مفاجئ كان غياب القائد التاريخي الفلسطيني تيسير قبعة، وهو مفاجئ الى حد أنه يضرب العقل والقلب بصاعقة كهربائيّة تجعل الإنسان السويّ يراجع وبقدر من الندم والأسى تفاصيل الزمن الجميل للثورة الفلسطينيّة.
رحيل قبعة، ليس رحيلاً لشخص نعرفه، ونقدر غيابه بعد أن كنّا همشنا دوره ومكانته في حياته خلال السنوات الأخيرة، وإنما غياب لجيل، بدأت عناوينه الكبيرة تسقط الواحدة بعد الأخرى.
ليس من السهل على إنسان عاش وعايش جيل المؤسسين للثورة المعاصرة، أن يتفقد وينعى كل قامة من القامات التي ازدحمت طرق التغييب بها، فهؤلاء كثُر وبالمئات ان لم يكن أكثر، لكن أفضل ما يقال فيهم وعنهم، هو ما يمكن تقديمه من دروس لجيل الشباب، هذا الجيل الذي يملك من الطاقات ما يشبه جيل المؤسسين، لكنه لا يحظى بالفرصة، أو أن ثمة من لا يريد له أن يحظى بالفرصة.
لست بصدد تعداد كل مناقب الراحل لكنني لا أجرؤ على مغادرة الحديث عن بعضها، الذي لا يتذكره الكثيرون وينكره عليه القليلون.
كان شاباً في أوائل العشرينات، يدرس في إحدى الجامعات السوريّة، حين بدأ بتشكيل اللبنات الأولى للاتحاد العام لطلبة فلسطين، هذا الاتحاد الذي شكل أهم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينيّة، وأهم مدرس في الديمقراطيّة والشراكة وتخرج منه عدد كبير من القيادات بعضهم لا يزال موجوداً، في قمة الهرم السياسي والتنظيمي، ويقدمون أفضل الصور لأفضل القادة.
تيسير كان أول رئيس للاتحاد العام لطلبة فلسطين مما يعني أنه كان من أوائل وربما أول من اعتمد طريق المأسسة، وتنظيم الطاقات الشبابيّة، بعمق وطني جامع وفاعل.
ومن موقعه ذاك، كان الاتحاد العام لطلبة فلسطين أول وأهم مؤسسة وطنيّة فلسطينيّة جالت أركان الأرض للتعريف بالقضيّة الفلسطينيّة واقتحمت حصون الحركة الصهيونيّة التي كانت تسرح وتمرح في كل مكان خصوصاً دول الغرب الرأسمالي.
إذا كانت هذه من أبرز مميزات الفقيد ومناقبه التي نفخر بها، فانه كان لفترة طويلة جداً، عضو في المكتب السياسي للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ونائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني.
لو أن لديّ المساحة الكافية لجعلت من مناسبة رحيله والحديث عنه مراجعة نقديّة للمرحلة التي كان فيها قائداً في الجبهة الشعبيّة، ولكن عليّ الاعتذار، فنحن عموماً لا نعرف كيف نكرم أبطالنا وصانعوا تاريخنا إلا بعد رحيلهم أي بعد فوات الأوان، سبق قادة كبار ورجال عظماء وسيلحق من تبقى من أبناء ذلك الجيل، مما يستوجب على الكل، الاعتراف بأن ثورة الشعب الفلسطيني قد بدأت منذ زمنٍ طويل وهاهم فرسانها، يؤكدون أنهم من بدأ بصناعة تاريخ المقاومة.

