في دير البلح وسط قطاع غزة، المدينة التي ارتبط اسمها منذ عقود بثمار النخيل، يبدأ موسم القطاف هذا العام في ظل واقع زراعي فرضته الحرب؛ عناقيد أقل، وأراضٍ خرجت من الإنتاج، وأشجار تضررت، ومزارعون يكافحون للوصول إلى حقولهم وتأمين احتياجاتها، ثم قطف ما تبقى من المحصول وتسويقه في سوق أنهكتها الحرب.
ومع بدء موسم البلح في القطاع مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، لا يبدو الموسم موعدًا زراعيًا عاديًا، بل يأتي كاختبار لحجم الخسائر التي لحقت بقطاع النخيل خلال سنوات الحرب، بعدما طالت الأضرار الأشجار والأراضي وشبكات الري، وتراجعت قدرة المزارعين على الوصول إلى حقولهم والعناية بما تبقى من أشجارهم.
محصول يتراجع
المزارع محمد فياض من دير البلح، يصف الموسم الحالي بأنّه مختلف بصورة كبيرة عن المواسم السابقة، بعدما تركت الحرب آثارًا واضحة على أشجار النخيل والأراضي الزراعية وكميات الإنتاج.
ويقول فياض في حديثه مع "بوابة الهدف" إنّ الاحتلال دمر مساحات من الأراضي الزراعية وألحق أضرارًا بأشجار النخيل، فيما أسهم انتشار سوسة النخيل وتراجع القدرة على رعاية الأشجار في زيادة الخسائر، وانعكس ذلك مباشرة على حجم المحصول.
ويضيف أنّ إنتاجية النخلة الواحدة تراجعت بشكل ملحوظ؛ فبعدما كانت تنتج ما يصل إلى 12 صندوقًا في الموسم، أصبحت الكميات أقل بكثير هذا العام، في ظل تضرر الأشجار وصعوبة توفير احتياجاتها من المياه والأسمدة والمبيدات.
ولا يقتصر أثر الحرب، بحسب فياض، على تراجع الإنتاج، بل يمتد إلى مختلف مراحل العمل الزراعي، بدءًا من الوصول إلى الأراضي والعناية بالأشجار، وصولًا إلى القطاف والنقل والتسويق، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص المستلزمات الزراعية.
ويؤكد المزارع أنّ "سنوات الحرب غيّرت كل شيء"، بعدما تحولت زراعة النخيل، التي كانت مصدر دخل مستقرًا للعديد من المزارعين، إلى قطاع يواجه خسائر متراكمة، فيما بات الحفاظ على الأشجار المتبقية واستعادة الأراضي المتضررة تحديًا يتجاوز موسم الحصاد الحالي.
ولا يرى فياض أنّ تراجع الإنتاج يمثل خسارة لموسم واحد فقط، إذ إن تدمير أشجار النخيل يعني فقدان مصدر دخل يمتد أثره لسنوات، خاصة أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تدخل مرحلة الإنتاج.

دمار واسع وخسائر فادحة
وتوضح تقديرات وزارة الزراعة في غزة حجم هذه الخسائر، إذ تجاوزت نسبة الأضرار والدمار 75% من إجمالي المساحات المزروعة بالنخيل، فيما تراجع عدد الأشجار من أكثر من 120 ألف شجرة قبل الحرب إلى نحو 30 ألف شجرة في المناطق المتبقية.
وانخفض إنتاج البلح في الموسم الحالي إلى نحو 3 آلاف طن، بعدما كان إنتاج القطاع يتراوح في السنوات السابقة، في المتوسط، بين 12 و15 ألف طن سنويًا، وفق دراسة منشورة حول واقع زراعة النخيل في قطاع غزة.
بدوره، يؤكد مسؤول قطاع النخيل والبستنة الشجرية في وزارة الزراعة المهندس أشرف سويرح، أنّ الأشجار التي بقيت تواجه ظروفًا قاسية تعيق قدرتها على الإنتاج، في ظل صعوبة إدخال الأسمدة والمبيدات والمستلزمات الزراعية، وشح المياه وتراجع مصادر الأسمدة العضوية.
ويبين سويرح، في حديثه لـ "بوابة الهدف" أنّ نقص المبيدات اللازمة لمكافحة الآفات، وعلى رأسها سوسة النخيل، أسهم في تراجع إنتاجية الأشجار المتبقية، موضحًا أن رعاية النخيل تحتاج إلى دورة زراعية متواصلة تشمل الري والتسميد والتلقيح ومكافحة الآفات، وهي عمليات تعطلت أجزاء واسعة منها خلال الحرب.
ولا تتوقف الخسارة عند الأشجار التي دُمرت، إذ يوضح سويرح أنّ تعويضها يحتاج إلى سنوات؛ فالفسيلة الجديدة تحتاج إلى نحو خمس سنوات على الأقل قبل أن تبدأ بالإنتاج الفعلي، ما يجعل استعادة قطاع النخيل عملية طويلة تتطلب توفير الأراضي والمياه والشتلات والمستلزمات الزراعية، إلى جانب مكافحة الآفات وحماية الأشجار القائمة.
كما أسهم النزوح وإقامة الخيام داخل الأراضي والمزارع الزراعية في إزالة أجزاء من أشجار النخيل، سواء بفعل الحاجة إلى توفير مساحات للإيواء أو بسبب المخاطر المحيطة بها، بحسب سويرح.

ارتفاع الأسعار
وتظهر آثار تراجع الإنتاج أيضًا في السوق، حيث يواجه المزارعون والبائعون معادلة أكثر تعقيدًا: كميات أقل، وتكاليف إنتاج أعلى، وأسعار ارتفعت بصورة كبيرة، في مقابل قدرة شرائية تراجعت بفعل الحرب.
ويقول المزارع عادل أبو شعبان في حديثه لـ "بوابة الهدف"، إنّ سعر عنقود البلح يتراوح حاليًا بين 25 و35 شيكلًا، بحسب حجمه وعدد حباته، فيما يصل سعر كيلو الرطب الأسود إلى نحو 15 شيكلًا، مقارنة بنحو 2 إلى 5 شواكل قبل الحرب.
ويشتري أبو شعبان عناقيد البلح من إحدى المزارع في منطقة الزوايدة جنوب النصيرات، ثم يعيد بيعها في السوق، لكنه يواجه صعوبة أكبر في تصريف المحصول، إذ يفضّل كثير من المواطنين شراء كميات محدودة بالكيلوغرام بدلًا من شراء العنقود كاملًا بسبب ارتفاع الأسعار.
ويضيف المزارع: "الناس تأتي وتنظر إلى السعر، وحين تعرفه تقول إن السعر مرتفع، ثم تطلب شراء كميات صغيرة بالكيلوغرام بدلًا من شراء العنقود كاملًا".
وبذلك، لا تعكس زيادة سعر البلح بالضرورة تحسنًا في دخل المزارعين؛ فارتفاع السعر يأتي في سياق تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة، بينما تحد القدرة الشرائية المحدودة للمواطنين من قدرة السوق على استيعاب المحصول.
شح المياه
وتفاقم أزمة المياه تراجع إنتاج النخيل في قطاع غزة، في ظل تضرر مصادر المياه ونقص الوقود اللازم لتشغيل الآبار ومضخات الري، ما يحدّ من قدرة المزارعين على توفير احتياجات الأشجار ويرفع تكاليف رعايتها.
وفي حديثه مع "بوابة الهدف"، يوضح نائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة، علاء الدين البطة، أن نقص المياه وصعوبة توفير مستلزمات الري يؤثران في نمو ثمار البلح وجودتها وإنتاجيتها، ويزيدان الأعباء على المزارعين، خصوصًا مع صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، ما يعرقل الحفاظ على الأشجار المتبقية واستعادة الإنتاج.
ويحذّر البطة من انهيار وشيك في منظومة المياه والصرف الصحي نتيجة نقص الوقود والزيوت اللازمة لتشغيل المولدات والآبار ومحطات الضخ، مشيرًا إلى إدخال الزيوت إلى 40 مولدًا فقط من أصل 700 مولد.

أزمة النخيل جزء من انهيار الزراعة
ولا تقتصر خسائر موسم البلح على مزارع النخيل، إذ تأتي ضمن تراجع أوسع أصاب القطاع الزراعي في قطاع غزة، الذي تكبد أضرارًا كبيرة طالت الأراضي والإنتاج ومقومات العمل الزراعي.
وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي، تضرر أكثر من 94% من الأراضي الزراعية في القطاع، التي تبلغ مساحتها نحو 178 ألف دونم، فيما انخفض الإنتاج الزراعي من نحو 405 آلاف طن إلى قرابة 28 ألف طن، وقدرت وزارة الزراعة الفلسطينية خسائر القطاع بنحو 3.49 مليار دولار، وفق بيانات نشرتها عبر المكتب الإعلامي الحكومي.

3% فقط من الأراضي الزراعية متاحة
وتظهر أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات" أن 3% فقط من الأراضي الزراعية في قطاع غزة كانت، حتى 24 حزيران/يونيو 2026، متضررة بدرجة محدودة ومتاحة للوصول إليها.
وأشار التقييم إلى أنّ آلاف الهكتارات الأخرى تعرضت لأضرار تستدعي إعادة التأهيل، أو لا تزال غير متاحة للمزارعين، فيما تراجعت مساحة الأراضي الزراعية المتضررة بدرجة محدودة والمتاحة للوصول بنسبة 25.5% مقارنة بأكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويختصر موسم البلح هذا العام جانبًا من الخسائر التي أصابت الزراعة ومصادر رزق آلاف العائلات في غزة، بعدما تراجعت المحاصيل وتضررت الأراضي والأشجار.
وتتطلب استعادة موسم البلح إعادة تأهيل الأراضي، وتوفير المياه والمستلزمات الزراعية، وحماية أشجار النخيل من الآفات، بما يساعد المزارعين على استعادة قدرتهم على الإنتاج، ويحافظ على مكانة دير البلح مدينةً ارتبط اسمها بثمار النخيل.


