًا على فرض شروطه في أي تسوية مقبلة.

غير أن السؤال المركزي لا يتعلق بالرغبة في الحسم، وإنما بالقدرة عليه.

وهنا تحديدًا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالمعطيات الميدانية لا تمنح أي طرف القدرة على إنهاء الحرب بصورة نهائية. أنصار الله قادرون على إيلام خصومهم وتهديد العمق السعودي والتحكم بمساحات واسعة من اليمن، لكنهم لا يستطيعون بسهولة إخضاع اليمن كله. وفي المقابل، تستطيع السعودية وحلفاؤها شن هجمات واسعة واستعادة مواقع استراتيجية، كما حدث أخيرًا على الساحل الغربي، لكنهم لا يمتلكون حتى الآن القدرة على إسقاط صنعاء وإنهاء قوة أنصار الله.

ما يجري، إذن، أقرب إلى عملية تسخين لم تصل بعد إلى درجة الغليان.

والمشكلة أن هذه المرحلة الجديدة لا تجري في فراغ إقليمي. فاليمن أصبح متداخلًا بصورة مباشرة مع أمن البحر الأحمر وباب المندب، ومع صراعات الخليج والطاقة والممرات البحرية، وبالتالي فإن أي تحول في ميزان القوى اليمني باتت له انعكاسات تتجاوز حدود اليمن نفسه.

ولعل أخطر ما كشفته المواجهة الحالية هو أن الحرب القديمة لم تعد قادرة على العودة إلى قواعدها السابقة.

أنصار الله في مواجهة السعودية

منذ أن أعلنت صنعاء الانتقال إلى معادلة «الحصار بالحصار»، تغيرت طبيعة المواجهة. لم يعد الهدف بالنسبة إلى أنصار الله أن تبقى الحرب داخل الجغرافيا اليمنية، وإنما نقل جزء من كلفتها إلى الطرف الآخر.

وهذه المعادلة، قبل أن تكون عسكرية، هي معادلة سياسية.

فأنصار الله يقولون للسعودية، بصورة واضحة، إن استمرار الضغط على مناطق سيطرتهم لن يبقى بلا ثمن، وإن العمق السعودي والمنشآت الاقتصادية والمصالح المرتبطة بالطاقة والملاحة يمكن أن تصبح جزءًا من ميدان المواجهة.

وقد أعادت هذه المعادلة السعودية إلى موقع لم تكن ترغب في العودة إليه: موقع الطرف المباشر في الحرب.

فخلال السنوات الماضية حاولت الرياض الانتقال من التدخل العسكري المباشر إلى إدارة الصراع عبر القوى اليمنية المحلية، والبحث عن تسوية سياسية تضمن أمن الحدود السعودية وتحد من نفوذ أنصار الله.

لكن التطورات الأخيرة أعادت خلط الأوراق.

فحين تمكن أنصار الله من التقدم باتجاه الساحل الغربي وباب المندب، أصبح الأمر بالنسبة إلى الرياض يتجاوز حدود الحرب الأهلية اليمنية. فباب المندب ليس مجرد موقع عسكري؛ إنه ورقة استراتيجية يمكن أن تؤثر في التجارة والطاقة وحركة الملاحة العالمية.

ولهذا جاء الرد السعودي مختلفًا.

ففي الأيام الأخيرة انتقلت القوات المدعومة سعوديًا من الدفاع إلى الهجوم، وتمكنت من استعادة بعض مواقع حول باب المندب والمخا، بدعم جوي سعودي واسع. وفي المقابل، حاول أنصار الله تعويض الضغط على الساحل بتوسيع عملياتهم في جبهة تعز وتهديد العمق السعودي.

وهنا تتضح طبيعة الحرب الجديدة: كل تقدم على جبهة يفتح جبهة أخرى.

باب المندب هو مفتاح المرحلة الحالية.

فالسيطرة على هذه المنطقة تمنح صاحبها قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ولذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن يسيطر على مدينة أو جزيرة أو شريط ساحلي.

السؤال هو: من يمتلك القدرة على التحكم في واحدة من أهم نقاط الاختناق في التجارة الدولية؟

وهذا يفسر سبب الانتقال السريع من المواجهة اليمنية إلى التدخل الإقليمي والدولي.

لقد أدركت السعودية أن بقاء باب المندب تحت نفوذ أنصار الله يمنح صنعاء ورقة تفاوضية ضخمة، ولهذا اختارت الهجوم. وتشير التقارير إلى أن الرياض كانت قد أعدت خيارات عسكرية لاستعادة المنطقة، قبل أن تبدأ بالفعل العملية الأخيرة .

لكن السيطرة العسكرية على الساحل شيء، والاحتفاظ به شيء آخر.

وهنا تكمن صعوبة المعركة.

فأنصار الله لا يحتاجون بالضرورة إلى الاحتفاظ بكل شبر من الساحل حتى يجعلوا باب المندب ورقة ضغط. يكفيهم امتلاك القدرة على تهديد الملاحة أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من مواقع مختلفة، خصوصًا أن الجغرافيا اليمنية تمنحهم عمقًا جبليًا واسعًا يصعب التعامل معه بالقوة الجوية وحدها.

ولهذا فإن استعادة المخا أو بعض المناطق الساحلية لا تعني بالضرورة نهاية التهديد.

السعودية أمام المعضلة القديمة

السعودية اليوم أمام المعضلة نفسها التي واجهتها في السنوات السابقة، وإن كانت في ظروف مختلفة.

هي تستطيع شن الحرب، لكنها لا تستطيع بسهولة تحديد نهايتها.

وتستطيع تدمير أهداف عسكرية، لكنها لا تستطيع بالقوة الجوية وحدها إنتاج واقع سياسي جديد.

وتستطيع دعم عشرات الآلاف من المقاتلين اليمنيين، لكنها لا تستطيع ضمان أن تتحول هذه القوى المتعددة إلى جيش موحد قادر على خوض حرب طويلة ومنظمة.

وهذه نقطة جوهرية.

فالقوى المناهضة لأنصار الله ليست كتلة سياسية وعسكرية واحدة. وهي تحمل مشاريع مختلفة لليمن، بل إن الخلافات بينها كانت في مراحل سابقة سببًا في إضعاف الجبهة المقابلة لصنعاء.

وقد أظهرت التطورات السياسية والعسكرية خلال 2026 أن المعسكر المناهض لأنصار الله يعاني من تشظيات حقيقية، بما في ذلك التنافس بين القوى المدعومة سعوديًا وتلك المرتبطة بالإمارات

وهذا يجعل مهمة السعودية أكثر صعوبة.

فهي لا تخوض حربًا ضد أنصار الله فقط، وإنما تدير في الوقت نفسه شبكة معقدة من القوى اليمنية التي لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة التي تريدها بعد الحرب.

لماذا تركيا وباكستان؟

وهنا نصل إلى أحد أكثر التطورات دلالة.

فالسعودية، الدولة التي تمتلك واحدًا من أكبر الإنفاقات العسكرية في المنطقة، وجدت نفسها بحاجة إلى توسيع مظلتها الأمنية عبر ترتيبات مع تركيا وباكستان.

وقد اتفقت الدول الثلاث على ترتيبات دفاعية مشتركة، فيما تشير التقارير إلى دعم عسكري ومعدات ومستشارين، في وقت لم يتضح فيه أن أنقرة وإسلام آباد ستدخلان الحرب اليمنية بقوات قتالية مباشرة.

وقد يبدو الأمر لأول وهلة تعبيرًا عن قوة سعودية متزايدة، لكنه يمكن قراءته من زاوية أخرى.

الدول الكبرى لا تبحث عادة عن تحالفات إضافية عندما تكون واثقة تمامًا من قدرتها على إدارة الحرب منفردة.

إنها تفعل ذلك عندما تدرك أن التهديد تجاوز قدرتها على الاحتواء المنفرد.

وهنا تصبح مسألة «حلف مكة» جزءًا من محاولة إعادة بناء الردع السعودي، وليس بالضرورة دليلًا على أن ميزان القوة قد حُسم لصالح الرياض.

ثلاثة سيناريوهات

المواجهة المقبلة يمكن أن تسير في ثلاثة اتجاهات رئيسية.

الأول: حرب استنزاف طويلة.

وهذا هو السيناريو الأكثر احتمالًا.

لا يستطيع أنصار الله إسقاط خصومهم عسكريًا، ولا تستطيع السعودية القضاء على أنصار الله. وبالتالي يستمر القتال، وتتغير خطوط السيطرة، ويتبادل الطرفان الضربات، فيما تتحول كل جبهة إلى ورقة تفاوضية.

وفي هذه الحالة قد تستعيد القوات المدعومة سعوديًا مناطق على الساحل، بينما يحاول أنصار الله تعويض خسائرهم في تعز أو مأرب أو الجوف، أو عبر توسيع دائرة الضغط على السعودية.

وهكذا تصبح الحرب معركة عض أصابع طويلة.

الثاني: تسوية مفروضة بالاستنزاف.

وقد يصل الطرفان في لحظة ما إلى استنتاج أن كلفة الحرب أصبحت أعلى من كلفة التفاوض.

عندها تعود سلطنة عمان والأمم المتحدة إلى الواجهة، وقد تبدأ مفاوضات حول وقف إطلاق النار، والموانئ والمطارات، والحدود، والأسرى، ثم مستقبل السلطة.

لكن التسوية المقبلة، إذا جاءت، لن تكون عودة إلى ما قبل الحرب.

فأنصار الله أصبحوا قوة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها، والسعودية لن تقبل بتسوية تمنحهم قدرة مفتوحة على تهديد أراضيها، بينما القوى اليمنية الأخرى لن تقبل بسهولة بأن يتحول الصراع إلى اتفاق ثنائي سعودي ـ حوثي يقرر مستقبل اليمن.

أما السيناريو الثالث، فهو الأخطر: انفجار إقليمي واسع.

فاليمن لم يعد جبهة منفصلة.

البحر الأحمر مرتبط بالخليج، والخليج مرتبط بالطاقة، والطاقة مرتبطة بالاقتصاد العالمي. وأي هجوم كبير على منشأة نفطية سعودية أو سفينة تجارية أو موقع عسكري يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل متسلسلة لا يمكن التحكم بها بسهولة.

وهنا يمكن أن يتحول اليمن إلى نقطة التقاء لصراعات أكبر منه.

من يملك الورقة الأخيرة؟

المفارقة أن كل طرف يملك أوراقًا قوية، لكن لا أحد يملك الورقة الأخيرة.

أنصار الله يملكون الجغرافيا والسكان والقدرة الصاروخية والمسيّرة والخبرة الطويلة في حرب الاستنزاف.

والسعودية تملك المال والتفوق الجوي والقدرة على الحشد والدعم الإقليمي والدولي.

والقوى اليمنية المناهضة لأنصار الله تملك مواقع استراتيجية وقوات كبيرة، لكنها تعاني من الانقسام.

أما القوى الدولية فتملك القدرة على التدخل، لكنها لا تملك مشروعًا سياسيًا متفقًا عليه لليمن.

وهذا هو جوهر المأزق.

الحرب تستطيع تغيير خطوط السيطرة، لكنها لا تستطيع وحدها حل السؤال اليمني.

وسط كل ذلك يبقى اليمن هو الطرف الذي يدفع الثمن.

فكلما اتسعت الحرب، اتسعت معها دائرة الجوع والنزوح والانهيار الاقتصادي. والأمم المتحدة حذرت بالفعل من أن التصعيد العسكري يهدد بتوسيع الأزمة الإنسانية، فيما أدت المواجهات الأخيرة إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان.

ومن هنا فإن أخطر ما في الحرب الحالية ليس فقط احتمال اتساعها، وإنما احتمال أن تتحول إلى حرب بلا نهاية.

حرب لا يستطيع أي طرف حسمها، ولا يستطيع أي طرف التراجع عنها.

وهذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن نهاية الحرب اليمنية سابقًا لأوانه.

فما يحدث اليوم ليس الفصل الأخير.

إنه فصل جديد من حرب طويلة، تغيرت فيها الجبهات، وتغيرت فيها أدوات القتال، ودخلت إليها قوى جديدة، لكن السؤال الأساسي بقي كما هو:

من يملك اليمن؟

وإلى أن يجد اليمنيون أنفسهم إجابة عن هذا السؤال بعيدًا عن الطائرات والصواريخ والموانئ والممرات الدولية، ستبقى كل الانتصارات العسكرية مؤقتة، وكل خطوط النهاية قابلة للانهيار.

فالحرب لم تنتهِ.

إنها فقط دخلت فصلًا جديدًا.

والفصول القادمة، على الأرجح، ستكون أكثر صعوبة من سابقاتها.