Menu

من التاريخ الميداني للثورة الفلسطينية

غسان كنفاني: حول قضية أبو حميدو وجرائم الشرف والمسلكية الثورية

أحمد مصطفى جابر

غسان كنفاني

كيف تتعامل الثورة مع الجرائم التي يرتكبها أفرادها ولماذا يختلف القضاء والعقاب الثوري عن القانون الجنائي المدني، كيف تفهم الجرائم على خلفية الشرف في سياق تعقيدات العلاقات الثورية الجماهيرية، وكيف يجب أن يتم التعامل معها، وكيف نفهم مسائل المقاطعة والتطبيع والعلاقات مع العدو في السياق الإعلامي والعلمي والثقافي وما يتصل بها، هذه القضايا يناقشها غسان دفعة واحدة في نص أخير كتبه وكأنه يختم به حياة مليئة بالإنجاز ليس الأدبي فقط بل الفكري والسياسي والتنظيري الثوري أيضا.

في هذا النص الاستثنائي، يتبدى لنا غسان، كمنظر ثوري يحلل علاقات الثورة مع الجماهير ويشير بإصبعه إلى مكامن الخلل وعيوب هذه العلاقة واقتراحات تصحيحها، كما نجد غسان رائد التنظير لمقاطعة العدو والتحذير من أي شكل من أشكال الاتصال به، مع تحذير آخر لا يقل أهمية إن هذا لا يمنع أن من الواجب والحق أيضا الإطلاع على كل شيء عن العدو ودراسته بتمعن، نعثر على غسان التربوي الاستراتيجي الذي لا يكتفي بالنقد بل يقدم اقتراحات مباشرة لتصحيح استراتيجيات تربية الناشئة العرب في مدارسهم وجامعاتهم، وهو في كل هذا النقاش في هذا النص الطويل، لا يغادر موقعه كثائر فلسطيني ومنظر للثورة وداع لها، ممسكا بعروة المقاومة المستمرة، وكأن جملته الأخيرة هي تعبير مكثف عن حياته وعما يريد قوله "المضي بالثورة إلى الأمام" هذه جملة غسان الأخيرة، وهذه هنا مراجعة وعرض وإعادة كشف ضرورية وواجبة لنصه الأخير الذي كتبه مباشرة قبل استشهاده، هذا النص المعنون: (حول قضية أبو حميدو وقضايا التعامل الإعلامي والثقافي مع العدو)، وكان قد سلمه إلى مجلة الشؤون الفلسطينية التي نشرته في عددها رقم 12 في آب 1972 العدد الذي كرس لتخليد ذكرى الشهيد.

في هذا النص يناقش غسان مجموعة من القضايا تفجرت معا، ولعل هذا ما جعله يضعها في نص واحد، لأهميتها وأهمية تدارك الكلام فيها وضرر التأجيل، الأولى قضية الفدائي أبو حميدو الذي اتهم باغتصاب فتاتين من بلدة حاصبيا والذي حكمت محكمة ثورية بإعدامه حينها وقضية حدود وضوابط العلاقات الإعلامية والتعاون مع العدو الإسرائيلي استنادا إلى قضايا محددة.

وفي الحقيقة توقفت مليا عند هذا النص ورأيت أن من المستحق تقسيم مراجعته إلى جزأين أبدأ في الجزء الأول بقضية أبو حميدو بسبب أن جمع المسالتين سينتج نصا طويلا للغاية ومتعبا للقارئ مع ما فيه من غرابة بحثية رغم انه يلقي الضوء على الشغف الذي كان يكتب به غسان، وعن فكرته عن دور المثقف وواجبه في تناول وقائع ثورته دون اهتمام بالمعايير العلمية مع التزامه بها في سياق تحليلاته. فيما سأخصص مقالا آخر لقضية العلاقات مع العدو ومسألة التطبيع والمقاطعة.

قضية أبو حميدو: حدود الاتهام وأساس المسلكية الثورية:

طوال حياتي، وبدون أن أطلع على وقائع القضية، كنت أظن أن أبو حميدو مجرد مجرم في تاريخ الثورة، عاقبته وانتهى الأمر، وقد ترد إلى الذاكرة أسماء كثيرة اتهموا بمثل ما أتهم به بل أدينوا و نفذ بهم حكم الثورة، في وقائع مشهودة، ولكن كان اسم أبو حميدو يعبر بهشاشة بجانب تلك الأسماء فلا يتوقف المرء عنده وعند حقيقة ما جرى فعلا، حتى وقع بيدي هذا النص، الموجود منذ 44 عاما، دون أن يرشدنا إليه أحد، ودون أن ندرسه حقا كما يجب، نص ينتمي إلى سياق علم الاجتماع السياسي، مع الكثير من الشرح القضائي والفكر التحليلي الجنائي، هذا هو غسان يأتيك من حيث لا تتوقع!!

أبو حميدو مقاتل فلسطيني اتهم باغتصاب فتاتين هما شقيقتان من حاصبيا جنوب لبنان، وهذا الاتهام دفع شقيقهما لقتلهما، يناقش غسان هذا الحدث، هل فعلا كان هناك اغتصاب؟ ما رد فعل أهل البلدة ولماذا؟ كيف تصرفت الثورة وأين أخطأت؟ من المجرم الحقيقي؟

غني عن القول أنني لم أجد مصدرا آخر يتحدث عن هذه القضية، وأظن غسان تناولها لأسباب تربوية أكثر منها توثيقية، ولو كان هناك مراجع أخرى لأفادنا هذا كثيرا سواء في الإطلاع على تفاصيل لم يذكرها غسان أو تحقيق نص غسان نفسه، ولكن لدينا هنا على الأقل معيارين: الأول أن كاتب النص هو غسان كنفائي، الصحفي المحترف والبارع في تسجيل الوقائع، وأن النص نشرته أهم مجلة أبحاث تعنى بالقضية الفلسطينية حينذاك، ونشر النص كان لأهميته القصوى وليس بسبب استشهاد غسان فقط.

هب أهل البلدة إذا لغسل العار، وتحت موجة عنيفة من التحريض الاجتماعي التقليدي أقدم شقيق الفتاتين على قتلهما، ما لدينا إذا جريمة اغتصاب لم تحدث، فتاتين بريئتين تم قتلهما باسم الشرف  ومجرم بقي طليقا لأنه ( غسل عاره)

أظن هذا النص هو من أول النقاشات العربية حول (الجرائم على خلفية الشرف) من المعروف طبعا أن هذا المصطلح حديث جدا، والمصطلح الذي يستخدمه غسان هو (جرائم العرض) ولا يتسع المجال هنا لتبيان الفارق بين المصطلحين، وتزداد أهمية النقاش تبعا للإطار الذي تم به الحدث، علاقة الثورة بالجماهير وضوابط المسلكية الثورية للفدائيين.

في التفاصيل بعد اتهام أبو حميدو ومقتل الشقيقتين بغطاء تقليدي عشائري حكمت محكمة ثورية بإعدام أبو حميدو في ساحة البلدة ما رفضه السكان مطالبين بانسحاب الفدائيين من البلدة وخراجها ما تم فعلا تحت قصف الطائرات المعادية التي قصفت البلدة أيضا والسجن الذي كان فيه أبو حميدو.

لفهم القضية يفككها غسان إلى عناصرها الأساس بهدف –كما يحدد- الاحاطة بمآلاتها وجذورها عبر تحليلها إلى ثلاثة أجزاء: موقف الثورة من جرائم وانتهاكات يرتكبها عناصرها، والاغتصاب وجرائم العرض، وعلاقة المقاومة بالأهالي.

من المعروف أن الثورات والقوى الثورية تلزم عناصرها بدرجة عالية من الانضباط المسلكي تجاه الجماهير حتى أن الكثيرين من مؤرخي الثورات يعتقدون أن أحد أهم المعضلات التي تواجهها الجيوش الثورية هو تحولها إلى قوى محافظة في المستقبل نتيجة الضبط الحديدي. وينقل لنا غسان عن جون ريد أن تعليمات الجيش الأحمر الصيني عند اكتساح المقاطعات المسلمة كانت تطالب بمسلكيات متشددة وقاسية إلى حد أن تعليمات الرئيس ماو للجنود الصينيين تصل إلى المطالبة بألا يتلفظوا أبداً أمام المسلمين بكلمات مثل: خنزير، كلب، خمر.وحسب تاريخ السلوك الثوري فإن إعدام فدائي اغتصب قروية ليس عملا استثنائيا فالثورة أعدمت أشخاصا كثرا لأسباب مختلفة قبل هذه الحادثة وبعدها، ولكن سؤال غسان يتعلق بأمرين اثنين أولهما التحقيق ومتانته ونزاهته بشكل دقيق وعلمي صارم حيث أن جريمة الاغتصاب هي واحدة من أعقد الجرائم الجنائية ما تعرفه القوانين الجنائية جيدا، والأمر الثاني أن حادثا من هذا النوع يجب أن يقاس ليس فقط بموجب القوانين المكتوبة بل بموجب أيضا التربية الثورية التي نشأ عليها العنصر الثوري والانضباط والتسيس والشروط المسلكية المعتمدة، خصوصا أن العنصر الثوري هو عنصر تطوعي، بمعنى أن هذه المسلكيات والانضباط تندرج في إطار العقيدة الثورية.

المشكلة الأخرى برأيي التي لا يطرحها غسان هنا هو اختلاف نوعية التربية الثورية لدى تنظيمات مختلفة في الساحة الفلسطينية بدرجات متفاوتة كثيرا شهدنا على تناقضاتها في مواقف مختلفة من تاريخ المقاومة الفلسطينية، غياب الوحدة العقائدية وطبيعة الالتزام الثوري تفرض أشكالا مختلفة من التنشئة للمقاتل في فصائل تتراوح بين اليمين واليسار وبين التجنيد الارتزاقي إن صح التعبير وبين التجنيد السياسي العقائدي المبني على نظرية ثورية واضحة.

يصف غسان ما حدث في قضية أبو حميدو بالمهزلة، مؤكدا أن عملية اغتصاب لم تحدث أصلا وأن موضوع تحرش اعتيادي وبسيط لا يتحمل مسؤوليته الكاملة والمباشرة أبو حميدو، هذا الحادث أخذ على أكثر أشكاله سذاجة وان التحقيق اعتمد على غضب الشقيق القاتل وردة فعله من دون مبرر وان سلوك القاتل اعتبر دليل إدانة لأبو حميدو وللمغدورتين.

ويرى غسان أن منطق الثورة في جعل عقاب جريمة الاغتصاب هي الإعدام ما لا تأخذ به القوانين الجنائية المدنية مرده أن الثورة تعتبر الاغتصاب جريمة سياسية أيضا.

فالثورة لا تستطيع إلا أن تربط مسألة العقاب بالوعي المرتبط أساسا بشدة بالمسألة التنظيمية وطبيعة الانتماء، ومن هنا يناقش غسان جريمة الاغتصاب وجرائم العرض من منظور تقدمي رائد ولا أظنه مسبوقا في أدبيات الثورة أو الأدبيات المرتبطة بالموضوع عربيا.

بالطبع إن مجتمعا متخلفا سينتج تعريفات متخلفة لمختلف القضايا التي تواجهه ومجتمعا من هذا النوع يفصل تماما بين الجنسين ولا يجد حلا لمشاكل الكبت ويتسامح تجاه البوابة الخلفية للصور العارية والأفلام الإباحية ويروج لمنطق التحرر الجنسي، إن مجتمعا من هذا النوع لا تكون الجرائم الجنسية فيه أمرا بسيطا فهو يتغطى بقشرة أخلاقية هشة، وهذه الجرائم هي أفعال مركبة معقدة وتخضع كل حالة منها لشروط فريدة.

ويندد غسان بما يسمى (جرائم العرض) باعتبارها ردا على جرائم الجنس التي تحميها القوانين الرجعية ومنطق الأنظمة المتخلفة البرجوازية التي تحمي مرتكبي هذه الجرائم وتضمن استمرارها، ويرى أنه على الرغم من دور هذه الأنظمة في خلق مسرح الجريمة الجنسية تهرع لمسامحة مجرمين يقتلون أخواتهم وبناتهم، في حين تقف عاجزة عن تقديم أي حماية للضحايا.

بالتأكيد قضية أبو حميدو هي نموذج دراسي ممتاز لحالة ازدواجية القيم في مجتمعاتنا فقتل الشقيقتين أصلا غير مبرر حتى في السياق التقليدي لجرائم العرض وانصباب النقمة على أبو حميدو بدون أي إثبات رغم الدعوات الخافتة للأطباء الشرعيين إنما يأتي كله بمثابة إمعان في حماية القاتل وهدر دم البريئتين بل و وصمهما بتهمة ليس لهما فيها أي ارتباط.

ثالثة الأثافي هي انسياق الثورة وراء المزاج والغضب الجماهيري وهي كانت مطالبة بوقفة صارمة وجادة لكشف الحقيقة مهما كان الثمن، فقرار الإعدام جاء انسياقا لتيار متخلف يهدر دم الفتاتين ويبرئ القاتل وكان على الثورة بدلا من الانجرار لمحكمة ظالمة لأبو حميدو تشكل اتهاما للبنتين أيضا، أن ترفع صوتها وتدعو القوى الوطنية الديمقراطية اللبنانية لقول كلمتها لما لهذا الحادث من تداعيات وما لهذه التهمة من آثار على سمعة الثورة ككل.

في الجزء الأخير من هذا النقاش يلخص غسان انه من السذاجة الاعتقاد أن آلاف الشبان الذين يشكلون الجسد الحي للمقاومة هم جيش من القديسين الورعين رغم أن هذه الانتهاكات كانت قليلة للغاية وأقل مما يمكن توقعه.

وتشير الحادثة في تفسير أعمق إلى خلل خطير في علاقة الثورة بجماهير الجنوب وانه انفجار مأزق متقادم وأن سلسلة المعالجات المغلوطة للعلاقات مع الجماهير دفعت بتناقض ثانوي إلى سطح الأحداث.

وهو يلخص هذه المسائل:

  1. ضعف العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية التقدمية وتحولها إلى حالة شكلية بسبب استمرار المقاومة في اعتبار نفسها وجودا طارئاً وزائدا في الجنوب وليس جزءا من تحرك وطني وديمقراطي شامل.
  2. عسكريتاريا المقاومة التي أصرت على طرح نفسها فقط من خلال وجود وممارسات عسكرية
  3. هذا الوجود العسكري فقد ثقة الجمهور وتعاطفه بسبب كسل الحالة الثورية وقلة العمليات القتالية وضآلة حجمها.
  4. وجود عدو يعيش على مبادرات متحركة تعرف كيف تتسرب من خلال هذه الأحداث وتعرف كيف توجه رياح حربها النفسية وغاراتها المعنوية والنفسية بل والعسكرية فنجح في إرهاب جماهير الجنوب وبناء حاجز من الخوف بينها وبين المقاومة وهو حاجز بسبب الخشية من عقاب إسرائيل، ومن المهم الإشارة إلى انه في خضم حادثة حاصبيا كان كثير من سكانها الغاضبين مقتنعين تماما بصحة إشاعة تم ترويجها مفادها أن 25 فدائيا على الأقل تناوبوا على اغتصاب الفتاتين، شائعة لم تكن بعيدة عن نشاط استخبارات العدو.

يرى غسان أخيرا أنه من السخف تجريم أبو حميدو، وكذلك من السخف توجيه اللوم إلى سكان حاصبيا كما أن من الضروري القول أن لا دماء الشقيقتين البريئتين ودماء أبو حميدو وكل الأحكام الأخلاقية في العالم تستطيع أن تحل مشكلة من هذا النوع وخاصة كردة فعل خاطئة ومقطوعة الصلة بالفهم الصحيح للمشكلة ما سيولد حتما مشاكل جديدة وسنكون أمام ذات المعضلة.