بعد أن مر كثير من الوقت على طرح المبادرة الفرنسية، ها هي تجد طريقها إلى ميدان العمل، انعقاد الاجتماع الدولي على المستوى الوزاري في باريس، ليس سوى الخطوة الأولى التحضيرية نحو انعقاد مؤتمر دولي لم يتحدد زمانه بعد، لكن التقديرات تشير إلى أنه قد يرى النور قبل نهاية هذا العام، بموازاة ذلك يجتهد الأوروبيون لتحقيق مصالحة فلسطينية، بادرت إليها سويسرا التي ستدعو أطراف دولية وعربية إلى مؤتمر في جنيف نهاية الشهر الجاري.
هذا التحرك الذي يستنهض أيضاً همم من تبقى من العرب، لا تخرج أهدافه عن السياسة العامة الأوروبية، التي تلتزم كما الولايات المتحدة الأمريكية بحماية إسرائيل وضمان تفوقها، وإلاّ ما معنى أن يقول الرئيس الفرنسي أن أمن اسرائيل هو الشغل الشاغل لبلاده.
فرنسا هي الشريكة الرئيسية لبريطانيا في صناعة وتحقيق المخطط الصهيوني على أرض فلسطين منذ صدور وعد بلفور عام 1917، وهي لم تتغير كدولة رأسمالية حتى لو تغير دورها الاستعماري.
في الواقع فإن تبني الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لرؤية الدولتين، ينطوي على وعي عميق لكيفية تحصين دولة إسرائيل، وإطالة عمرها.
التحرك هو محاولة ربما تكون أخيرة لانقاذ إسرائيل من جنونها وأطماعها، ذلك أن حلفاء إسرائيل يراقبون ويحذرون من تحولها إلى دولة دينية عنصرية تتصاعد فيها الفاشية باضطراد، كما أنهم ليسوا مستعدين لأن يمارسوا الحد الأدنى من الضغط لضبط السياسة الإسرائيلية، التي تتسم بالتوسع والعدوانية، أما إسرائيل فهي غير قادرة على مخالفة طبيعتها كمشروع استعماري إحلالي استيطاني عنصري.
من يقرأ طبيعة التحولات الجارية في إسرائيل في إطار رؤية أوسع لما يجري في الإقليم لا يصل إلى نتيجة بأن المبادرة الفرنسية يمكن أن تثمر تحولاً نحو تحقيق تسوية مقبولة على الفلسطينيين. بالرغم من ذلك، فإن للفلسطينيين مصلحة في تدويل الصراع وبالتالي التعاطي مع المبادرة الفرنسية بدون الإعلان عن قبولها كما هي، نظراً لما تنطوي عليه من إجحاف.
بدلاً من الضغط على إسرائيل تكرر فرنسا ما دأبت عليه الولايات المتحدة التي تختار الإفراط في تقديم الإغراءات ومزيد من الدعم، بدون أن تحصل على مواقف إيجابية.
السياق العام للتحركات الدولية السويسرية والفرنسية، يشير إلى أن المجتمع الدولي يحاول تدجين حركة حماس في إطار الحراك السياسي الجاري، كجزء من عملية تحضير الميدان للمبادرة الفرنسية، نحن كفلسطينيين مستفيدون من كل ذلك، شرط الثبات على الحقوق، لأن إسرائيل ليست في وارد تسهيل نجاح المبادرة الفرنسية، أما العرب فإنهم يجدون في هذا الحراك غطاء لرغبتهم في إقامة علاقات تعاون مع إسرائيل لمواجهة الخطر الإيراني، ولذلك فإن الموقف الفلسطيني ينبغي أن يتوخى الحذر حتى لا يقدم ذريعة لهذه الدول، للابتعاد أكثر عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية وأهلها.

