Menu

مجموعة البريكس: بانوراما الواقع والمنجزات والتحديات

د. محمد عبد القادر

بوابة الهدف

مدخل إلى مجموعة بريكس

تشير كلمة بريكس إلى الحروف الأولى من خمس دول ذات اقتصاد عالمي قوي، هي: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا. بدأ الحوار حول هذه المجموعة في عام 2006، وقد عُقد مؤتمرها الأول في عام 2009، ثم لحقت بالمجموعة جنوب إفريقيا في عام 2010، لتصبح مجموعة من خمس دول هي المؤسسة الفعلية لهذه الكتلة.

ويرمي هذا التكتل إلى كسر الهيمنة الاقتصادية الغربية، وإيجاد نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب يكون أكثر توازناً وعدالة للدول النامية. وتشكل هذه الكتلة قوة سكانية واقتصادية هائلة، تمثل أكثر من 40% من سكان العالم، وحوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. في عام 2024 شهدت المجموعة توسعاً تاريخياً كبيراً بانضمام دول جديدة هي: مصر وأثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة، فيما أُرسلت دعوة للسعودية لتنضم إلى الكتلة، أوضح وزير خارجيتها أن بلاده ما تزال تدرس طلب الانضمام، وكذلك أعلنت الأرجنتين عدم رغبتها بالانضمام لهذه الكتلة. وتسعى مجموعة البريكس إلى تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي في المعاملات التجارية البينية عن طريق استخدام العملات المحلية. ومن الواضح أن هذا التكتل العالمي يحظى بجاذبية متنامية لدى دول العالم، وهو ما تعكسه عشرات الطلبات المقدمة للمجموعة من أجل نيل العضوية.

وأثار هذا التكتل شهية السياسيين والباحثين للمقارنة بين منظومة عدم الانحياز وتكتل بريكس، وهذه مسألة بغيت توقف عندها قليلاً لنفهم أوجه الشبه والاختلاف بين الكتلتين. وهكذا عقدت مجموعة البريكس منتدى عالمياً لمعالجة القضايا الدولية والكونية مثل التجارة والتمويل وتغير المناخ وأمن الطاقة، وهيمنة الغرب على مفاصل اقتصادية رئيسية كالدولار الذي يمثل عملة التجارة والاحتياط الأولى عالمياً.

إنجازات أخرى في الطريق

في عام 2014 أنجزت دول البريكس البنك الجديد للتنمية، (أو بنك التنمية الجديد)، برأس مال بدأ بـ 50 مليار دولار، ثم ارتفع ليصل إلى 200 مليار وفق تقارير مهتمة بالمتابعة الحثيثة لما يجري في إطار البريكس.

- كما تم ترتيب احتياط الطوارئ CRA لدعم الدول الأعضاء في حال عجزها عن الدفع في ظروف صعبة.

- قيام الصين بمبادرة الحزام والطريق التي تتمثل في إنشاء شبكات بنية تحتية واسعة تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

تخطط الهند لتطوير 100 مدينة ذكية.

- روسيا تسعى إلى بناء الشرق الأقصى الروسي ليكون جسراً اقتصادياً بين أوروبا وآسيا عن طريق إنشاء مناطق اقتصادية خاصة متقدمة.

- تخطط البرازيل وجنوب أفريقيا لإقامة مشروعات كبرى في مجالات الزراعة والصناعة.

- على الصعيد المالي/ النقدي تم اتفاق صيني - برازيلي على تنفيذ التجارة عبر الحدود باستخدام عملاتهما الخاصة، بما يعنيه ذلك من تجاوز النظام الدولي.

- كذلك فعلت كل من روسيا والهند فيما يتعلق بالعملات الوطنية كمدفوعات للتبادل التجاري.

- ومثلهما اتفقت بنجلادش مع الهند في ذات السياق.

الجنوب العالمي

من الباحثين من يقسم الكرة الأرضية إلى ما يعرف الآن بمثلث القوة، والذي يشتمل على:

الغرب العالمي: ويضم أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

والشرق العالمي: ويضم الصين وروسيا (كقيادة بارزة).

الجنوب العالمي: ويضم دولاً متوسطة وصغيرة الحجم وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما نحاول تناوله بشكل سريع.

يعد رئيس وزراء كندا مارك كارني واحداً من أبرز من تحدثوا علانية حوله الانحدار الشديد الذي أصاب النظام العالمي بسبب سياسات وقرارات ترامب، ما دعاه إلى حث الدول المتضررة من تلك السياسات والقرارات إلى رص الصفوف - على الأقل -لحماية ما تبقى من النظام العالمي "الحر"، ثم تبعه رئيس فنلندا الذي قال إن الجنوب العالمي هو الذي سوف يقرر شكل النظام العالمي الجديد. لقد تحول ميزان القوة؛ إذ إن الجنوب العالمي يحوز الآن على أغلبية السكان والاقتصاد العالمي، وإن حقبة النظام العالمي الواقع تحت الهيمنة الغربية قد انتهت، وهذا أمر واضح لكنه سيستغرق بعض الوقت ليشمل الغرب كله.

وهناك من يرى أن مع نهاية الحرب على إيران سوف تتضح الصورة بجلاء أكثر. صحيح أن دول الجنوب العالمي ليست كتلة موحدة ولا تتمتع بتعريف متفق عليه للجنوب العالمي، لكن الاسم يشير إلى دول واقعة في نصف الكرة الجنوبي، مع وجود دول تقع شمالي خط الاستواء، فيما تعتبر أستراليا ونيوزيلندا دولتين من دول الجنوب، أيّاً كان الموقع الجغرافي. فإن مجموعة بريكس تمثل قوة كبيرة لم توظف هذه القوة بعد في إنجازات اقتصادية أو سياسية، رغم أنها تمثل 40% من سكان العالم و25% من الاقتصاد العالمي، وإن كانت تطمح إلى توسيع نفوذها ودورها في عملية صنع القرار العالمي.

في قمة نيودلهي الأخيرة 12-13/9، سعت روسيا والصين لإعادة تشكيل العالم ونقل النمط الأحادي إلى عالم متعدد الأقطاب، وأكدت الصين على ضرورة أن تكون مجموعة البريكس قوة نشطة وعنصر استقرار إيجابي في الشؤون الدولية، فيما وصفت روسيا الكتلة بأنها قوة مهمة في نشوء نظام دولي جديد. وهذا ما يتعارض تماماً مع موقف ترامب، عدو البريكس الرئيسي، والذي يريد الحفاظ على النظام أو (اللانظام) العالمي القائم.

وفي البيان الختامي للقمة، الذي حرص الجميع على صدوره بالحد الأدنى من الاتفاق، طالب البيان أطراف الحرب على إيران بممارسة أقصى درجات ضبط النفس وعدم التصعيد، والقلق من الهجوم على بنى تحتية ومنشآت نووية، والعمل المشترك على التدفق السلس للتجارة الدولية، ورفض الإجراءات الأحادية والحمائية والقيود التجارية الأحادية. كما طالب المجتمعون بإصلاح المؤسسات الدولية، وإعطاء دور أكبر في الحوكمة للدول النامية، وإصلاح هياكل المؤسسات الدولية القائمة.

قراءة في كتلتين: عدم الانحياز وبريكس

من يقرأ تطورات السياسة الدولية قراءة مقارنة سرعان ما ترد إلى الذهن مقارنة مفترضة بين تكتل بريكس وتكتل عدم الانحياز، أو بين مؤتمر باندونغ 1955 وقمة نيودلهي على سبيل المثال. والحقيقة أن الفوارق عديدة ومتشعبة؛ فقد انبثقت منظومة عدم الانحياز بعد الحرب العالمية الثانية (وفي سياق الحرب الباردة بين القطبين)، بغية العمل الجماعي على إنهاء الاستعمار، بينما وُلد تكتل بريكس في القرن الـ21 بهدف تثبيت مرحلة سياسية متعددة الأقطاب، علاوة على تحقيق الاستقلال الاقتصادي بطرق وأساليب واستراتيجيات متعددة.

تميزت حقبة باندونغ ومنظومة عدم الانحياز بأن دوافعها الكبرى كانت سياسية وإيديولوجية تستهدف التحرر الوطني ومكافحة الاستعمار والعنصرية وتحقيق السيادة الاستراتيجية للدول الأعضاء، أما تكتل بريكس فيركز على الأبعاد الاقتصادية والجغرافية الاقتصادية، وفي القلب من ذلك إصلاح النظام المالي العالمي فيما يتعلق بالتجارة وسلاسة الإمداد البديلة، بل ونظم حوكم بديلة كما هو قائم.

واهتمت منظومة بريكس بالعمل الاقتصادي وخلق مؤسسات موازية، ومن هنا جاء العمل على إنشاء بنك التنمية الجديد(NDB).

أما دول بريكس فتتمتع بقوة اقتصادية منافسة وراسخة، بل إن من بينها على المستوى الاستراتيجي دولاً نووية مثل الصين وروسيا والهند، وتسعى هذه الدول في ذات الوقت إلى تشكيل أسواق عالمية بديلة لأسواق المركز الرأسمالي الغربي، ناهيك عن سعيها لإيجاد عملة تبادل تجارية بديلة أو حتى دعم إحدى العملات من داخل مجموعة بريكس.

أما أوجه الشبه فتمثلت في:

* تحدّي الهيمنة الغربية الأوروبية والأمريكية في الأبعاد الاستعمارية - الإمبريالية، علاوة على الأبعاد الاقتصادية واستهداف المؤسسات التي نجت عن حقبة الحرب الباردة.

* الاهتمام بمبدأ السيادة والتأكيد على عدم الاعتداء المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وحق المساواة بين الدول.

* يوجد في الكتلتين تراث قيادي مشارك دائم، مثل مشاركة الهند والصين في المجموعتين، وما تزال تلعبان أدواراً محورية في إطار البريكس.

* مثلت الكتلتان إلى حد كبير صوت الدول النامية في المشهد العالمي ودعم ما يعرف اليوم بالجنوب العالمي، وهو ما يستحق إلقاء شيء من الضوء على واقعه.

الهند: لاعب انتهازي

تشعر الهند بأهميتها الاقتصادية المتزايدة، علاوة على وزنها الديموغرافي في المجموعة، وهي تضع رجلاً في عالم البريكس والرجل الأخرى في عالم الغرب. تتحرك الهند في ضوء مصلحة ذاتية تقوم على ركنين: أولهما تجنب إزعاج الغرب بأي موقف، وثانيهما مجابهة أي توسيع لدور الصين التي تشكل الآن أول أو ثاني اقتصاد عالمي. وبهذه السياسة وهذا الأداء تربح الهند من الغرب وتبقى في أحضانه، وتربح من البريكس والجنوب العالمي وتؤثر فيه، وهي ترفض فكرة العداء للغرب وإن كانت تطمح إلى توسيع المشاركة في صنع القرار الدولي، لا أن تبقى العملية مقصورة على الغرب. وتبدو الصين أكثر مناكفة للغرب، فهي تطالب بأن تكون عملتها مساوية للدولار واليورو والذهب نظراً لحجمها الاقتصادي في التجارة الدولية، علاوة على تقليل المخاطر المرتبطة بالعملة الأمريكية الوحيدة كلاعب فرد في الميدان. ويبدو أن للهند دور معيق لمستقبل المجموعة على الصعد الاقتصادية والسياسية عند أية محاولة للانتقال إلى مرحلة متقدمة من أداء المجموعة، إذ ستكون صوت الغرب وممثله، علاوة على دعم من بعض الدول العربية التي التحقت بالمجموعة مؤخراً، ومن سيلتحق فيما بعد.

البريكس بين الواقع والمهامات الضرورية

لدى التدقيق في واقع مجموعة البريكس تتبين زمرة من الحقائق على النحو الآتي:

- حتى الآن لا يوجد اتفاق نهائي وشامل على طبيعة المنظومة ولا على وظيفتها أو وظائفها الرئيسية.

- لا يوجد لديها أي شكل من أشكال الاتحاد السياسي.

- لا توجد لديها معاهدة تأسيسية.

- تفتقر إلى الميزانية المستقلة.

- لا يتوفر لديها سكرتاريا دائمة.

- لا اتفاق على نظام مستقبلي.

- بقايا عقلية الحرب الباردة ما تزال قائمة في رؤوس بعض أعضائها.

- لا حديث عن امتلاك قوة عسكرية.

هذا التوصيف الحقيقي للواقع لا يبشر بتفاؤل كبير في مستقبل هذه المجموعة، والأرجح أن تبقى تعمل في خانة رد الفعل لا الفعل على بعض تصرفات ترامب، من دون أن تتوافر على برنامج سياسي اقتصادي متكامل ومترابط يدفع أداء المجموعة خطوات إلى الأمام في مواجهة التفرد الأمريكي المنفلت من عقاله على كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وإذا ما أرادت هذه المجموعة أن تصبح منظومة قائمة على أسس رشيدة وأركان قوية، يتعين عليها أن تعمل على تعزيز دورها وفق مهمات قادمة وممكنة، وأهمها:

- العمل بجد وبسرعة على بلورة نظام عالمي جديد وإعداد وثائقه.

- تقديم نموذج سياسي واقتصادي وقانوني بديل للهيمنة والتعالي والتفرد وتهميش الدول الأخرى.

- توضيح طبيعة المنظومة ووظائفها ومجالاتها الحيوية.

- تقليص دور الدولار والولايات المتحدة وأتباعها من الغرب.

- العمل على صوغ استراتيجيات لعالم عادل ودامج ومزدهر.

- تأكيد حقيقة وأهمية احترام أعضائها والتضامن مع إيران العضو المهم في المجموعة.

- وأخيراً فلا بد من تحسين العلاقات بين الصين والهند، الدولتين التي تمثلان ثلث سكان العالم في أقل تقدير، والعمل على حل المشكلات الخلافية الحدودية والحيلولة دون تكرار الصدام الذي حدث بينهما ذات يوم وذات تصعيد.

- وعلى هذه المنظومة أن تهتم بالصراع العربي الفلسطيني مع الأطراف الصهيونية والأمريكية ومن يدعمها، والوقوف الحازم ضد الجرائم الصهيونية وضد سياسات وجرائم التهجير والإبادة، إذا كانت هذه المنظومة ترى أن مستقبلها مرهون بالسياسة كما الاقتصاد، وحتى لا تبقى الساحة السياسية نهباً للإمبريالية والصهيونية، ورهناً لعبيط يقتفي أثر لقيط.