Menu

حين يعز الوفاء ويستشري التمييز

طلال عوكل

غزة - بوابة الهدف

من يضطر لزيارة المستشفى، أي مستشفى سواء كان مريضاً، يتولد لديه انطباع سريع بأن كل أهل غزة مرضى، ملك الموت يجول في أنحاء القطاع نشيطاً إلى حد أن المآتم تكاد توازي حفلات الأعراس التي تتم بكثافة شديدة في أشهر الصيف، ملك الموت لا يتوقف عن الاسماء أو الصفات، ولا يتوقف عند الأعمار فهو يستهدف الجميع بدن حساب.

مرتفعة جداً نسبة الإصابة بأمراض القلب والضغط والسكر أو الفشل الكلوي، أما عن مرض السرطان فحدث ولا حرج.

إذا قدر للإنسان أن يزور مركز الرنتيسي للأورام، فإنه يصاب بالصدمة، لكثرة المراجعين، الذين ينتظرون الحصول على الجرعة فتراهم كأنهم مدمنون على أشد أنواع المخدرات.

في غزة لا يتوفر العلاج اللازم لهؤلاء، ولا تتاح للأغلبية الساحقة من هؤلاء، الحصول على تحويلة طبية، وتصريح للمرة وإلى المستشفيات التي تملك مثل هذه الإمكانيات في الضفة، يمكن أن تحصل على تحويلة طبية من دائرة العلاج في الخارج، وأن يتم تحديد موعد مع المستشفى ولكن عليك أن تنتظر التصريح الذي يأتي للبعض ويحجب على البعض الآخر الذي عليه أن ينتظر زيارة ملك الموت.

حين يقترب الإنسان من مسألة تصاريح المرور التي تصدر بتنسيق بين الشؤون المدنية الفلسطينية و"الإسرائيلية" تصاب بالغثيان وتكتشف أن المسألة ليست مسألة حظ وإنما هي سياسة من الاحتلال "الإسرائيلي" أولاً، وفلسطينية ثانياَ، ويبدو أن كل طرف لديه قوائم سوداء إذ يحصل على تصريح من يحظى بالدعم بسبب صلة قربى أو بسبب انتماء تنظيمي، فيما يأتي الجواب "مرفوض أمنياً" للأغلبية الساحقة ممن يحتاجون لمثل هذا التصريح.

 الصديق فتحي شاهين، كنموذج حصل على التحويلة الطبية ثلاث مرات، ولكنه لم يحصل على التصريح، رغم أنه يتعذب كل لحظة بسبب الإصابة بالسرطان، فتحي شاهين مناضل قديم، ولم يتوقف عن أداء دوره، وآخر ما تبوأ من المسؤوليات قبل تقاعده، إدارة مؤسسة الشهداء والجرحى ليستحق أبو حسن شاهين قليل من الوفاء، لكن السؤال هو أين هم أهل الوفاء الذين يكرمون المناضلين؟ بدا وكأن كل من يعرف فتحي وأغلبهم ليسوا من مستوى القرار أو التدخل الفاعل، يحاول أن يقدم المساعدة لكن النوايا الصادقة لكل هؤلاء لم تنفع في تحريك مسئول قادر على تقديم المساعدة.

القادر على تقديم المساعدة ليس لديه فائق إمكانية تقديمها إلا لأفراد العائلة والأصدقاء المقربين وأبناء التنظيم الموالين والذين يتجاهلون ما تهدف إليه السياسة الاحتلال الممنهجة في هذا الإطار.

 فتحي شاهين ليس أكثر من نموذج على سياسة التمييز والإهمال، وقلة الوفاء، نموذج قاهر للروح للعزيمة ويستهدف معاقبة المناضلين المخلصين لشعبهم وقضيتهم.

هل هذه هي خصائص السلطة المسئولة، أم أنها من خصائص سلطة الجماعة، سلطة الاستبداد والتمييز، سلطة الفساد والولاء الشخصي؟

وفي الأخير يتساءل فتحي شاهين، وعشرات الآلاف مثله لماذا لا يحصل على تصريح للعلاج بينما يحصل آخرين على تصاريح للسياحة والزيارة والهجرة وقد يكون من بين من يحصلون على التصاريح من مارس العمل العسكري ضد الاحتلال.