Menu

تغيرات فوق رقعة الشطرنج

يوسف مكي

لأول مرة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، تتغير صورة المشهد الإقليمي، وطبيعة الاصطفافات والتحالفات في المنطقة التي باتت معروفة بالشرق الأوسط، بشكل دراماتيكي وجوهري. لقد استندت سياسة الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة ، بعد خروجها الواضح من خلف المحيط ، وانهماكها السريع والواسع بالسياسة الدولية، إلى خلق منطقة عازلة بين الدب القطبي، والمياه الدافئة بالجنوب. 

ومن أجل تحقيق هذه السياسة، عملت الولايات المتحدة على تأسيس مجموعة من الأحلاف العسكرية، ضمت عدداً من دول الشرق الأوسط، الأبرز بينها حلف بغداد. وقد كتبت شهادة وفاة هذا الحلف بقيام الجمهورية في ١٤ يوليو ١٩٥٩م، حيث انتهجت الحكومات التي أعقبت ذلك سياسات معادية للغرب. لكن الغرب واصل سياسة بناء الأحلاف العسكرية بالمنطقة، فتأسس حلف المعاهدة المركزية (السنتو) بنفس دول حلف بغداد، ناقصاً العراق. وبقيت الحدود الإيرانية والتركية، قوساً صلباً يحول دون اختراق السوفييت جنوباً إلى المياه الدافئة بالخليج العربي.

حققت إيران و تركيا ، بارتباطهما بالغرب ، مكاسب كثيرة ليس أقلها غض الطرف عن الخروقات التي تمارسها حكومتا البلدين، في ما يتعلق بحقوق الإنسان. وضمنتا تأييد الغرب لهما في سياساتهما الخارجية. والأكثر من ذلك مساندة الغرب لهما في قمع التطلعات القومية للحركة الكردية بالبلدين. 

وعلى نقيض من هذه السياسة، تصرف الغرب تجاه العراق، الذي خرج عن بيت الطاعة، لأكثر من أربعة عقود. لم يتردد الغرب في استخدام ذريعة انتهاكات حقوق الإنسان. ودعم القضية الكردية. ومنذ عام ١٩٩٠، تحقق حلم الأكراد في كيان مستقل، ترعاه أمريكا وتحميه، من المركز في بغداد.

في نهاية السبعينات، سقط حكم الشاه، وحل محله نظام الجمهورية الإسلامية. وبعد فترة قليلة نزلت القوات السوفييتية إلى العاصمة الأفغانية كابول. وكان ذلك بمثابة عقب إخيل الذي أودى بالإمبراطورية الشيوعية.

أدى التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان، إلى استنزاف متواصل لخزينة موسكو، التي كانت تعاني في الأصل شيخوخة النظام الشيوعي. وفي بداية التسعينات، أطلقت رصاصة الرحمة على الاتحاد السوفييتي، وغرقت روسيا الاتحادية في بحر عميق من الفوضى.

في أثناء ذلك، تقلصت الحاجة الأمريكية الاستراتيجية، للمناطق العازلة. ولم يعد لكل من إيران وتركيا أهميتهما الاستراتيجية، التي سادت أثناء الحرب الباردة. فقد سقط الاتحاد السوفييتي، ولم يكن البديل عنه قد شكل أي تهديد للوجود الأمريكي بالمنطقة. 

في هذه الأثناء، اقتنصت طهران انشغال الإدارات الأمريكية، ريغان وبوش، بتصفية تركة الإمبراطورية التي وصفها ريغان بإمبراطورية الشر، فأعادت ترتيب بيتها، وبناء قوتها العسكرية، والدخول في مجال الصناعة النووية، بعد انتهاء حربها الضروس مع العراق.

ومن جهة أخرى، نشط الإسلام السياسي في تركيا بقوة، وتمكن من إيصال نجم الدين أربكان إلى رئاسة الحكومة. لكن قوة العسكر، ومحاولة الإخوان الخروج على الصيغة العلمانية، التي كرسها إرث أتاتورك، أطاحتا بهم سريعاً، وأبعد الإسلام السياسي عن الواجهة. لكن عوامل كثيرة أدت إلى انتشار ظاهرة الإسلام السياسي أفقياً، في جمهورية أتاتورك، لعل أهمها عزوف الغرب عن قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي، ومشاعر المهانة التي شعر بها المسلمون عموماً من جراء عودة مناخات الحروب الصليبية، وبشكل خاص الغزو العسكري لأفغانستان والعراق، ودعم الكيان الصهيوني، خلقت بيئة ملائمة لعودة الإسلام السياسي وعودته إلى السلطة بقيادة رجب طيب أردوغان، وقد كان أحد عوامل نجاحه، تبني سياسة تركز على الجنوب بدلاً من الغرب، وتهتم بتصحيح الخلل مع جوارها الإقليمي، تحت شعار «صفر مشاكل».

لم تمض فترة طويلة، إلا وروسيا، بقيادة فلاديمير بوتين تنهض من جديد. أعادت بناء قوتها العسكرية والاقتصادية، وبدأت تتحرك في الجمهوريات السوفييتية السابقة، وخرجت منتصرة من أزمة القرم. وحين حدثت الحركة الاحتجاجية في سوريا، وقفت إلى جانب الدولة، في استعادة واضحة لأجواء الحرب الباردة. 

المتغير الاستراتيجي الجديد، هو انتقال إيران وتركيا من حلفاء للغرب إلى أصدقاء لروسيا. لقد أضاع الأمريكيون، والغرب على العموم حليفين استراتيجيين، بتصور أن ما بعد نهاية الحرب الباردة ستكون مرحلة طويلة، لكن للتاريخ مكره وجبروته. ارتبط المتغير الأول بالثورة الإيرانية، وسار في خط بياني متصاعد، إلى أن بلغ ذروته في الأيام الأخيرة، بمنح حكومة طهران المقاتلات الروسية حق الانطلاق من قاعدة همدان الجوية، بهدف معلن هو محاربة الإرهاب.

والمتغير الآخر، هو دخول تركيا على الخط، بشكل مباشر في أوضاع سوريا، بهدف إجهاض مخطط أمريكي ، والعمل على إقامة منطقة عازلة، لإعادة ترحيل مهاجرين سوريين يقيمون على الأراضي التركية، يقدرون بمليوني لاجئ، وإقامة سد بشري عربي في مواجهة التمدد الكردي، وجعل مهمة القوات التركية وحلفائها، إسقاط «الدولة الكردية»، كأولوية تتقدم القضاء على الإرهاب.

وهكذا تغيرت الأولويات، كما تغيرت خريطة التحالفات، وفقاً لمصالح الأطراف المتواجدة على الأرض، وأعداء الأمس يمكن أن يتحولوا اليوم إلى أصدقاء.

وفي اتجاه تغير خريطة التحالفات، يشكل انطلاق الطائرات الروسية العملاقة من قاعدة همدان الإيرانية للمرة الأولى منذ سبعين عاماً، تطوراً سياسياً أكثر مما هو تكتيك عسكري، ويفتح صفحة جديدة في التحالف الاستراتيجي الروسي -الإيراني، الذي بدأ يتعزز في المنطقة على حساب الدور الأمريكي. 

وينبغي في هذا السياق، إدراك أن استخدام الأراضي الإيرانية، لتنفيذ هجمات في سوريا، لم يكن ضرورة ملحة بالنسبة للروس، بل هو أقرب إلى استعراض القوة. فالأساطيل الروسية متواجدة في مياه البحر الأبيض المتوسط، وعلى سواحل طرطوس واللاذقية. لقد نجح الدب الروسي في صراع الإرادات مع غريمه اليانكي.