محاولة الانقلاب التي جرت في تركيا بالأمس تلخص إلى حد كبير واقع تجاذبات السلطة وصراعاتها في هذا البلد، بل ويمكن القول أنّها تلخص إلى حدٍ كبير واقع علاقات القوى الأساسية في هذا العالم بالصراعات في منطقتنا، والأهم أنّ الحدث يحمل دروس هامّة لشعوب المنطقة وكذلك للحكام السياسيين في تركيا الذين يبدو أن المعركة قد جرى حسم نقاطها الاساسية من القوات التابعة لهم.
إزاء بضعة مئات من الجنود الذين تحركوا للسيطرة على مواقع أساسية هامّة في البلاد لاتاحة الفرصة أمام قيادة التحرك العسكري المضاد للحكومة لجر الجيش للمشاركة في إنقلاب عسكري كامل الأركان، تحرّكت الدولة الحقيقية بكامل أركانها، لينتهي الأمر بآخر الصيحات العسكرية للانتهاء.
النخبة المدنية في تركيا تمكّنت منذ سنوات من إزاحة قوة الجيش إلى هامش الحياة في تركيا، ونجحت في ربط المصلحة الغربية باستمرار سيطرتها على السلطة، فيما تأقلم قادة الجيش تدريجياً مع دور الجيش المحترف الذي لا يتدخل بالحياة السياسية، ومع الامتيازات المرتبطة بهذا الدور.
لم يكن من المفاجئ انتظار الفاعل الغربي لنتائج الانقلاب، وإبداء الولايات المتحدة نوع من التقبّل لنتائجه قبل أن تبدأ في توجيه الدعوات إلى دعم الحكومة التركية، بعد أن تيقنت من ضعف فرص حصول الانقلاب على الغطاء الجماهيري والسياسي.
فالنزعة الاستقلالية التي تبديها المنظومة الحاكمة في تركيا أحياناً، هي مزعجة بالفعل للغرب خصوصا فيما يتعلق بالتقارب المستجد مع روسيا، هذا الانزعاج على ما يبدو كان كافيا لنوع من القبول الغربي بحراك عسكري .
العامل الداخلي المرتبط بقوة النخبة المدنية وقوى الامن الداخلي والمخابرات المدينة لها بالولاء الكامل، بجانب تراجع الرهان الغربي على التحرك العسكري الذي فشل في حشد السواد الاعظم من المؤسسة العسكرية التركية التي فضل قادتها الانتظار قبل ان يبدأ معظمهم في التبرؤ من هذه المحاولة.
بعد انحسار هذه المحاولة تبدو تركيا أمام مفترق طرق حقيقي، فاستمرار الانحياز للسياسة الغربية والتساوق مع أطماعها المعادية لشعوب المنطقة لم يكن كافيا على الاطلاق لحماية تركيا من انقلابات حلفاء الناتو في الجيش التركي، والنزعة للاستبداد وتوسيع سيطرة الحزب الحاكم والرئيس التركي رجب طيب اردوغان هي بالفعل مستفزة لقطاعات واسعة من النخب التركية، حتى تلك التي رفضت الانقلاب.
الحكومة التركية ملزمة الان أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في سياساتها الخارجية التي لطالما راهنت على العامل الغربي لمنع الانقلابات العسكرية، وكذلك هي ملزمة بالاستجابة لتحفظ الجماهير وقطاع واسع من النخب السياسية، ضد توسيع صلاحيات الرئاسة خشية من تحولها لنموذج للاستبداد الذي لا يقل سُوءًا بكثير عن استبداد العسكر، وكذلك معالجة المخاوف بان تستغل الانقلاب الفاشل كذريعة لتوسيع مساحة الاستبداد.
وكخلاصة، فإنّ عدم اجراء مراجعة جادة لمجمل السياسات الداخلية والخارجية التركية، وعدم استخراج الدروس الرئيسة من عملية الانقلاب، قد يقود الرئيس أردوغان وحزبه إلى تعميق الازمة في تركيا من خلال الاقدام على إجراءات انقلابية في الوضع الداخلي تبدأ بالغرق أكثر فأكثر في معركته ضد حزب العمال الكردستاني وحاضنته من الجماهير الكردية، وإلى مزيد من "التطهير" في صفوف الجيش وتحويله إلى ظهير لحزب العدالة والتنمية، ثم التغوّل أكثر في التضييق على القوى السياسية وصولاً إلى حظر بعضها، فضلاً عن تعديل الدستور بما يُعزّز من السلطات المطلقة للرئيس. وفي هذه الحالة لن يجد أردوغان وحزبه إلاّ أزماتٍ متواصلة ستؤثر حتماً على استقرار ودور ومكانة تركيا في المنطقة، وقد تهيئ من المناخات الداخلية ما يسمح بنجاح محاولاتٍ قادمة -إذا ما وقعت- للتغيير في تركيا.

