Menu

اتفاق النووي الايراني في الحسابات الاقليمية

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف و نظيره الأمريكي جون كيري

محمد جبر الريفي

اتفاق الإطار بشأن البرنامج النووي الإيراني، و الذي وُقع في مدينة لوزان بسويسرا مؤخرا، بين كل من إيران ودول الغرب الستة، يعتبر -رغم بعض بنوده التي تحدد من قيمة تخصيب مادة اليورانيوم الضرورية لصناعة القنبلة النووية الايرانية- يعتبر انتصار كبير للإرادة الإيرانية التي لم تضعف ولم تلين أمام طغيان القوة الغربية والأمريكية، في سعيها لامتلاك زمام التكنولوجيا، خاصة النووية، والتي تعمل الدول الغربية الكبرى على حجزها عن بلدان العالم الثالث واحتكارها لنفسها؛ حتى تبقى مسيطرة على فاعلية الاقتصاد العالمي؛ ومن أجل استمرار عمليه النهب الرأسمالي الامبريالي على مقدرات الشعوب الأخرى، التي ما زالت تعيش في مرحلة تخلف حضاري، كبلداننا العربية والشرق أوسطية وكذلك بلدان كثيرة في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

بعد توقيع اطار الاتفاق ستشهد العلاقات الإيرانية الغربية انفراجا ملحوظا، وسيتم رفع العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على إيران منذ مدة طويلة، والتي لم تستطع هذه العقوبات رغم قسوتها وتأثيرها على فاعلية وحيوية الاقتصاد الإيراني، كبح الطموحات القومية الإيرانية، وجعلها تتراجع عن هدفها المعلن في امتلاك القدرة التكنولوجية، باعتبارها أهم شرط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية؛ لقطع أشواط في طريق التقدم والخروج من مرحلة التخلف.

الخلاص من هذه العقوبات سيؤدي الى ازدياد فاعلية النفوذ الإيراني في المنطقة وهذا ما يقلق الكثير من القوى الإقليمية في المنطقة، يأتي في المقدمة منها الكيان الصهيوني، التي تسيطر عليه نزعة التعنت والغطرسة والشعور بامتلاك القوة العسكرية الطاغية، في مقابل الضعف العربي وحالة التجزئة السياسية العربية الممنهجة، مما يجعله دائما يواصل ممارسة سياسة الرفض للحلول السلمية للصراع، وعدم التعاطي مع استحقاقات السلام عبر مشروع حل الدولتين، الذي يحظى الان بإجماع دولي.

منذ البدء في تنفيذ البرنامج النووي الإيراني، والكيان الصهيوني يراقب مراحله بقلق شديد مطالبا الولايات المتحدة بالقيام معه بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الايرانية؛ بهدف التخلص من الهواجس الأمنية التي تؤرقه، ولذلك جاء توقيع الاتفاق بين الدول الغربية الستة الكبرى وإيران بمثابة صفعة شديدة على وجه اليمين الإسرائيلي الفاشي المتطرف، الذي سيشكل الحكومة القادمة بعد فوز تجمع الليكود بقيادة نتنياهو.

في ميزان الحسابات السياسية والأمنية الإسرائيلية، سيؤدي الاتفاق مستقبلا الى ازدياد فاعلية الدور الإيراني في المنطقة، وهذا ما كان يثير مخاوف الكيان الذي أبدى معارضته الشديدة له، وحاول بشتى الطرق عدم توقيعه إلى درجة أن قام نتنياهو نفسه في زيارته الاخيرة الى الولايات المتحدة، قبل بدء الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، بالتحريض عليه أثناء إلقاء خطابه في الكونجرس الأمريكي بدعوة من الحزب الجمهوري، مما أثار حينها حفيظة الإدارة الأمريكية واستياء الرئيس الأمريكي، اوباما، الذي اعتبر ذلك تدخلا في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة.

الكيان الصهيوني يعتبر توقيع اتفاق الاطار خطوة على طريق الإخلال بموازين القوي في الشرق الأوسط لأنه يخشى إلى حد الهوس امتلاك أي دولة في المنطقة، للسلاح النووي الذي يعتبره يهدد وجوده و يضعف من دوره الوظيفي، الذي وجد من أجله، في حماية المصالح الغربية وإرهاب دول المنطقة وإعاقة هدف وحدة وتقدم شعوبها.

ورغم التطمينات الأمريكية للكيان الصهيوني في جعل البرنامج النووي للأغراض السلمية، إلا ان هواجس الكيان الأمنية لم تتلاشى؛ لأنه في تقدير المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وجهاز الاستخبارات خاصة، فإن توقيع هذا الاتفاق بإمكانه مستقبلا فتح الطريق لإنتاج القنبلة النووية الايرانية التي يخشاها هذا الكيان العدواني، رغم امتلاكه للعديد منها، وهذه الخشية مردها إلى موقف الجمهورية الاسلامية الايرانية السياسي من مسألة وجود الكيان الصهيوني نفسه في قلب المنطقةن باعتباره بالنسبة إليها جسما غريبا غير متجانس مع شعوبها، و يجب تدميره وإزالته تماما من الخارطة السياسية لدول المنطقة؛ لأن هذا الكيان قام بمؤازرة الدول الاستعمارية الغربية خاصة بريطانيا، على أنقاض الشعب الفلسطيني، وهو في الحقيقة موقف سياسي متقدم على كثير من المواقف العربية والاسلامية، رغم ما يشوب السياسة الخارجية الإيرانية من محاذير بسبب غلبة النزعة القومية الفارسية والمذهب الشيعي على خطاب الدولة الرسمي، وهو ايضا موقف سياسي يتطابق بشكل كبير على المستوى الاستراتيجي مع موقف حركة التحرر العربية والعالمية، ويأتي هذا الموقف من إيران في ظل تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية عربيا وإقليميا ودوليا، موقف سياسي جدير بالتقدير من قوى التحرر والتقدم والديمقراطية الفلسطينية والعربية المناهضة لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية، موقف سياسي غاب الآن عن مفردات الخطاب السياسي العربي والاسلامي، بعد هزيمة يونيو حزيران عام 67 ، حيث تحول هذا الخطاب من شعار تحرير فلسطين كشعار استراتيجي ناظم للأمة العربية والإسلامية، إلى شعار إزالة آثار العدوان، ولذلك فهو لا يصدر مثلا شعار تحرير فلسطين وتدمير إسرائيل عن دولة باكستان الإسلامية النووية، وهي دولة اقليمية كبرى لذلك لم تواجه انتاج قنبلتها النووية بأي مخاوف أمنية إسرائيلية.

أما النظام العربي الرسمي، فقد تراجع عن هدف تدمير الكيان الصهيوني بطرحه المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002 الذي ما زال يرفضها الكيان الصهيوني رغم ما فيها من مكاسب لم يكن يحلم بها ايام المد القومي التحرري الذي كانت تقوده مصر عبد الناصر.

موقف دول الخليج العربي التي تعتبر الآن إيران هي عدوها الرئيسي في المنطقة فمن الطبيعي أن يحظى توقيع الاتفاق بعدم الارتياح والرضا من جانبها لأنه في تقدير حساباتها السياسية المستقبلية قد يفتح الطريق للاعتراف الغربي بقبول دور ونفوذ سياسي ايراني كبير ومؤثر يتناسب مع موقع الدولة الإيرانية الجغرافي وحجم تعدادها البشري وإمكانياتها النفطية ومقدرتها العسكرية اضافة لما تتميز به إيران من كونها المركز الرئيسي للمرجعية الدينية للطائفة الشيعية في العالم الإسلامي ولما لها من تاريخ حضاري عريق وقد ساعدت هذه المقومات التي تمتلكها ايران على تشكيل حلف ذي طبيعة طائفية مذهبية يمتد من طهران حتى عدن قريبا من مضيق باب المندب وهو حلف يشكل في الواقع منظومة سياسية وعسكرية تناصب النظم العربية السنية الكراهية وتحتاجها الدول الغربية الكبرى في الوقت الحالي في مواجهة تنامي خطر التنظيمات السلفية التكفيرية المتطرفة المسلحة كتنظيم القاعدة وتفرعاته المنتشرة والممتدة في المنطقة العربية والتي تهدد المصالح الغربية وتناصب أيضا العداء لايران وللمذاهب والقوى السياسية والعسكرية الشيعية حيث أن اغلب الصراعات السياسية الداخلية التي تشهدها بعض دول المنطقة أصبحت تدار على أرضية طائفية ومذهبية وعرقية وهكذا فالدول العربية الخليجية بعد توقيع هذا الاتفاق الاطار سيتملكها الهاجس الامني والشعور بالقلق وستشغل نفسها بمراقبة انفراج العلاقة الإيرانية الغربية خاصة الأمريكية خوفا من توافق الأهداف الإيرانية والامريكية على اقتسام النفوذ والمصالح في المنطقة وعلى حساب المصالح العربية وذلك بسبب ضعف النظام العربي الرسمي وانقسامه وعدم قدرته على صياغة استراتيجية قومية موحدة له تمكنه في مواجهة الأخطار الخارجية وسياسات التكتلات الدولية الكبرى المناهضة لمصالحه.