لم تعد قائمة الأشياء التي يبحث عنها سكان قطاع غزة تقتصر على الطعام والدواء والمياه. ففي الأسواق، يبحث الناس أيضًا عن احتياجات تبدو بسيطة في الظروف الطبيعية: إبرة وخيط لإصلاح قطعة ملابس، أداة للعناية الشخصية، أو مستلزمات يومية يحتاجون إليها في حياتهم اليومية.
لكن هذه الاحتياجات، التي تبدو بعيدة عن ساحات القتال، أصبحت جزءًا من أزمة أوسع يعيشها السكان، في ظل القيود المفروضة على إدخال عدد من السلع والمواد إلى القطاع، بعضها تحت تصنيف "الاستخدام المزدوج".
وتقول الأمم المتحدة إن المواد المصنفة "ذات استخدام مزدوج" تخضع لإجراءات وموافقات خاصة، وإن القيود على بعض هذه المواد تؤثر في قطاعات مدنية وإنسانية، من بينها المياه والصرف الصحي والمأوى والخدمات الأساسية.
وبينما تبرر "إسرائيل"هذه القيود باعتبارات أمنية، يطرح سكان غزة سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما تمتد آثار هذه القيود إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وتمس قدرة المواطن على العمل، وتوفير احتياجات أسرته، والتعامل مع آثار الدمار، والعيش بكرامة؟
فالمسألة، بالنسبة لكثير من سكان غزة، لا تتعلق فقط بوصول سلعة من عدمه، بل بقدرتهم على ممارسة أبسط حقوقهم في الحياة، والحفاظ على كرامتهم، والبقاء في أرضهم رغم الظروف التي يفرضها الاحتلال، الذي تمتد آثاره إلى تفاصيل حياتهم اليومية، وتزيد من صعوبة العيش في ظروف باتت قاسية أصلًا.
"من شيقل إلى 45" .. بكلة شعر تكشف كلفة التفاصيل اليومية في غزة
تبدأ الحكاية من احتياج شخصي بسيط، لكنه لم يعد كذلك في غزة؛ فبَكلة شعر صغيرة كانت تُشترى بسهولة وبسعر زهيد قبل الحرب، أصبحت اليوم أقل توفرًا في الأسواق، وإن وُجدت فقد تُباع بأضعاف سعرها السابق.
تقول ريم العشي، في حديثها لـ”بوابة الهدف” من قطاع غزة، إنها اضطرت إلى البحث في أكثر من متجر عن بَكلة شعر، بعدما ارتفع سعرها من شيقل واحد قبل الحرب إلى نحو 45 شيقلًا حاليًا.
وتروي: “كنت أبحث عن بَكلة شعر بسيطة جدًا، وتجولت في أكثر من متجر حتى أتمكن من العثور عليها. بالنسبة إلى شخص يعيش خارج غزة، قد لا يبدو الأمر مهمًا، لكن هنا حتى الأشياء الصغيرة أصبحت تتطلب بحثًا وجهدًا.”

وتشير إلى أن القيود المفروضة على إدخال البضائع أسهمت، وفق ما ينقله أصحاب المحال، في نقص مستلزمات العناية الشخصية وارتفاع أسعارها، موضحةً أن مستحضرات التجميل أصبحت أكثر كلفة وأقل توافرًا، فيما بات إدخال الساعات والعطور ممنوعًا.
وتختصر العشي أثر هذه الظروف بالقول: "عندما تصبح كل الأشياء الصغيرة غالية الثمن أو غير متوافرة، تشعرين إلى أي مدى أصبحت الحياة صعبة. نحن نريد أن نعيش في بلدنا، وأن نعمل ونربي أبناءنا ونعيش حياة طبيعية، لكن عندما يصبح كل شيء صعبًا، تصبح فكرة ترك المكان حاضرة لدى كثير من الناس، وهذا ما يسعى إليه الاحتلال. "
وتأتي شهادة العشي ضمن تحقيق يبحث في أثر القيود على دخول السلع المدنية إلى قطاع غزة، وانعكاس نقص بعض المنتجات وارتفاع أسعارها على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
ففي غزة، لا تظهر آثار الأزمة فقط في السلع الأساسية والكبيرة، وإنما تمتد أيضًا إلى أشياء بسيطة كانت تُشترى بصورة اعتيادية، وأصبح الحصول عليها اليوم أكثر كلفة وصعوبة.
" الإبرة والخيط أساس شغلي".. أدوات بسيطة تعرقل عمل خياط في غزة
في محل خياطة صغير داخل قطاع غزة، تبدو آثار نقص السلع أكثر وضوحًا؛ فالأزمة هنا لا تتعلق بسلعة للاستهلاك اليومي فقط، وإنما بأدوات يرتبط توفرها مباشرة بقدرة صاحب المهنة على العمل وتأمين مصدر دخله.
يقول الخياط أحمد المدهون، في حديثه لـ”بوابة الهدف”، إن نقص الإبر والخيوط يعرقل عمله، رغم أنها من أبسط مستلزمات مهنته، موضحًا أن كثيرًا من السكان باتوا يلجؤون إلى إصلاح ملابسهم بدلًا من شراء ملابس جديدة، بسبب تراجع قدرتهم الشرائية.

ويشير المدهون إلى أن بعض مستلزمات الخياطة تتأخر أو يصعب توفيرها، في ظل ما يتحدث عنه التجار من قيود مرتبطة بمواد “الاستخدام المزدوج”، متسائلًا: “ماذا يمكن أن تفعل الإبرة؟ وماذا يمكن أن يفعل الخيط؟ أنا أستخدمهما لخياطة ملابس الناس”.
ويضيف أن نقص المواد، إلى جانب انقطاع الكهرباء، يعرقل إنجاز طلبات الزبائن ويؤثر في مصدر دخله، مؤكدًا أن هذه الصعوبات لا تطاله وحده، بل تمتد آثارها إلى العائلات التي تعتمد على إصلاح ملابسها لتقليل النفقات.
"الناس بتسأل عن أدوات البيت وما بنلاقيها"
داخل أحد محال الأدوات المنزلية، يصف محمد شعبان، في حديثه لـ”بوابة الهدف”، تراجع توافر عدد من الأدوات التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية، نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال على إدخال بعض السلع، فيما تدخل أصناف أخرى بكميات محدودة سرعان ما تنفد، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها.
ويشير إلى أن بعض الأدوات المعدنية وأدوات المطبخ، ومنها السكاكين، تواجه صعوبة في التوافر، لافتًا إلى أن عدم وضوح القيود التي يفرضها الاحتلال على إدخالها يضع التجار أمام خسائر محتملة.

ويقول: "كتاجر، تحتاج إلى معرفة ما هو مسموح وما هو ممنوع. وعندما لا تكون الأمور واضحة، تخشى إدخال البضائع ثم رفضها، وتتحمل خسارة لا تستطيع تحملها. "
ويضيف أن نقص السلع ينعكس مباشرة على المواطنين، الذين يضطرون إلى البحث عن بدائل أو دفع أسعار أعلى، مؤكدًا أن استمرار قيود الاحتلال يزيد الضغط على سكان القطاع.
ويقول: "نحن باقون في أرضنا وصامدون فيها، عندما يضيّق الاحتلال علينا في أبسط احتياجاتنا وفي عملنا ومعيشتنا، فإن ذلك يزيد الضغط علينا، لكننا لن نترك أرضنا. "
حتى مستلزمات الدراسة ممنوعة.. إلى أين يريد الاحتلال أن يصل بنا؟
“حتى الدبابيس والدبّاسة ممنوعتان من الدخول”، تقول المعلمة أسماء الغول لـ”بوابة الهدف”، في إشارة إلى القيود المفروضة على إدخال المستلزمات والقرطاسية إلى قطاع غزة.
وتضيف الغول: “أنا قبل أن أكون معلمة، أنا أم، وأعاني من نقص كبير في كثير من المستلزمات الدراسية لأبنائي. حتى القرطاسية تدخل ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج، إلى أين يريد الاحتلال أن يصل بنا؟ من حق أبنائنا أن تتوافر لهم جميع مستلزمات الدراسة، خصوصًا أنهم محرومون أصلًا من المدارس.”

وتشير إلى أن نقص الأدوات المدرسية لا يضيف عبئًا جديدًا على الأطفال والأهالي فحسب، بل يزيد من صعوبة العملية التعليمية، في ظل ما خلّفته الحرب من دمار وحرمان للطلبة من حقهم في التعليم.
حين يتحول الضغط اليومي إلى سؤال عن البقاء
قد لا يكون منع سلعة صغيرة، كأداة منزلية أو مستلزم مهني، سببًا مباشرًا لمغادرة غزة، لكن تكرار القيود على احتياجات المدنيين وتراكم آثارها يطرح سؤالًا أكبر: إلى أي مدى يمكن أن تستمر الحياة بهذه الصورة؟
فالاحتلال لا يفرض قيودًا على السلع فقط، بل يترك آثارًا تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من العمل وإصلاح المنازل والملابس، إلى توفير الاحتياجات الأساسية. ومع اقتصاد منهك وارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى كثير من المستلزمات، يصبح الضغط جزءًا من حياة السكان اليومية.
ولا يمكن من خلال سلعة واحدة إثبات أن الهدف هو دفع الفلسطينيين إلى الهجرة أو ترك أرضهم، لكن استمرار هذه الظروف يفتح نقاشًا أوسع حول أثرها على قدرة السكان على البقاء والصمود.
في غزة، لا تبدو المسألة مجرد "إبرة وخيط" أو أداة مطبخ مفقودة؛ فحين تتراكم القيود على أبسط مقومات الحياة، يصبح السؤال الأهم: هل يُترك للفلسطينيين مجال ليعيشوا حياة طبيعية في أرضهم؟
ورغم ذلك، يؤكد سكان غزة الذين تحدث إليهم التحقيق أنهم متمسكون بأرضهم، وأن صعوبة الحياة لا تعني التخلي عنها، وبين القيود التي يفرضها الاحتلال ومحاولات السكان مواصلة حياتهم، تبقى المعركة اليومية هي معركة البقاء والصمود.

