اتفاق روسي–أميركي في التاسع من سبتمبر، وقف لإطلاق النار في مدينة حلب وتسهيل دخول المساعدات لأهاليها، في السابع عشر من الشهر ذاته، تُغير طائرات التحالف الدولي بقيادته الأميركية على مواقع للجيش السوري في دير الزور، ما يُسهّل لتنظيم داعش احتلال الثكنات والمواقع التي تم استهدافها، في مظهرٍ يُشير بالتأكيد إلى طبيعة التعاون والتنسيق بين أميركا وداعش، الأسبوع الفاصل بين الاتفاق والغارة، كان كافياً لبروز التناقضات والتعارضات الداخلية الأميركية بشأن الملف السوري، إذ كان واضحاً ومعلناً، أن وزارة الدفاع الأميركي لا تُوافق على الاتفاق الذي وقعته الخارجية الأميركية بعد أيام طويلة من المباحثات بين موسكو وواشنطن، وكان من الواضح أن الغارة التي وضعت حداً للاتفاق، أكدت على بروز دور وزارة الدفاع الأميركية والمحافل الأمنية الأميركية الأخرى في مواجهة مع وزارة الخارجية الأميركية، خلافاً على الدور وليس خلافاً على الموقف الاستراتيجي الداعم للإرهاب في الساحة السورية.
إشارة وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الغارة التي شنتها قوات التحالف الجوية على مدينة دير الزور كانت مجرد خطأ، تؤكد أن واشنطن أرادت إرسال رسالة واضحة من خلال اعترافها بقيامها بهذه الغارة، على أنها لن تسكت على الدور الروسي المتزايد على الساحة السورية في مواجهة صريحة وقوية مع قوى الإرهاب التي تقودها داعش والنصر، وان "السياسة الناعمة" التي مارستها وزارة الخارجية الأميركية لم تعد صالحة بالنظر إلى عجزها عن مواجهة الضغوط الروسية بتحديد موقف واشنطن بوضوح من تنظيم النصرة الذي مع تغيير اسمه لم يغير من طبيعته الإرهابية.
وبعد قرابة شهر من اتفاق التوافق الروسي–الأميركي تحاول واشنطن الالتفاف على إفشال الاتفاق من خلال التوجه أولاً إلى نقل الملف السوري من وزارة الخارجية إلى وزارة الدفاع والأجهزة الاستخبارية، وكذلك تفعيل دور دول أوروبية لدعم خططها في سوريا، وهو هدف الاجتماع الذي عقد في برلين الأربعاء الماضي والذي ضم كل من المانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى الولايات المتحدة بطبيعة الحال، وهي تقريباً ذات الدول التي كانت تجتمع لاتخاذ موقف إزاء الدور الروسي في الأزمة الأوكرانية.
وإذ تشير وسائل الإعلام الأميركية إلى أنه رغم تشدد وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات الأميركية، إلاّ أن أياً منها لا تريد التصعيد الفعلي في الساحة السورية، وأن موقف هذه الجهات يعود إلى صراعات داخلية حول دور ووظيفة كل منها باعتبار أن المسألة السورية باتت مسألة داخلية أميركية رغم أن الأمر برمته لا جدوى كبيرة منه.
ستة أسابيع تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأميركية وإن الأمر كله سيتم ترحيله إلى إدارة جديدة، قد لا تختلف كثيراً في حال فوز كلينتون إلاّ أن الأمر سيختلف تماماً إذا ما تسلّم ترامب مقاليد البيت الأبيض في واشنطن، ويبدو أن التصعيد الروسي يأخذ بالاعتبار التحولات المحتملة ويريد تأكيد دور موسكو على الساحة السورية استعداداً لمثل هذه التحولات في الوقت المستقطع قبل أي انقلاب محتمل في البيت الأبيض.

