مع مرور ثمانية وستين عاماً على النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني، تقترب الأمور أكثر فأكثر نحو إعادة صياغة مجريات الصراع وفي اتجاه العودة به إلى المربع الأول، مربع الصراع الوجودي الذي يتجاوز الصراع الحدودي.
إسرائيل وجدت في ميل الفلسطينيين نحو قبول تعديل طبيعة الصراع إلى صراع يمكن أن ينتهي عند حدود الرابع من حزيران 1967، وجدت في ذلك فرصة لتحقيق أطماعها التوسعية خصوصاً بعد أن حصلت على اعتراف الفلسطينيين بوجودها على 78% من أرض فلسطين التاريخية، في الواقع فإن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود على 78% من أرض فلسطين التاريخية فإنها أي المنظمة تكون قد قبلت بتجاوز قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، ذلك القرار الذي لا يعطي إسرائيل كل المساحة التي تسيطر عليها.
قرار التقسيم عملياً كان يعكس رؤية الدول الاستعمارية التي خلقت دولة إسرائيل لأسباب تتعلق برؤيتها لمصالحها في هذه المنطقة حيث أرادت تلك الدول من خلال ذلك القرار حل المسألتين اليهودية التي كانت تؤرق مجتمعاتها، والفلسطينية حتى لا تهدد مصالحها في حال عدم حلها.
غير أن الدول التي خلقت إسرائيل وفق تلك الرؤية، سلمت بالأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية طالما قبل الفلسطينيون والعرب ذلك، لكنها لم تتخلى عن جوهر رؤيتها فتبنت رؤية الدولتين، اليوم إسرائيل تضرب في العمق بل تنسف كل مبادرة أو سياسة تستجيب لحل الدولتين الأمر الذي يلحق أضراراً بليغة بحلفائها ومصالحهم، وليس فقط بالشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، إذا لم يكن الأمر واضحاً اليوم فإن قادم السنين سيضع الدول التي صنعت المشروع الصهيوني الاستعماري أمام تهديدات جديّة على مصالحها، ذلك أن الشعب الفلسطيني سيكون مضطراً لأن يخوض الصراع على كل الأرض الفلسطينية، ربما تدرك الدول الاستعمارية التي صنعت إسرائيل أن عليها القيام بجهد حقيقي إزاء ضبط مخلوقتها وإلاّ فإن ترك "إسرائيل" تفعل ما تشاء من شأنه أن يقرب زمن نهاية هذا المشروع من أساسه.

