تبدو الأخبار المتداولة التي تتحدث عن خلافة الرئيس محمود عباس ، وكأنها على ثقة بأن هذه المسألة قد دخلت مرحلة الاستحقاق واجب التنفيذ الفوري، بينما لم يصدر عن الرئيس بأنه يفكر بالتخلي قريباً عن دوره في قمة الهرم السياسي الفلسطيني.
صحيح أن الرئيس بلغ من العمر ما يزيد بسنتين عن الثمانين، وأنه يقترب من إقفال ثلاث دورات رئاسية متواصلة زمنياً بحسب النظام السياسي الفلسطيني، لكنه يتمتع بصحة جيدة، ولا يزال يمسك بدفة العمل السياسي، بالرغم من الاحتجاجات القوية التي وقفت بعد وبسبب مشاركته في مراسم تشييع الصهيوني شمعون بيريز. هذه ليست دعوة، للقبول باستمرار الوضع بما هو عليه، ونحو تجديد دوره الرئاسي لدورة رابعة، خصوصاً وأنه هو أولاً وأخيراً صاحب القرار الحصري إزاء هذا الأمر وكالعادة لا تنفع في تغيير الوضع، كل الصلوات والدعوات والمطالبات من خارج الصندوق الأسود.
وبغض النظر عما إذا كان الحديث عن أمر الرئاسة، بمطالبات أو بدعوات، سلبية كانت أم إيجابية، فإن ثمة تحفظ ملحوظ إزاء تداول هذه المسألة علنيّاً، فإن لم يكن السبب هو أن مثل هذا الموضوع ينطوي على قداسة وهو أمر غير وارد فإنه يعكس حالة من الخوف والتردد في طرح هذا الموضوع وهو خوف له صلة بأشكال العقوبات التي تؤخذ بحق المعارضين.
إذا لم يكن الرئيس قد اتخذ قراره بالتخلي عن مسؤوليته ولم تُفّعل حركة فتح أو منظمة التحرير الفلسطينية، فإن ثمة من يدفع الأمور في هذا الاتجاه، والعين تقع على الرباعية العربية التي نفهم من خارطة الطريق التي قدمتها، أنها تتمنى أو تسعى وراء ذلك في تعليقه على ما تداولته الأخبار بهذا الخصوص قال الدكتور خليل الحيّة القيادي في حركة حماس إن حركته "لن تقبل بأن ينزل علينا الرئيس بالبراشوت"، لكنه لم يوضح كيف سيتم ذلك، ارتباطاً بواقع حال الفلسطينيين.
لقد تأخرت كثيراً عملية تحضير هذا الملف من قبل وحتى لا يتحول إلى عنوان خلاف وصراع كبير في الساحة الفلسطينية، الأمر الذي يجعل المحاولات الجارية لتدارك الأمر محل خلاف وصراع هي الأخرى لا تقل خطورتها وتداعياتها عن غياب عملية التحضير المنطقية.
في الواقع لا يوجد سبيل آخر، سوى أن يتم إسقاط عملية الخلافة بالبراشوت، فالنظام الأساسي الفلسطيني يعتمد الانتخابات، لكن هذه الانتخابات غير ممكنة في ظل الانقسام الجاري وقد كانت تجربة الانتخابات المحلية نموذجاً لمثل هذه الوصفة التي يتمسك بها الكثيرون بدون أن يقصدوها فتتحول إلى تبرير يضاف إلى مخزون التبريرات التي ترافق عملية الانقسام.
النظام الأساسي الفلسطيني ينص على أن يتولى رئيس المجلس التشريعي لمدة شهرين موقع الرئاسة في حال شغورها، مما يعني أن الدكتور عزيز الدويك هو المؤهل هذا إذا اتخذ الرئيس قراره بإخلاء الموقع فهل يمكن لقائد في حماس أن يشغل الموقع خصوصاً فإن التشريعي معطل منذ ولادته تقريباً؟
أما اذا كان المخرج بالعودة إلى منظمة التحرير الفلسطينية وقائدتها حركة فتح، فإن قواعدها المنظمة لا تسمح بذلك بشكل أوتوماتيكي وحتى لو كان ذلك ممكناً فإنه لا يمكن إسقاط الحل على السلطة الوطنية.
حين استشهد الرئيس ياسر عرفات ، كان الرئيس محمود عباس هو الرجل الثاني في فتح والمنظمة والسلطة، بلا منازع لكن الأمر اليوم مختلف تماماً، إذا لا أحد يستطيع تسمية الرجل الثاني في حركة فتح وبالتالي في منظمة التحرير ولا يصلح اعتبار الدكتور صائب عريقات كأمين سر لمنظمة التحرير لتكرار نموذج أبو مازن.
هذا يعني أن ثمة مرحلة انتقالية، تترجم عملية السقوط من الأعلى بالبراشوت، وتبدأ من المؤتمر السابع لحركة فتح، الذي تستعجل القيادة الفتحاوية انعقاده على الأقل لقفل الطريق تماماً وكلياً أمام مطالبة الرباعية العربية بالمصالحة الفتحاوية التي تنطوي على عنوان واضح وهو عودة النائب محمد دحلان إلى صفوف الحركة.
إكمال سيناريو التحضير لا يتوقف على انعقاد مؤتمر الحركة وإنما يحتاج إلى انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني هذا إذا كان المرشح من خارج الإطار الحالي للجنة التنفيذية للمنظمة وهو الأمر المرجح.
في كل الحالات نحن أمام عملية سلق وترقيع من المؤكد أنها ستعكس نفسها بمخرجاتها على مدى أهمية المؤتمر السابع، وكذا على جسم منظمة التحرير والعلاقات الوطنية بشكل عام.
عند فحص الأسماء المرشحة من داخل حركة فتح، لا يقدم الدكتور ناصر القدوة عضو اللجنة المركزية نفسه منافساً، ولا يفعل شيئاً من أجل ذلك، وقد آثر الابتعاد عن كل هذه الأجواء، وربما لذلك كان الأوفر حظًا لإدارة المرحلة الانتقالية، مما يؤدي إلى تأجيل طموحات المتنافسين إل حين تجري الانتخابات العامة.
ناصر القدوة واحد من خيرة الكفاءات التي أنتجتها مدرسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين التي عرفت بحرصها على الديمقراطية والشراكة، هذا فضلاً عن مزاياه الشخصية المحترمة، غير أن مسألة الرئاسة وهي ثلاث رئاسات في واحدة، قد يتطلب شخصية من نوع مختلف وفق معايير الوضع الذي تمر به الساحة الفلسطينية، يفرض تدخل الرباعية العربية أن يخرج الرئيس محمود عباس لكي يشرح الأمر من ألفه إلى يائه خصوصاُ وإن هذه المسألة ليست شخصية ولا هي حكراً على فصيل واحد بعينه.

