قد تكون النيابة العامة في رام الله تأخرت حين أعلنت بعد أسبوع على اعتقال رياض الحسن، عن مسؤوليتها، والتهم الموجهة إليه، الأمر الذي يجمد المقاربات القانونية والقضائية، لكنه يثير الأسئلة الأولى التي تتصل بحرية الرأي.
اعتقال شخصية من مستوى رياض الحسن، يشكل سابقة لا تسعفني الذاكرة في أن أعثر على مثلها منذ قيام السلطة الوطنية قبل اثنين وعشرين عاماً.
قبل تقاعده شغل الحسن منصب رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووكالة "وفا" الرسمية بدرجة وزير. وقبل ذلك شغل منصب المسؤول عن الهيئة العامة للمعلومات، ووكالة "وفا" بدرجة وكيل. حين جرت الانتخابات التشريعية عام 2006، أسندت إليه مسؤولية الحملة الدعائية لقائمة حركة فتح مما يعني أنه محل ثقة، وأنه يتمتع بكفاءات إدارية وسياسية تعترف بها قيادة السلطة وقيادة حركة فتح.
لم يُتهم الحسن بالتجنح، ولم يتعرض لاتهامات بفساد بحجم ونوع الفساد الذي عالجته الهيئة العامة لمكافحة الفساد كظاهرة لا يبدو أن له حصة كبيرة وخطيرة فيه قياساً بأنواع وأحجام الفساد التي يعرفها الجميع.
وسواء أكان الحسن واحداً من المتهمين بفساد أو غير ذلك فإنني لا أجد نفسي ملزماً بالدفاع عنه، أو عن غيره، إلا إذا كانت القرائن التي تصل من هم مثلي تدل على أن المسألة تتعلق بضيق صدر المسؤول عن نقد واجب، وحق يفترض في أن يكون مكفولاً له ولغيره ممن يدافعون عن الحقيقة.
الحقيقة هي أن قطاع غزة، المقيمين فيه، والمقيمين في أماكن أخرى، حتى في الضفة الغربية يتعرضون بالجملة للتهميش والفوقية في التعامل معهم، واعتبارهم في كل الوقت محل اتهام. الأمر يبدو أكثر من واضح حين يتعلق بالموظفين العموميين، من حيث الترقيات والاستحقاقات، ومن حيث الاستيعاب.
رياض الحسن حاول في مقالة كتبها محاولاً إنصاف بعض الموظفين أن يعبر جزئياً عن صحوة ضمير، وأن يشكو الأمر لأهل الأمر، فكيف له أنه، أو واحداً آخر فتح ملف كيفية التعامل مع أهل غزة على نحو واسع، وبكل ما فيه من مظالم لم يمر عليها مقال الحسن؟
سؤال بسيط نوجهه للمسؤول، الآمر والناهي، وللنيابة العامة وكل أنواع النيابات. إذا كان اعتقال الحسن على خلفية استغلال الوظيفة والمنصب، وغيرها مما ساقته النيابة العامة فهل يتطوع أحد ليبرر اعتقال المقدم في الارتباط العسكري أسامة منصور الذي كتب تغريدة مؤدبة للرئيس يعترض فيها على مشاركته في حفل تأبين الصهيوني شمعون بيريز؟
يمكن أن يحصل ذلك وأن يتكرر ويتسع حدوث ذلك، ولكن على الجميع أن يتذكر أن الأمن وحده لا يصنع وطناً ودول وإن إعلاء دور الأمن في حالتنا الخاصة، لا ينتج سوى المزيد من الخوف والإحباط والفشل.

