تقف الطفولة في قطاع غزة أمام استراتيجية إسرائيلية ممنهجة تجعل من أجساد تلاميذ المدارس أهدافًا مباشرة للإبادة الصهيونية باختلاف أدواتها، في انتهاك صارخ لكل المواثيق والقوانين الدولية الإنسانية. ويتخطى استهداف المنظومة التعليمية كونه مجرد آثار جانبية للعدوان المستمر، فإنه يتجلى كسياسة عقاب جماعي تهدف إلى تقويض مقومات الحياة اليومية، وتفريغ المستقبل الفلسطيني من أجياله الشابة وتجهيلها، وتحويل حق التعليم والتنشئة إلى محطة محفوفة بالموت والنزوح والتهديد الدائم.
ويبرز هذا التوحّش الميداني جليًّا بجرائم الاحتلال التي أدت لمقتل 3 من التلاميذ في يوم واحد الأسبوع الماضي، وهم: مسك حازم الدلو (6 أعوام)، وتامر شادي صبح (14 عامًا)، ومحمد رياض أبو حماد (14 عامًا).
شواهد الميدان ودماء الأسبوع الماضي
وتتجلى هذه الفظائع في الدماء التي أُريقت خلال يوم واحد في الأسبوع الماضي، حيث اغتال رصاص الاحتلال ومسيّراته ثلاثة أطفال في مناطق متفرقة؛ إذ ارتقى الطفل محمد رياض أبو حماد (14 عامًا) إثر استهدافه المباشر بصاروخ أطلقته طائرة مسيّرة صهيونية قرب جسر وادي السلقا جنوب دير البلح، بينما كان يتنقل في المنطقة، ليتوّج استهدافه سلسلة استهداف الأطفال وهم في طريقهم للبحث عن الأمن أو مقومات الحياة.
وفي شمال القطاع، استُشهد الطفل تامر شادي صبح (14 عامًا) إثر إصابته بعيار ناري مباشر في الرأس أطلقته القوات الصهيونية المتمركزة في "الخط الأصفر" شمال بيت لاهيا تجاه منطقة تلة الذهب، مما أدى لقتله فورًا وإصابة ثلاثة أطفال آخرين كانوا برفقته.
وفي المنطقة الوسطى، وصلت الطفلة مسك حازم الدلو (6 سنوات) جثة هامدة إلى مستشفى شهداء الأقصى إثر إصابتها بعيار ناري قاتل في الصدر، أطلقته الآليات العسكرية الصهيونية بصورة عشوائية وكثيفة تجاه خيام النازحين غرب مخيم المغازي.
تُظهر هذه الحوادث الثلاث أن نيران الاحتلال لا تتوقف عند حدود محاور القتال، بل تلاحق الأطفال وتلاميذ المدارس داخل الميادين المفتوحة، وحول مراكز الإيواء، وفي عمق خيام النازحين المتهالكة، ما ينفي طابع "العشوائية" ويُؤكّد النهج الميداني القائم على القتل المباشر.
صرخة الآباء
وفي ظل هذا الواقع الميداني النازف وفي أحد مخيمات النزوح، يصف المواطن أبو محمد العصار، وهو والد أحد تلاميذ المرحلة الأساسية، حجم الرعب اليومي الذي يعتصر قلوب العائلات الفلسطينية، مُؤكّدًا أنه لم تعد هناك أي منطقة آمنة على الإطلاق، بعدما أصبحت الخيام ومراكز الإيواء في مرمى النيران المباشرة لآليات الاحتلال.
ويُوضّح أبو محمد أن العائلات باتت تعيش حالة من الخوف الدائم من رصاصة طائشة أو شظية قد تخترق خيمتهم، في وقت أضحى فيه القتل مشهدًا يوميًّا يشاهده الأطفال برؤية أقرانهم وأصدقائهم يُستهدفون أثناء تنقلهم أو بحثهم عن الماء، مشيرًا إلى أنه قد يتجه تفاديًا للموت إلى اتخاذ قرار بتعطيل طفله عن التعليم والامتناع عن إرساله لأي نقطة تعليمية.
ويُشدّد على أنه رغم أزلية النضال الفلسطيني من أجل التعليم، فإن حفظ أرواح الأطفال ونبض حياتهم أضحى الأولوية الوحيدة في ظل حياة مليئة بالرصاص والصواريخ، متسائلًا عن كيفية إرسال أبنائهم وهم يخشون عودتهم داخل أكفان.
ويُوجّه الوالد رسالة صريحة إلى المؤسسات الحقوقية والدولية يُطالب فيها برفع الحماية الصورية، مُؤكّدًا أن أطفال غزة ليسوا مجرد أرقام تُتلى في النشرات الإخبارية، وداعيًا إلى تدخل دولي جادّ يوقف استباحة دماء التلاميذ على طرقاتهم وفي خيامهم، ويضمن لهم العيش بأمان وحقهم الطبيعي في التعلم.
شهادات وثيقة: حقائق أرقام الإبادة
تتقاطع التقارير والإحصائيات الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية لتُؤكّد حجم الكارثة الإنسانية والتعليمية غير المسبوقة التي يُكابدها أطفال قطاع غزة، متحدثةً بالأرقام عن إبادة ديموغرافية وتعليمية شاملة.
فقد وثّقت تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) استشهاد ما يزيد عن 20 ألف طفل في قطاع غزة، مشيرةً إلى أن نحو 800 ألف طفل لا يزالون يواجهون مرارة النزوح والعيش في خيام ومبانٍ مدمّرة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، إلى جانب فقدان نحو 60 ألف طفل في القطاع لأحد والديهم أو كليهما.
وعلى صعيد التعليم، أكّدت تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن مئات المدارس ومؤسسات التعليم التابعة لها والتي تُستخدم كمراكز إيواء للنازحين تعرضت للقصف المباشر والأضرار البالغة، مما حرم أكثر من 625 ألف تلميذ وتلميذة من حقهم الأساسي في التعليم للسنة الثانية على التوالي، وتحويل المنظومة التعليمية إلى أثر بعد عين.
في وقت سابق، وزارة التربية والتعليم حذّرت من تداعيات استمرار استهداف التلاميذ والأطفال في قطاع غزة، مشيرةً إلى ارتفاع عدد الأطفال الذين استشهدوا في الاعتداءات، ومُؤكّدةً أن هذه الحوادث تمثل خسارة إنسانية وتربوية وانتهاكًا لحقوق الأطفال، ومبينةً أن تعرضهم للخطر أثناء توجههم إلى مدارسهم أو عودتهم منها، وفي محيط أماكن وجودهم وتلقيهم التعليم، يُهدّد حقهم في الحياة والأمان والتعليم.
وطالبت بتوثيق الاعتداءات التي تطال التلاميذ بصورة مستقلة، والتحقيق في ملابساتها ومساءلة المسؤولين عنها وفق القانون الدولي، إلى جانب توفير تدابير حماية عاجلة للأطفال والمنشآت التعليمية والعاملين في القطاع التربوي.
وشدّدت الوزارة على أن الحق في التعليم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة، وأن ضمان استمرارية العملية التعليمية يتطلب توفير الحماية الفعلية للتلاميذ وصون كرامتهم، داعيةً إلى تحرك دولي يُترجم الالتزامات القانونية والإنسانية إلى إجراءات ملموسة تُنهي الإفلات من المساءلة وتَحمي أطفال فلسطين.
وأثناء كتابة هذه السطور في التقرير، أصدرت وزارة التربية والتعليم بيانًا أعلنت فيه استشهاد 10 تلاميذ ومعلم جراء قصف الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة، خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فيما استشهدت الطفلة فاطمة البيوك (8 أعوام) متأثرةً بجراح أُصيبت بها بنيران الاحتلال شرق دير البلح.
وذكرت الوزارة أن التلاميذ الشهداء هم: مسك حازم الدلو (6 أعوام)، وبراء محمد معروف (14 عامًا)، وعبد الرحمن عوض (10 أعوام)، ومجد محمد حسن (15 عامًا)، ووليد محمد شكشك (14 عامًا)، وتامر شادي صبح (14 عامًا)، وممحمد رياض أبو حماد (14 عامًا)، ورفيف رائد لبد (16 عامًا)، ومحمد حسام شاهين (12 عامًا)، وفاطمة البيوك (8 أعوام).
وأدانت الوزارة الانتهاكات "الإسرائيلية" بحق الأطفال والتلاميذ، مُطالبةً المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية والأمم المتحدة بالتدخل العاجل لوقفها، وتوفير الحماية الدولية للأطفال والتلاميذ، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية.
حرب شاملة على التعليم
ولا تقتصر خسائر العملية التعليمية على الصعيد البشري، حيث يُواجه هذا القطاع تحديات مستمرة تتمثل في تدمير المرافق التعليمية والمدارس، وانعدام الإمكانات مما يحول دون سيرورتها، وحرمان التلاميذ من بيئة تعليمية سليمة.
وفي هذا السياق، يقول مدير التربية والتعليم غرب غزة، جواد محمد الشيخ خليل، إن استهداف المدارس والتلاميذ، إلى جانب تدمير المؤسسات التعليمية وتعطيل الدراسة، يُهدّد مستقبل جيل فلسطيني كامل، ويُقوّض حقه في التعليم، في ظل ما وصفه بمحاولات فرض واقع يُؤدي إلى تجهيل الشعب الفلسطيني وحرمانه من المعرفة.
وأشار الشيخ خليل إلى استشهاد أكثر من 20 ألف تلميذ، وأكثر من ألف من الكوادر التعليمية خلال الحرب، وفق الأرقام التي أوردها في تصريحاته، مُعتبِرًا أن استهداف التلاميذ والمدارس والمعلمين يَضرب مقومات العملية التعليمية، ويُهدّد قدرة المجتمع الفلسطيني على الحفاظ على حق أبنائه في التعلم والمعرفة.
وأوضح الشيخ خليل أن أكثر من 90% من مدارس المديرية خرجت عن الخدمة، جراء الدمار الكلي أو الجزئي أو استخدامها مراكز لإيواء النازحين، ما حرم آلاف التلاميذ من مقاعدهم الدراسية. وأشار إلى أن العملية التعليمية تستمر في نقاط مؤقتة تفتقر إلى المقومات الأساسية، حيث يتلقى بعض التلاميذ دروسهم وهم يفترشون الأرض، في وقت تُعيق فيه أزمة النزوح وغياب البدائل إعادة تشغيل المدارس المتضررة.
ويُضيف أن استهداف المنظومة التعليمية يتجاوز الأضرار المادية، ليطال حق التلاميذ في مواصلة تعليمهم، مع انقطاع بعضهم عن الدراسة الوجاهية والإلكترونية لعام أو عامين، وتراكم الفاقد التعليمي. ولفت إلى أن الوزارة تعمل عبر البرامج الاستدراكية على حصر التلاميذ المنقطعين ومحاولة إعادتهم إلى المسار التعليمي، مُحذّرًا من التداعيات طويلة الأمد التي يتركها حرمان الأطفال من التعليم على وعي المجتمع ومستقبل أجياله.
وأمام هذا الواقع، يُحذّر الشيخ خليل من المخاطر التي تُهدّد الأطفال والتلاميذ في الأماكن التي يتلقون فيها التعليم، خيام ونقاط تعليمية مؤقتة تفتقر للمقومات الأساسية، فضلاً عن الخطر الأمني الذي يَحدق بها ووجود كثير منها بالقرب من أماكن انتشار جيش الاحتلال في قطاع غزة، وهذا الذي تجسد في استشهاد عدد من التلاميذ برصاص آليات الاحتلال.
موت متربص وحياة مدمرة على مرأى العالم
تتحول تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة بأسرها إلى مواجهة مفتوحة مع الموت، ولا سيما الأطفال الذين باتوا يواجهون الخطر في كل مكان وزمان، فكل القطاع أصبح اليوم مساحةً مكشوفةً لنيران آلة القتل الإسرائيلية، التي تكرّس عدوانًا يتعهّد ميدانيًّا بإبادة تفاصيل العيش الفلسطيني، واستهداف الأجيال الناشئة في براءتها ومستقبلها على مرأى ومسمع من العالم بأسره، وسط صمت دولي مطبق يمنح القتل غطاءه، ويترك غزة وحدها تحصي دماء أبنائها وتشيّع أحلامها.

