Menu

لنغادر أوسلو

اتفاق أوسلو

لا يمكن النظر لاتفاقيات أوسلو فقط بعدد السنوات التي مرت منذ توقيعها وإنما بما تركته من مصائب وتأثيرات مدمّرة على واقع الفلسطينيين وقضيتهم، ومجمل الصراع العربي "الإسرائيلي".

إنّ النظر لهذا الاتفاق كأي اتفاق آخر بين عدوين متحاربين يعطي الكثير من الضبابية، ويخفي حقائق كبيرة ومهمة، فأوسلو كان مشروعاً لتكريس الفكرة الصهيونية وكيانها النقيض للوجود الفلسطيني أرضاً وشعبنا وقضية وإعادة تشكيل للفلسطينيين ووجودهم وهويتهم، وأحد المداخل الأساسيّة لإعادة تشكيل المنطقة العربية، وليس من باب القول أن هذا الاتفاق كان ولا زال بمفاعيله مشروعاً مضاداً يهدف لتجريف المشروع الوطني الفلسطيني وانهائه عبر تحويل هويته وأهدافه.

فمعركة التحرر الوطني التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية في وجه العدو الصهيوني وعملت على تحشيد كل الطاقات لأجلها، خصوصًا الطاقات العربية بما تشمل من موقف سياسي ودعم شعبي، شكل اتفاق اوسلو طلقة في رأسها..

فالاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة، كان رأس جبل الجليد بين الكوارث التي حملها الاتفاق والمشروع، فهذا الاعتراف طالت مفاعيله التحول لأنماط من العمل المشترك بين السلطة الفلسطينية وسلطة الاحتلال، هذا ناهيك عن تحولات كبيرة ألزم الاتفاق بها منظومة القيادة الفلسطينية وأجهزة السلطة وحتى منظمة التحرير، ليصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم، من تبني وجهة نظر أعداء القضية الفلسطينية في النظر لنضال الشعب الفلسطيني ومقاومته، بالإضافة لتحويل الصراع والمطالبة الفلسطينية من مطالبة بحقوق اقرها القانون الدولي للتفاوض حول هذه الحقوق بمنطق جوهره بحث ما يتلاءم منها مع معايير الأمن الصهيوني والرغبات الصهيونية التوسعية.

فالانقسام الفلسطيني اليوم شئنا أم أبينا أحد أبناء اتفاقية أوسلو بما فرضته من واقع مشوش لسلطة تحت الاحتلال، وكذلك حالة العجز وانعدام الوزن الفلسطيني في مواجهة تقلبات الاقليم وتحولات المرحلة.

 وبالنظر للحالة العربية اليوم يمكن تلمس آثار الخطوات الكبرى للتطبيع بين النظم العربية والكيان الصهيوني التي فتح بابها هذا الاتفاق، والتي تجدد اليوم على شكل مساعي لتطوير التعاون الامني بين عدد من هذه النظم والكيان الصهيوني، والاسوأ هو التشوهات التي اصابت وعي الإنسان العربي تجاه قضايا المنطقة، والتي سمحت بالنظر للكيان الصهيوني كطرف آخر من بين طوائف المنطقة المتناحرة، يتم استسهال التعاون معه في مواجهة الآخرين.

 قد يكون كل ما ذكر هو مجرد إعادة لتلك التقييمات لهذا الاتفاق، التي يكاد يجمع عليها الفلسطينيين ومن بينهم حتى أولئك الذين شاركوا في صناعة هذا الاتفاق، ولكن استعادة هذا التقييم اليوم مهم بفعل ارتباطه بتردي الوضع الفلسطيني اجمالا، والحاجة الماسة للفكاك من هذا التردي، واستعادة الفلسطيني لمشروعه الوطني التحرري، كأداة استراتيجية في مواجهة الاحتلال.

لسنوات سبقت اعتبرت المطالبة بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بعيداً عن أوسلو مجرّد مبالغة، ولكن اليوم يبدو أنّ الفلسطينيين ملزمين بإعادة بناء مشروعهم الوطني وتجديد دمه، عبر الاتفاق على استراتيجية فعالة لمواجهة الاحتلال بكافة الأدوات، وتوحيد مؤسساتهم واطرهم القيادية وقواعدهم الشعبية لخوض معركة تبدو محتومة ولا فكاك منها في مواجهة مشروع الابادة المادية والمعنوية الصهيونية للفلسطينيين.

إنّ بناء استراتيجية وطنية صراعية مع هذا المحتل هو بالذات الترجمة العملية لفكرة مغادرة مشروع أوسلو كاتفاق وكخيار سياسي، وهنا من المفيد التذكير أن تنفيذ قرارات المجلس المركزي فيما يتعلق بوقف التنسيق الامني، مدخلاً مهم لصياغة ملامح هذه الاستراتيجية وبداية النهاية لنفق اوسلو المظلم.