Menu

الخليل وهستيريا نتنياهو

كميل أبو حنيش

بوابة الهدف - قطاع غزة

في أعقاب العملية البطولية التي نفذها اثنان من أبناء شعبنا في الخليل، انطلقت تصريحات القادة الفاشيين في «إسرائيل»، محمّلة بتهديدات لا لبس فيها بتدمير الوجود الفلسطيني في كل مكان، أعقبتها سلسلة من عمليات الهدم والتدمير والاقتحامات والاعتقالات، بلغت ذروتها بإخلاء حيّ كامل في الخليل بذريعة تدمير «البؤر الإرهابية»؛ فقبل هذه العملية الواسعة التي توعّد بها نتنياهو وسائر صبيته، كان جيشهم يشكو عدم قدرته على التصدي لبعض المستوطنين الذين يعيثون فسادًا في الضفة منذ مدة طويلة، وإذا به خلال ساعات يتحوّل إلى جيش يتصرف وكأنه في ميدان حرب حقيقية، ولكن ضد الفلسطينيين الآمنين.

لن نحتاج إلى تحليل معمّق حتى نفهم طبيعة هذه الممارسات الصادرة عن مؤسسات دولة لا تزال تصف نفسها بأنها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، وتزعم أن جيشها «الأكثر أخلاقية بين جيوش العالم»، فيما تثبت الوقائع أننا نواجه كيانًا لم تعرف البشرية له مثيلًا في الانحطاط والدموية والإجرام. لقد بلغ هذا الكيان ذروة تعفّنه وعنصريته وإجرامه، وآن الأوان لإسقاطه بالقوة.

صحيح أن نتنياهو يعيش حالة من الهستيريا خوفًا من فقدان الحكم، وأنه يوظّف الدم الفلسطيني والمعاناة الفلسطينية وقودًا لضمان بقائه واستمرار ائتلافه العنصري في السلطة. لكن نتنياهو يمثّل جوهر المشروع الصهيوني وطبيعة الدولة الصهيونية التي لا تستطيع التخلي عن الحرب والتوسع والعدوان والتدمير والإبادة والاستيطان.

فبعد حرب الإبادة على قطاع غزة، يعلن قادة الكيان أنهم سيسحبون هذا النموذج على الضفة الغربية، وأن الهدف النهائي من وراء هذا الإرهاب هو تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وهو الهدف الأسمى والنهائي للصهيونية لضمان بقاء يهودي «نقي» في هذه البلاد.

لا نستغرب هذه التصريحات والممارسات الصادرة عن هذه الدولة وقادتها، غير أننا نستغرب صمت ما يُسمّى المجتمع الدولي، الذي يبخل علينا حتى ببيانات الإدانة والتنديد. ونستغرب صمت العرب والمسلمين، بعدما باتت أصواتهم الواهنة غائبة عن المشهد. والأنكى من ذلك تواطؤ بعض الأنظمة العربية، كالإمارات، مع هذا الكيان، حتى باتت كالمخرز في خاصرة الأمة العربية وقضاياها.

وهنا نتساءل، ونحن نشهد هذه المذبحة اليومية بحق شعبنا: ما الذي يمنع الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي من عقد جلسة خاصة لمناقشة تهديدات دولة الاحتلال بمواصلة الإبادة والتهجير؟!

أفي كل يوم، تخرج علينا دولة تجاهر بعزمها على ارتكاب جرائم تصنّفها المنظومة الدولية جرائم حرب بموجب القانون الدولي. فأين الموقف الدولي إزاء هذه التهديدات والممارسات؟

ولماذا لا تقطع الأنظمة العربية المطبّعة علاقاتها مع الكيان العنصري؟ أتنقصها مروءة إسبانيا، مثلًا؟ ولماذا لا تندد بهذه التصريحات والممارسات، على الأقل؟ ماذا تفعل جامعة الدول العربية إزاء ذلك؟ ولماذا لا يتداعى وزراء الخارجية العرب إلى الاجتماع؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي؟

إن أكبر خطيئة يرتكبها العالم هذه الأيام هي السكوت على هذه الجرائم التي تشكّل خطرًا وجوديًا على شعب كامل. ولعل أحد أوجه العجز التي تصيب العالم عمومًا والعرب على نحو خاص، هو وقوع الجميع في مصيدة انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات «الإسرائيلية». فقد نجحت «إسرائيل» في رهن أي تطور سياسي أو ميداني بنتائج هذه الانتخابات، ونجح نتنياهو في جرّ العالم إلى انتظار ظهوره الاستعراضي المرضي، حتى بات العالم يعتاد الهستيريا التي يعيشها، وكأن خسارته الانتخابات تمثّل خسارة كبرى للعالم.

إن العملية العسكرية الجارية في الخليل اليوم تمثّل إحدى صور الجريمة الصهيونية المستمرة منذ زهاء قرن من الزمن، وتكشف، في الوقت ذاته، مدى احتقار «إسرائيل» للعالم، إذ إن ما يجري ينطوي على استغباء دول العالم بأسرها.

فالمطلوب من العالم أن يتفهّم اضطرار «إسرائيل» إلى تهجير حيّ كامل تعيش فيه مئات العائلات، لمجرد مقتل جنديين إسرائيليين على حاجز عسكري يمارس إذلاله اليومي بحق مئات الآلاف من الفلسطينيين. والمطلوب منه أن يتفهّم حاجة نتنياهو إلى تنفيذ عمليات تهجيرية ودموية من هذا النوع لضمان فوزه في الانتخابات. كما يُطلب من العالم أن يصدّق رواية الجيش «الإسرائيلي» عن عجزه عن التصدي لميليشيات المستوطنين الإرهابية في الضفة الغربية، وأن يتفهّم، في الوقت ذاته، إسراع هذا الجيش إلى هدم عشرات البيوت، واقتحام مئات المنازل في مختلف مدن الضفة وبلداتها، واعتقال المئات خلال ساعات.

ويُطلب من العالم أيضًا أن يتفهّم هواجس «إسرائيل» من احتمال أن تنفذ غزة، المدمرة والمذبوحة والمجوّعة والعطشى والمحاصرة، عملية جديدة على غرار السابع من أكتوبر، وأن يتفهّم، بناءً على هذه الهواجس، حاجة «إسرائيل» إلى مواصلة الإبادة وتدمير البيوت، بل وتهجير سكان القطاع.

إن هذا البرود العالمي إزاء ما يجري في فلسطين يمثّل وصمة عار في جبين عالم يتغنّى بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحضارة والقانون الدولي.

كميل أبو حنيش
عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين