Menu

صابر محيي الدين قامة من الزمن الجميل

طلال عوكل

أتمنى لو أن كتابنا ومثقفينا، وصحافينا، يستطيعون، استذكار كل من رحلوا وينتمون إلى الزمن الجميل، زمن العذرية الوطنية، والتفاني في النضال بعيداُ عن الأنانية، والإقصاء، والبحث عن الخلاص الذاتي والمصالح الخاصة.

أعلم أنه من الصعب استيفاء هذا الواجب، الذي لا يستوعبه إلاّ كتاب التاريخ، وكتاب الوثائقيات، فالقائمة أطول مما تحتمله الكتابات اليومية، التي بالكاد تنجح في ملاحقة وتغطية الأحداث اليومية التي تزدحم فيها وتتلاحق حياة الفلسطينيين هذا على افتراض أن الوضع العربي ليس فيه ما يستحق الملاحقة.

صابر محيي الدين الذي اختطفه ملك الموت مبكراً، بدون إذن، أو مقدمات، كان واحداً من إعلام وإعلاميي وكتاب الزمن الجميل، فضلاً عن أنه كان عضو في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

صامت، هادئ، أقرب في مداولاته اليومية وعلاقاته إلى حكماء الزمان، أو الرواة التلقائيين الذين يملكون مخزوناً كبيراً لا يستند إلى تجربة طويلة وحسب بل عمّدتها ثقافة واسعة وقدرة على السرد، والكتابة بأسلوب السهل الممتنع.

صابر، اسم على مسمى، شغل منصب رئيس تحرير مجلة الهدف خلال الفترة التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان والذي شهد أوّل احتلال إسرائيلي لعاصمة عربية وهي بيروت.

كان عضو في المكتب السياسي حين حمل السلاح، خلال الحصار الإسرائيلي والكتائبي لعاصمة الفن النشر والحرية، وخرج مع كل الذين خرجوا عبر ناقلات بحرية، مخصصة للمواشي.

وقبل أن يصبح رئيساً لتحرير الهدف لكي يتابع سيرة كفاحية، بدأها الكاتب المناضل الكبير غسان كنفاني ، كان صابر عضو في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين. وبالرغم من أن المواقع التي شغلها الراحل، على صلة وثيقة ومباشرة، بالنشر، والظهور والشهرة الإعلامية، إلاّ أن صابر آثر دائماً الابتعاد عن الأضواء، وكان في ذلك يعكس قيمة، لكثير من الجنود المجهولين الذين يطغى على سلوكهم الالتزام الوطني بعيداً عن  شبه حب الظهور أو تقديم الذات، كان صابر غزير الكتابة في الشئون الفكرية والثقافية والسياسية والتنظيمية الداخلية للجبهة، وكان ذلك ضمن حساباته للأولويات، ولو أن صابر اختار أولوية الكتابة للرأي العام، لكان أنتج العديد من الكتب والإصدارات، ولأنه كذلك، فقد كان يكتب افتتاحيات الهدف بدون اسم، له ولكل أمثاله من قامات الزمن الجميل كل الوفاء، وفاء هو جزء من ذكريات ذلك الزمان.