لا يحتاج المرء لأن يجتهد في البحث لمعرفة السبب المباشر الذي أدّى إلى وقف أو تأجيل أو تعطيل الانتخابات المحلية قبل شهر من موعدها وبعد أن انخرط الجميع، كل الفصائل في التحضير لإجرائها أو تعطليها كلٌ على طريقته وكلٌ حسب نواياه ودوافعه.
البحث سيصل إلى نتيجة واحدة، تشبه نتائج البحث عن أسباب أزمة الكهرباء والمسؤول عنها، كعنوان لمسلسل طويل من الازمات التي يعاني منها الشعب وتعاني منها القضية.
كان البعض يستسهل الإجابة عن سؤال لماذا سقط من السماء قرار اجرائها في هذا الوقت بدون مقدمات وبدون توافق وطني، إذا كان الجواب السهل أن المسألة تتعلق باستحقاق دستوري، وكأن هذه الانتخابات هي الاستحقاق الدستوري الوحيد الذي يحرص الجميع على الالتزام به.
بعيداً عن الدستور والنظام الأساسي، وكلّها مرجعيات مضروبة تماماً مثلما هو حال القانون والجهاز القضائي، وبقية الأجهزة التنفيذية، فإن اجتهاد لجنة الانتخابات المركزية وجاهزيتها لا يمكن أن يعوض غياب هذه المرجعيات التي دمّرها الانقسام. لهذا فإن السبب الأساسي لتعطيلها، لم يكن قرار محكمة العدل العليا، ذلك أنها كانت ستتعطل لأسباب أخرى، لو لم تتدخل محكمة العدل طالما أن الانتخابات في حال اجرائها لن تحظ برضى وموفقة والتزام الجميع.
مرة أخرى يتأكد الكل أن المسألة ليست مسألة نصوص وإنّما هي مسألة نفوس، وحسابات متضاربة ومتناقضة، لأنها محكومة لواقع ومعطيات من الصعب القفز عنها، تماماً كما لم تتمكن كل الاتفاقيات السابقة بشأن المصالحة من أن تُحرّك الواقع وتُغيّر الوقائع. كان من المفروض أن يدرك الناس أن وثيقة الشرف التي وقّعت عليها كل الفصائل لا يمكن أن تُشكّل ضمانة لإنجاح العملية الانتخابية فقبل الطعون التي أطاحت بتسع قوائم لحركة فتح في قطاع غزة، كانت الخروقات لوثيقة الشرف، أكثر من واضحة ابتداءً من البدء بالدعاية الانتخابية قبل موعدها بكثير، وليس نهاية بالتدخلات الأمنية الفظّة والفجّة.
في الواقع ما كان المشهد السياسي سينتج وقائع مخالفة لطبيعة الواقع القائم على الانقسام، حيث جاءت فصول التعاطي مع قرار الانتخابات مُجرّد تمرين مشوّش، سلبي لا يمكن إلاّ أن يكون انعكاساً للواقع الذي يجري فيه. هذا التمرين الذي يفتح المجال واسعاً ويقدم لكل طرف الذريعة، لكيل وتصعيد الاتهامات ضد الطرف أو الاطراف الأخرى. واذا كانت الأسباب والمعطيات التي أدّت الي تعطيل الانتخابات موجودة فكيف لأية انتخابات تشريعية كانت أم رئاسية، أم كانت للمجلس الوطني، أن تنجح وتُشكّل مخرجاً بدون مصالحة حقيقة، وتوافق وطني حقيقي، وتغيير حقيقي في الواقع ؟؟.

